الناخب ليس مخدوعا.. قراءة في الترمبية وجذور اليمين الأمريكي | ثقافة


روكب اليوم

يحتل صعود اليمين المتطرف في المجتمعات الغربية، وارتباطه بصعود السلطوية في العالم الثالث، مركز التفكير السياسي اليوم. وأمام هذه الموجات اليمينية يظهر عادة تفسيران.

تتجه القراءة الليبرالية إلى اعتبار صعود اليمين المتطرف ردة فعل ثقافية محافظة على التنوع العرقي والثقافي الذي جلبته موجات الهجرة. ومن ثم يتمثل العلاج الليبرالي في ممارسة تنويرية وقانونية تحفز الجمهور اليميني على قبول التعدد واحترام الخصوصية، وتدفع الأقليات المهاجرة في المقابل إلى الاندماج في ثقافة علمانية تقدمية تحترم الحريات الفردية، ولا تهدد ما يُنظر إليه بوصفه قيم الحضارة الغربية أو الثقافة المستقرة في مجتمعاتها.

أخبار مقترحة

  • هدية ترامب للصين
  • هكذا تكلم ترامب

أما القراءة اليسارية فلا ترى في اليمين المتطرف سوى تعبير مشوه عن احتجاج الطبقات الشعبية على السياسات الرأسمالية؛ إذ توجه النخب الرأسمالية طاقة الغضب الشعبي نحو المهاجرين والأقليات، بينما تستخدم أدوات العنف والقسر لفرض سياسات رأسمالية متطرفة وقمع أي مقاومة تحاول كبح جماحها. ويبدأ علاج الظاهرة، في هذه القراءة، بمضاعفة جهود اليسار التنظيمية وتجذير خطابه الكاشف لتناقضات الرأسمالية.

وتلتقي القراءتان، على اختلافهما، في النظر إلى فكر اليمين المتطرف على أنه ردة فعل تفتقر إلى الأصالة، أقرب إلى اضطراب نفسي أو وعي مشوه أو قناع زائف لمصالح تستخدم هذا الفكر أداةً للتضليل.

وبحكم التقائهما في التشخيص، تنتهي القراءتان في التحليل الأخير إلى وصفة علاجية واحدة هي الوصفة التنويرية. فالليبراليون يدعون صراحة إلى تنوير الجماهير جميعا، الجماهير اليمينية الساخطة والأقليات القادمة من مجتمعات يرونها رجعية. أما اليسار فلا يستخدم مقولة التنوير صراحة، لكنها تظل الجوهر الضمني لنقده الأيديولوجيا، ولمعالجته مشكلاته وكأنها محض مشكلات تواصل تتعلق بإفهام الجمهور حقيقة مصالحه ومن يعبّر عنها.

أحد أعضاء جماعة “براود بويز” يرفع علامة “موافق” بيديه أثناء تجمعه مع آخرين أمام مبنى الكابيتول بولاية أوريغون خلال مسيرة لليمين المتطرف في 8 يناير/كانون الثاني 2022 (غيتي)

في المقابل، أحاجج هنا بأن اليمين المتطرف فكر أصيل تعتنقه قواعد اجتماعية واسعة عن وعي واختيار، لا ردة فعل مرضية، وهو ما أسميه “أصالة اليمين المتطرف”. وما يبدو موجة صعود طارئة لا يعني أن هذا اليمين ابن لحظة الأزمة؛ فالأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية تخلق فراغا في الهيمنة تتمدد فيه قوى شعبوية لا تجد غضاضة في الإفصاح عن أفكار اليمين وقيمه بوضوح. أي أن الأزمة لا تخلق اليمين المتطرف من العدم، وإنما تصقل تمثيله السياسي وتخلّصه من الوساطة النخبوية التي كانت تخفف من غلوائه.

التطور غير المتكافئ

لكن هذا لا يعني الانتهاء إلى قراءة ثقافية محافظة تدّعي تفوقا في تفسير هذه الظواهر، بزعم أن تلك الأفكار والقيم تمثل جوهر حضارة بعينها أو لبّ ثقافة متوارثة متعالية على التاريخ. فالإسلاميون في المجتمعات المسلمة يقولون إن اليمين المتطرف هو الوجه الحقيقي للحضارة الغربية، وإن أفكار الليبراليين واليساريين ليست سوى أقنعة هشة له، بينما يزعم اليمين المتطرف الأوروبي والأمريكي أن المشكلة تكمن في ثقافة إسلامية تدفع المسلمين نحو التطرف وتنتهي إلى تهديد الحضارة الغربية.

