المشهد اليمني – معركة جبهة الساحل… كل ما تريد معرفته عن أسباب الانهيار وسقوط المخا

روكب اليوم

كشفت التطورات الميدانية والتقارير التحليلية الخاصة بالمعارك الأخيرة في جبهة الساحل الغربي، والتي انطلقت في الثالث من سبتمبر واستمرت حتى منتصفه، أن سيطرة مليشيا الحوثي على مدينة المخا وأرخبيل جزر حنيش وزقر وصولاً إلى التخوم القريبة من مضيق باب المندب لم تكن نتيجة هزيمة مباشرة في معركة حضرية داخل المدينة، بل جاءت كمحصلة حتمية لعملية تفكيك مرحلي لمنظومة الدفاع الاستراتيجية التي تحمي الساحل بأكمله.

الهندسة العسكرية للهجوم الحوثي: الالتفاف وعزل العمق

تجلت الخطّة العسكرية للمليشيات الحوثية في تجنب خوض مواجهة مباشرة في النطاق الضيق لمدينة المخا، حيث اعتمدت بدلاً من ذلك على استراتيجية شلّ نظام الحماية المحيط بها عبر عدة محاور متزامنة.

وشكل الضغط المستمر على عقد الإمداد الشمالية في حيس نقطة التحول الأولى التي قطعت الشرايين الواصلة بين جنوب الحديدة والساحل وأربكت خطوط الدفاع.

بالتوازي مع ذلك، نجح الحوثيون في إسقاط الحزام الجبلي الشرقي في المرتفعات الغربية لمحافظة تعز، وتحديداً في الوازعية ومقبنة والكدحة وجبل حبشي، مما منحهم إشرافاً نارياً وقدرة على الالتفاف الخلفي على القوات المدافعة.

وبتصاعد الهجمات الصاروخية وبالمسيرات نحو معسكر خالد بن الوليد ومفرق المخا، قطعت المليشيات الشريان الرئيسي بين الداخل والساحل، مما وضع الوحدات المرابطة شمالاً أمام خطر الحصار الوشيك وجعل انسحابها قراراً حتمياً.

الاختلالات الهيكلية وتأثير الدومينو

أظهرت هذه المعارك المتسارعة وجود اختلالات هيكلية عميقة في صفوف القوات المناهضة للحوثيين، حيث أدى غياب غرفة قيادة وتنسيق موحدة تجمع تشكيلات المقاومة الوطنية والعمالقة والألوية التهامية ودرع الوطن إلى غياب الرؤية الدفاعية المتكاملة.

ومع تعرض شبكة الاتصالات والسيطرة للاختراق أثناء الهجوم المكثف، سادت حالة من الارتباك العملياتي، وأدى سقوط المواقع الحاكمة إلى تسلسل الانسحابات الميدانية فيما يُعرف بتأثير الدومينو لمنع التطويق، في حين لم تتمكن الغارات الجوية المتقطعة من إيقاف الضغط البري المتواصل في ظل غياب الاستطلاع ومراكز التوجيه الميداني.

فرضية الخيانة أم الفشل التنظيمي؟

وعلى الرغم من تداول اتهامات متبادلة بشأن وقوع خيانات أو انسحابات غير منسقة كشفت ظهر بعض التشكيلات، إلا أن الواقع الميداني يرجح أن السبب الأساسي يكمن في تفكك المنظومة وغياب التنسيق بدلاً من وجود مؤامرة منظمة.

ويشير اضطرار قيادة المقاومة الوطنية لإنشاء مركز قيادة بديل في موقع آمن أثناء المعارك إلى تعرض المنظومة الرئيسية للتعطيل المباشر، وهو ما دفع القوات للانسحاب باتجاه ذباب وباب المندب لإعادة التموضع وبناء خط دفاعي جديد بدلاً من الاستنزاف داخل مدينة معزولة.