تستمد هذه القراءات الثقافوية جاذبيتها من سطحيتها واختزالها، ومن تحفيزها مشاعر العداوة وتعريفها الأشياء عبر ثنائيات متناقضة. لكنها قراءات تغفل التاريخ، وتنطلق من عنصرية صريحة أو ضمنية تفترض أن بشرا خُلقوا على حال أفضل من غيرهم، أو أن البشر ليسوا سوى تجسيدات لثقافات نشأت في عالم آخر ثم حلّت في كائنات تحيا في هذا العالم.

لا تعني أصالة اليمين المتطرف إذن أن الثقافة التي يدافع عنها، إسلامية كانت أو غربية أو مسيحية، متعالية على التاريخ. تعني أن الجماعات البشرية لم تكن مضللة أو مجبرة حين اعتنقت هذه الثقافات، وأن التنوير وحده لا يكفي لثنيها عنها. أما جذور هذا الاعتناق فسياق تاريخي نشأ عن تفاعلات اجتماعية يمكن فهمها، ويمكن أن تتغير، فتتخلى جماعات عن أفكار وتعتنق غيرها، دون أن يكون هناك شعب مختار أو شعب مغضوب عليه، أو دين هو أصل كل الشرور أو سبيل إنقاذ العالم من مشكلاته السياسية.

وما أحاجج عنه هنا أن التراكم الرأسمالي في المجتمعات الحديثة تطلّب ما يسميه الجغرافي الماركسي نيل سميث “التطور غير المتكافئ” بين النطاقات الجغرافية داخل المنظومة الاقتصادية الواحدة. فحيثما تطورت الصناعة الحديثة ونشأت المؤسسات المالية التي تنظم الاستثمار وتعظّم التراكم، تخصصت مناطق أخرى بالضرورة في الزراعة واستخراج المواد الخام، لتوفر الغذاء والموارد الطبيعية التي يحتاجها النشاط الصناعي والمالي في المدن. وظلت الأرياف كذلك خزانا لليد العاملة الرخيصة التي سرّعت التراكم في الحواضر.

وبينما طوّرت مجتمعات المدينة ثقافة تناسب ظروف حياتها المادية، تحترم الفردانية والخصوصية والتنوع وسيادة القانون، طوّرت النطاقات الريفية وشبه الريفية ثقافة محافظة تقدّس الأسرة والانتماء، وتجعل الدين مركز الحياة الاجتماعية، وترى في مظاهر التحرر الثقافي في المدينة فجورا وانحرافا نابعين من التخلي عن ثقافة أصيلة تحترم المرجعية الدينية والقيم الجماعية.

ويكفي النظر إلى أي خريطة تصويت في الولايات المتحدة أو فرنسا أو حتى البرازيل لرؤية هذا الجذر الجيو-اجتماعي للانقسام بين المحافظين والليبراليين، أو بين اليمين واليسار. ففي فرنسا تصوّت “فرنسا الطرفية”، بتعبير الجغرافي كريستوف غيلوي، لليمين بثبات، بينما تصوّت المراكز الحضرية للقوى الليبرالية واليسارية. وفي الولايات المتحدة يبدو الانقسام أوضح بين الولايات الجنوبية والشمالية. أما في البرازيل فيمثل الشمال الشرقي معقل حزب العمال اليساري الذي يقوده الرئيس لولا دا سيلفا، بينما يحتفظ اليمين بنفوذ صلب في الجنوب والوسط الغربي.

وقد يدفع هذا إلى افتراض أن انفصال الولايات المتحدة، مثلا، كان كفيلا بخلق دولتين متجانستين سياسيا، شمال يحظى بإجماع ليبرالي ودولة مسيحية محافظة صارمة في الجنوب.

ذلك ما قد تفترضه قراءة ثقافية محافظة جوهرانية تتصور أن صنفا من البشر مسيحيون أنقياء بالفطرة، كما يتصور الأصوليون الكالفينيون، بينما صنف آخر لم تصبه النعمة الإلهية ولن تصيبه أبدا.

أما في قراءتي، فلن يفضي الانفصال إلا إلى إعادة إنتاج التطور غير المتكافئ، وهو شرط التراكم الرأسمالي، على مستوى جديد. فانقسام الولايات المتحدة إلى شمال وجنوب كان سيعيد إنتاج الانقسام الجيو-اجتماعي داخل الشمال بين شماله وجنوبه، وداخل الجنوب بين شماله وجنوبه.

المسألة الجنوبية الأمريكية

في عام 1926 بدأ المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي في كتابة مقالة لم يكملها بسبب اعتقاله، بعنوان “بعض جوانب المسألة الجنوبية”. رأى غرامشي أن إيطاليا الموحدة قامت على تحالف بين برجوازية الشمال الصناعي وكبار ملاك الأرض في الجنوب، تحالف أبقى فلاحي الجنوب في الفقر، وتولّت فيه طبقة من الوسطاء، كالكهنة والمحامين ووجهاء البلدات، ربط الفلاحين بالنظام القائم. ولاحظ أن الدعاية الشائعة في الشمال، حتى بين الاشتراكيين، كانت تصوّر الجنوبيين متخلفين بالفطرة، وتفسّر فقر الجنوب بطبائع أهله بدل موقعه في الاقتصاد الوطني. وهذا تماما ما ترفضه القراءة التي أقترحها هنا. فالجنوب الأمريكي، كجنوب غرامشي، هو الطرف الآخر في معادلة تراكم واحدة، وتخلفه النسبي ثمرة موقعه فيها.

لنأخذ الحالة الترمبية نموذجا. من المهم تتبع جذور الترمبية في النزعة الزراعية الجنوبية، التي لطالما رأت في الرأسمالية الليبرالية الشمالية انحرافا مرضيا على السياسة الجنوبية أن تقوّمه وتمنعه من تشويه الحياة في الجنوب.

تعود الجذور التاريخية للانقسام بين الشمال والجنوب الأمريكيين إلى الحقبة الاستعمارية. ففي الشمال، ولا سيما ولايات نيو إنغلاند والساحل الشمالي الشرقي، نشأت مراكز التجارة والمصارف والمؤسسات المالية، ثم تسارع التصنيع وتوسعت شبكات السكك الحديدية ونمت المدن الصناعية. أما الجنوب فاتجه نحو اقتصاد المزارع الكبرى، وتخصص في إنتاج التبغ والأرز، ثم القطن الذي أصبح عماد صادراته، معتمدا على العمل المستعبَد.

وبحلول عام 1860 كان الشمال يستحوذ على نحو 90 في المئة من الإنتاج الصناعي الأمريكي، بينما لم يكن في الجنوب سوى 13 في المئة من مصارف البلاد، رغم أنه كان ينتج نحو ثلثي القطن في العالم، بحسب هيئة المتنزهات الوطنية الأمريكية. ولم يكن الاقتصادان منفصلين، فقد جمعتهما علاقة تكامل غير متكافئة؛ وفّر الجنوب المواد الخام التي غذّت الصناعة والأسواق، وتركزت في الشمال قدرات التصنيع والتمويل والتجارة.

وانعكس هذا التباين على البنية الطبقية والثقافية والسياسية للمنطقتين؛ ففي حين تعاظم نفوذ البرجوازية التجارية والصناعية في الشمال، احتفظت أرستقراطية ملاك المزارع والعبيد بهيمنتها على الجنوب، وترسخت معها مؤسسات اجتماعية ودينية وسياسية محافظة.

وظهر الانقسام منذ السنوات الأولى لتأسيس الجمهورية، حين تبلور الصراع بين الحزب الفيدرالي بقيادة الرئيس الثاني جون آدامز ووزير الخزانة ألكسندر هاميلتون، والحزب الجمهوري الديمقراطي بقيادة توماس جيفرسون وجيمس ماديسون. فقد مثّل الفيدراليون، وكان نفوذهم يتركز في الولايات الشمالية، مصالح النخب التجارية والمصرفية الناشئة، ودافع هاميلتون عن بناء دولة مركزية قوية وإنشاء بنك وطني وتوحيد الدين العام وتشجيع الصناعة والتجارة بوصفها أساس القوة الاقتصادية للجمهورية الجديدة.