يُظهر المسار الزمني أن مليشيا الحوثي لم تسقط المخا باقتحامها، بل بقطع أسباب البقاء العسكري فيها، بينما تظل التحركات الجارية حالياً لإعادة تنظيم القوات تحت قيادة موحدة بمثابة مسعى متأخر لمعالجة ثغرة القيادة المشتركة قبل بدء معارك الاستعادة المرتقبة.

تختلف التشكيلات العسكرية التي كانت ترابط في الساحل الغربي من حيث خلفياتها الأيديولوجية، وطبيعة تسليحها، ونمط قيادتها، وهو ما انعكس بشكل مباشر على مستوى التنسيق الميداني بينها خلال المعارك الأخيرة.

ألوية العمالقة

القيادة: تخضع لقيادة عبد الرحمن المحرمي (أبو زرعة)، وتتألف غالبيتها من مقاتلين ينتمون للتيار السلفي وأبناء المحافظات الجنوبية.

التسليح: تمتاز بتسليح ثقيل ومتوسط متطور يشمل المدرعات الحديثة، والمدفعية، والمنظومات الصاروخية قصيرة المدى، وتعتبر من أكثر القوات تمرساً في حرب العصابات والاقتحامات البرية.

العقيدة القتالية: تعتمد على العقيدة السلفية المناهضة للفكر الحوثي، مما منحها ثباتاً ميدانياً كبيراً في المواجهات المباشرة.

حراس الجمهورية (المقاومة الوطنية)

القيادة: يقودها طارق محمد عبد الله صالح، وتضم في صفوفها ضباطاً وأفراداً سابقين من الحرس الجمهوري والقوات الخاصة التابعة للجيش اليمني السابق.

التسليح: تمتلك هيكلية جيش نظامي من حيث الدبابات، المدرعات، عربات النقل العسكري، وشبكات الاتصالات، إضافة إلى قيادة عملياتية مركزية.

العقيدة القتالية: تعتمد على التنظيم العسكري النظامي والولاء المؤتمري/الجمهوري، مع التركيز على مسك الأرض وإدارة المحاور الاستراتيجية.

الألوية التهامية

القيادة: تشكيلات محليّة يقودها ضباط ووجهاء من أبناء تهامة (مثل الزرانيق وغيرها)، وتم إعادة تنظيمها مؤخراً تحت قيادة اللواء زايد منصر.

التسليح: تسليح خفيف إلى متوسط، يعتمد بشكل أساسي على الدعم المباشر والممرر عبر التشكيلات الأكبر، وتفتقر للمدرعات الثقيلة أو غطاء الدفاع الجوي.

العقيدة القتالية: عقيدة مناطقية محلية تقوم على الدفاع عن الأرض والديار في مناطق الساحل الغربي ضد التمدد الحوثي.

أسباب تعثر التنسيق الميداني بين القوات

تعددت العوامل التي حالت دون وجود غرفة عمليات موحدة وكفؤة، وأبرزها:

تباين المرجعيات والولاءات: تنوع الرعاة الداعمين واختلاف الأجندات السياسية لكل مكون (بين تيار جنوبي سلفي، وقيادة جمهورية نظامية، ومقاومة مناطقية تهامية)، مما خلق حالة من التنافس الضمني بدلاً من التكامل.

اختلاف العقيدة والمشروع السياسي: رؤية ألوية العمالقة والألوية التهامية لترتيبات السلطة المستقبلية تختلف عن مشروع “حراس الجمهورية”، وهو ما ألقى بظلاله على مستوى الثقة المتبادلة في إدارة الخطوط الخلفية والجبهات الحاكمة.

انعدام شبكة اتصالات موحدة: تسبب غياب منظومة اتصالات مشفرة وموحدة تربط القطاعات كافة في سهولة اختراق الاتصالات الحوثية وتمرير بلاغات خافضة للروح المعنوية، أدت إلى انسحابات غير منسقة.

غياب قيادة أركان مشتركة: إناطة قرار السحب وإعادة التموضع بمركز قيادة واحد دون إشراك بقية المكونات في اتخاذ القرار العملياتي تسبب في كشف ظهر التشكيلات المجاورة على الأرض عند وقوع الاختراق الحوثي.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enable Notifications OK No thanks