وفي المقابل، عبّر جيفرسون وماديسون، وكلاهما من ولاية فرجينيا الجنوبية، عن رؤية جمهورية زراعية تدافع عن استقلال الولايات وتحدّ من سلطة الحكومة المركزية، وتستند اجتماعيا إلى تحالف يضم المزارعين ونخب ملاك الأراضي، ومنهم كبار ملاك العبيد.

ظهر هذا التناقض بوضوح في الصراع حول إنشاء البنك الوطني عام 1791. فقد اقترح هاميلتون، أول وزير للخزانة الأمريكية، تأسيس بنك وطني يتولى إدارة ودائع الحكومة الفيدرالية، وييسّر تحصيل الضرائب وسداد الديون، ويوفر الائتمان اللازم لتنشيط التجارة والصناعة، مستلهما تجربة بنك إنجلترا. وكان المشروع جزءا من تصور أشمل لبناء اقتصاد رأسمالي حديث تقوده مؤسسات مالية مركزية وتدعمه حكومة اتحادية قوية.

لكن جيفرسون وماديسون عارضا المشروع، لأنه في نظرهما سيركّز الثروة والنفوذ في أيدي المصرفيين والتجار في الشمال على حساب المزارعين وملاك الأراضي في الجنوب، ولأنه يمنح الحكومة الفيدرالية صلاحيات لم ينص عليها الدستور صراحة.

وفي كتابه “عصر الإصلاح” (1955)، أطلق المؤرخ ريتشارد هوفستاتر وصف “الأسطورة الزراعية” على منظومة من التصورات الأخلاقية والسياسية تمجّد المزارع المستقل بوصفه المواطن الأمريكي المثالي، وتجعل الحياة الريفية رمزا للفضيلة والاستقلال والحرية، في مقابل المدينة التي ارتبطت في المخيلة المحافظة بالفساد والتبعية والاحتكار المالي.

وجد هوفستاتر جذور هذه الأسطورة في الفكر الجمهوري لدى جيفرسون، الذي عدّ المزارعين المستقلين أساس الجمهورية الحرة، قبل أن تتحول إلى عنصر راسخ في الثقافة السياسية الأمريكية. لكن المفارقة التي أبرزها هوفستاتر أن المزارعين الأمريكيين لم يكونوا في الواقع خارج العلاقات الرأسمالية أو معادين لها؛ فقد اندمجوا مبكرا في الأسواق التجارية، واعتمدوا على الائتمان والمضاربة بالأراضي والتكنولوجيا الزراعية، حتى صار المزارع أقرب إلى رجل أعمال صغير منه إلى الفلاح المكتفي ذاتيا. وكلما تعمقت هذه العلاقات، ازداد الحنين إلى الماضي الزراعي المتخيَّل.

وأسهم هذا التناقض بين الواقع الاقتصادي والأسطورة السياسية في تشكيل جانب من الحركات الشعبوية الزراعية في أواخر القرن التاسع عشر، التي جمعت بين الاعتراض على هيمنة المصارف والاحتكارات وشركات السكك الحديدية والحنين إلى مجتمع ريفي مستقل، واقترن بعض تعبيراتها بنزعات معادية للأجانب واليهود. ورأى هوفستاتر أن المزارعين الشعبويين، وهم ضحايا التوسع الرأسمالي والاحتكارات المالية، كانوا كذلك أسرى للأسطورة الزراعية.

توماس جيفرسون، أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة (غيتي)

أما الحرب الأهلية الأمريكية التي اندلعت عام 1861، فكانت الذروة العنيفة لانقسام اقتصادي واجتماعي وسياسي أخذ يتعمق بين الشمال والجنوب منذ تأسيس الجمهورية، وأفرز مصالح طبقية متباينة وصراعا متصاعدا حول السلطة الفيدرالية ومستقبل النظام الاقتصادي الأمريكي.

انتهت الحرب بانتصار الشمال عام 1865، لكنها ظلت حية في الذاكرة الجمعية للجنوب بوصفها هزيمة تاريخية لمجتمع بأكمله. ونشأت في العقود التالية سردية عُرفت باسم “القضية الخاسرة”، أعادت تفسير الصراع دفاعا بطوليا عن الحرية واستقلال الولايات ونمط الحياة الجنوبي، لا حربا كان الحفاظ على العبودية دافعا مركزيا لها.

وتولت الجمعيات الكونفدرالية، ولا سيما منظمة “بنات الكونفدرالية المتحدة” التي تأسست عام 1894، ترسيخ هذه الذاكرة عبر النصب التذكارية والمناهج المدرسية والاحتفالات العامة، حتى صارت الهزيمة ركنا أساسيا في هوية الجنوب الأبيض، وصار الشمال في هذه المخيلة قوة غازية دمرت مجتمعا كاملا وفرضت عليه نظاما سياسيا واجتماعيا غريبا عنه.

ولعل أشهر تعبير أدبي عن هذه الذاكرة رواية “ذهب مع الريح” لمارغريت ميتشل، الصادرة عام 1936، والتي تحولت إلى فيلم شهير عام 1939. فمن خلال قصة سكارليت أوهارا، ابنة إحدى الأسر المالكة لمزارع القطن في جورجيا، صورت الرواية الحرب الأهلية كارثةً أطاحت بعالم كامل من القصور والمزارع والتقاليد والعلاقات الاجتماعية، وحولت أرستقراطية الجنوب من طبقة مهيمنة إلى جماعة مهزومة تكافح للبقاء.

ومأساة الرواية أوسع من سقوط الكونفدرالية؛ إنها ضياع حضارة جنوبية متخيلة، تبدو فيها الحرب وكأنها اقتلعت مجتمعا متماسكا من جذوره وألقت بأهله في عالم جديد لا يعرفونه. ويرى هيوبرت ماكألكساندر، أستاذ الأدب في جامعة جورجيا، أن ميتشل تناولت “القضية الخاسرة” دون عاطفية، فردّت نشأتها إلى نساء الجنوب اللواتي رفضن الهزيمة، ورسمت آشلي ويلكس، رمز الأرستقراطية القديمة، رجلا عاجزا عن النجاة في العالم الجديد. لكنه يقرّ بأن عنصرية الرواية يصعب الدفاع عنها؛ فميتشل قبلت العبودية دون مساءلة، وتجاهلت من تمردوا عليها، واستعادت في ثلثها الأخير صورة المرأة البيضاء المهددة التي ينقذها “كو كلوكس كلان”. وهكذا أسهمت الرواية في ترسيخ صورة رومانسية عن الجنوب القديم، همّشت حقيقة أن ذلك العالم قام على استعباد السود، وقدّمت انهيار النظام الاجتماعي الذي استفادت منه النخب البيضاء بوصفه مأساة جماعية.

مشهد من فيلم ذهب مع الريح، الذي صور النظام الاجتماعي القائم على استعباد السود في الجنوب الأمريكي قبل الحرب الأهلية كمثال جيد يمكن الحنين إليه (آي إم دي بي)

وعقب الحرب دخل الجنوب مرحلة عُرفت باسم “إعادة الإعمار”، امتدت حتى عام 1877، وكانت أول محاولة واسعة لإعادة تنظيم المجتمع الجنوبي سياسيا واجتماعيا بعد هزيمة الكونفدرالية وإلغاء العبودية. ولم تقف أهدافها عند إعادة الولايات المنفصلة إلى الاتحاد، إذ سعت قطاعات من الحزب الجمهوري، ولا سيما الجمهوريون الراديكاليون، إلى تفكيك الأسس القانونية والسياسية للنظام الاجتماعي القديم، وإعادة بناء الجنوب على أساس المواطنة والمساواة أمام القانون.

وفي مواجهة مقاومة النخب الجنوبية البيضاء، أصدر الكونغرس قوانين إعادة الإعمار عام 1867، التي قسمت عشر ولايات جنوبية إلى خمس مناطق عسكرية خاضعة لإشراف الجيش الفيدرالي، واشترطت إعادة تنظيم حكوماتها والاعتراف بالحقوق السياسية للرجال السود.

وخلال هذه الفترة أُقرت التعديلات الدستورية الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، التي ألغت العبودية، وأرست مبدأ المواطنة والمساواة القانونية، وحظرت الحرمان من التصويت بسبب العرق.

وشهد الجنوب بالفعل تجربة سياسية غير مسبوقة، تولى خلالها أمريكيون سود مناصب تشريعية وتنفيذية، ونشأت أنظمة تعليم عام ومؤسسات اجتماعية جديدة. لكن هذه التحولات واجهت مقاومة عنيفة من النخب البيضاء القديمة، التي استعانت بتنظيمات إرهابية أبرزها “كو كلوكس كلان” لترهيب الناخبين السود والجمهوريين وإسقاط الحكومات الجديدة. ولم يرافق التحرر القانوني توزيع واسع للأراضي، فاضطر كثير من المحررين إلى العمل بنظام المزارعة بالمشاركة، الذي أبقاهم معتمدين اقتصاديا على ملاك الأراضي.

ومع تراجع استعداد الشمال لتحمل تكاليف التدخل الفيدرالي، وتزايد نفوذ الديمقراطيين المحافظين في الجنوب، انتهت إعادة الإعمار سياسيا عام 1877، في أعقاب التسوية التي تلت الانتخابات الرئاسية المتنازع عليها، إذ قبل الديمقراطيون الجنوبيون فوز الجمهوري رذرفورد هايز مقابل سحب ما تبقى من القوات الفيدرالية من الجنوب.

واستعادت النخب البيضاء سيطرتها على مؤسسات الحكم، ثم فرضت تدريجيا نظام الفصل العنصري المعروف بـ”قوانين جيم كرو”، وقيّدت الحقوق السياسية للسود. وهكذا انتهت محاولة إعادة بناء الجنوب دون أن تمس الأسس الاقتصادية والاجتماعية لتفاوت القوة بين المجموعات العرقية، وظلت نتائج الحرب الأهلية موضع صراع سياسي واجتماعي في العقود التالية.

وشهد عام 1919، بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، موجة واسعة من العنف العنصري عُرفت باسم “الصيف الأحمر”، شملت أعمال قتل جماعي واعتداءات على المجتمعات السوداء، وامتدت من الجنوب إلى مدن شمالية مثل شيكاغو. وظل الإعدام خارج نطاق القضاء، الذي نفذته حشود من البيض بحق السود، إحدى أدوات الإرهاب العنصري لإدامة النظام الاجتماعي والسياسي الجنوبي. وفي الوقت نفسه احتفظ الحزب الديمقراطي بسيطرة شبه مطلقة على ولايات الجنوب، حتى عُرفت المنطقة باسم “الجنوب الصلب”، وصار نفوذ نوابه وشيوخه الجنوبيين من أهم أسباب تعطيل التشريعات الفيدرالية المناهضة للتمييز العنصري.

ولم يتغير هذا الواقع مع وصول فرانكلين روزفلت إلى الرئاسة عام 1933، رغم أن “الصفقة الجديدة” (النيوديل) مثّلت تحولا كبيرا في دور الحكومة الفيدرالية. فالأغلبية الديمقراطية التي استند إليها روزفلت قامت على تحالف متناقض جمع العمال والنقابات والناخبين الحضريين في الشمال إلى جانب النخب البيضاء المحافظة في الجنوب، التي أيدت جانبا من سياساته الاقتصادية لكنها رفضت أي تدخل فيدرالي في النظام العنصري القائم. وظهر هذا التناقض بوضوح في معركة تشريع قانون اتحادي يمنع الإعدام خارج نطاق القضاء.

وكان مجلس النواب قد أقر عام 1922 مشروع قانون دايِر لمكافحة الإعدام خارج نطاق القضاء، لكن الديمقراطيين الجنوبيين عطلوه في مجلس الشيوخ بالمماطلة التشريعية. وتجددت المحاولة عام 1934 مع مشروع قانون كوستيغان-واغنر، الذي يسمح للحكومة الفيدرالية بملاحقة المسؤولين عن جرائم الإعدام الجماعي، ومنهم المسؤولون المحليون الذين يتقاعسون عن حماية الضحايا. ورغم أن روزفلت أدان هذه الجرائم علنا، وأن زوجته إليانور روزفلت أدت دورا بارزا في دعم الحملة المناهضة لها، فقد امتنع عن تقديم الدعم السياسي الحاسم للتشريع، خشية خسارة أصوات الديمقراطيين الجنوبيين التي احتاجها لتمرير برامج الصفقة الجديدة.

ويُستشهد في هذا السياق كثيرا باستبعاد العمال الزراعيين وعمال الخدمة المنزلية من التغطية الأولى للتأمين الاجتماعي عام 1935، وهو استبعاد ألحق بالسود ضررا غير متناسب، إذ شمل نحو ثلثي العاملين منهم. غير أن أسبابه ما زالت موضع خلاف؛ فبينما يربطه مؤرخون بضغوط الديمقراطيين الجنوبيين، خلص المؤرخ لاري ديويت، في دراسة نشرتها إدارة الضمان الاجتماعي الأمريكية عام 2010، إلى أنه جاء بطلب من وزارة الخزانة لصعوبة تحصيل الضرائب من هذه الفئات.

حي غرينوود في مدينة تولسا بولاية أوكلاهوما، الذي عُرف باسم “وول ستريت الأسود” لازدهاره بسكانه الأمريكيين من أصول أفريقية، وفيه ارتكب البيض مذبحة عرقية عام 1921 (أرشيف)

وبدأ التحول الحاسم مع الحرب العالمية الثانية وما أعقبها، حين أخذ الجناح الليبرالي في الحزب الديمقراطي يتبنى مطالب حركة الحقوق المدنية، في مقابل تمسك الديمقراطيين الجنوبيين بالفصل العنصري. وفي عام 1948 أصدر الرئيس الديمقراطي هاري ترومان أمرا تنفيذيا يقضي بالمساواة في المعاملة والفرص داخل القوات المسلحة، وطرح برنامجا أوسع لحماية الحقوق المدنية.

وأثار هذا التحول تمردا داخل الحزب، فانشق عدد من قادته الجنوبيين وشكلوا “الحزب الديمقراطي لحقوق الولايات”، المعروف باسم “ديكسيكراتس”، بزعامة حاكم ساوث كارولاينا ستروم ثورموند، الذي ترشح للرئاسة عام 1948 على برنامج يدافع صراحة عن الفصل العنصري. وكانت هذه أولى العلامات الكبرى على تصدع التحالف التاريخي بين الجنوب الأبيض والحزب الديمقراطي.

ثم تسارعت المواجهة مع صعود حركة الحقوق المدنية في الخمسينيات والستينيات، وحكم المحكمة العليا عام 1954 بإلغاء الفصل العنصري في المدارس العامة، وصولا إلى قانون الحقوق المدنية عام 1964 في عهد الرئيس الديمقراطي ليندون جونسون، الذي حظر التمييز في المرافق العامة والتوظيف، وقانون حقوق التصويت عام 1965، الذي استهدف إزالة القيود القانونية والإدارية المستخدمة لحرمان السود من الاقتراع. وقد حظي التشريعان بدعم من الديمقراطيين والجمهوريين، لكن أشد المعارضة جاءت من النواب والشيوخ الجنوبيين، ومعظمهم ديمقراطيون محافظون.

وفي الانتخابات الرئاسية لعام 1964 صوّتت خمس ولايات من الجنوب العميق للمرشح الجمهوري باري غولدووتر، الذي عارض قانون الحقوق المدنية، رغم فوز جونسون الساحق على المستوى الوطني. وفي العام نفسه انتقل ستروم ثورموند من الحزب الديمقراطي إلى الحزب الجمهوري، في تحول رمزي بالغ الدلالة. وجاء ريتشارد نيكسون بعد ذلك ليطور ما عُرف بـ”الإستراتيجية الجنوبية”، التي استهدفت استقطاب الناخبين البيض المحافظين في الجنوب بخطاب يركز على القانون والنظام وحقوق الولايات ومعارضة بعض سياسات الاندماج العرقي.

السخط الثقافي الأبيض

مثّل انتخاب باراك أوباما عام 2008، أول رئيس أسود في التاريخ الأمريكي، لحظة تاريخية بدت لكثيرين تتويجا لمسيرة الحقوق المدنية وتجاوزا لإرث العبودية والفصل العنصري. لكنه أثار في المقابل شعورا بالصدمة والتهديد لدى قطاعات من الأمريكيين البيض المحافظين، رأت في وصول رجل أسود إلى البيت الأبيض علامة على تحول أعمق في موازين القوة الاجتماعية والثقافية، وتراجع المكانة التاريخية للبيض في المجتمع الأمريكي.

وفي مشهد شهير يعبّر عن هذه النظرة بين البيض التقليديين من كبار السن، وقفت امرأة مسنّة في تجمع انتخابي، في أكتوبر/تشرين الأول 2008، أمام المرشح الجمهوري المنافس لأوباما، السيناتور جون ماكين، لتقول إنها لا تثق بأوباما لأنه “عربي”، فأخذ ماكين منها الميكروفون معترضا. ويكشف المشهد حجم المسافة بين نخبة الحزب الجمهوري في ذلك الوقت ونخبته في السنوات التالية.

وتناول عالما السياسة مايكل تيسلر وديفيد سيرز هذه الظاهرة في كتابهما “عرق أوباما” (Obama’s Race) الصادر عام 2010، وبيّنا أن انتخابه زاد من وزن المواقف العرقية في الاستقطاب السياسي الأمريكي. وتجلى هذا القلق في انتشار نظريات المؤامرة التي شككت في ولادة أوباما داخل الولايات المتحدة وفي شرعيته الدستورية، وهي حملة برز فيها دونالد ترمب نفسه قبل دخوله السباق الرئاسي، كما ظهر في بعض اتجاهات حركة حزب الشاي التي نشأت عام 2009. وكتب الملياردير الألماني المولد بيتر ثيل، الذي قضى جانبا من طفولته في جنوب أفريقيا وناميبيا زمن الفصل العنصري، عام 2009 أنه لم يعد يرى أن الحرية والديمقراطية يمكن أن تتعايشا.

وفسّرت عالمة السياسة ديانا موتز، في دراسة نشرتها عام 2018، صعود ترمب بتهديد المكانة الذي شعر به ناخبون بيض؛ فالتحول نحوه عام 2016 ارتبط لدى قطاعات منهم بالشعور بتراجع المكانة النسبية للجماعات التي اعتادت الهيمنة، وفي مقدمتها الأمريكيون البيض، أكثر من ارتباطه بتدهور أوضاعهم الاقتصادية الشخصية.

ووفق هذه القراءة، كان صعود أوباما رمزا لتحولات ديموغرافية وثقافية أوسع من فوز انتخابي لرجل أسود، دفعت بعض الأمريكيين البيض إلى التمسك بصورة متخيلة لأمريكا السابقة، والبحث عن قيادة سياسية تعد باستعادة موقعهم التقليدي. وبهذا يمكن فهم جانب من صعود الترمبية رد فعل على ما جسّده أوباما من تغير في البنية الرمزية للسلطة الأمريكية، أكثر منه احتجاجا على سياساته الاقتصادية أو إخفاقات إدارته. ولا يناقض وصف رد الفعل هذا ما أحاجج عنه؛ فما استجد هو التوقيت، أما القيم التي استُنفرت فكانت حاضرة قبل أوباما بعقود.

باراك أوباما، أول رئيس من أصول أفريقية للولايات المتحدة الأمريكية (رويترز)

وتوازى ذلك مع شعور متزايد بالتهديد الثقافي وفقدان المكانة. فقد احتفظت مناطق واسعة من الجنوب والوسط الغربي الأمريكي بثقافة مسيحية محافظة تقوم على مركزية الأسرة التقليدية والالتزام بالقيم الدينية ورفض الإجهاض والعلاقات المثلية، بينما اتجه الحزب الديمقراطي، منذ النصف الثاني من القرن العشرين خاصة، إلى تبني أجندة اجتماعية أكثر ليبرالية تدافع عن حقوق النساء والأقليات الجنسية، وتوسيع الحق في الإجهاض، والاعتراف القانوني بزواج المثليين، وإعادة النظر في الأدوار التقليدية للجنسين.

ولم تنظر قطاعات من البيض المحافظين إلى هذه التحولات على أنها اختلافات تشريعية أو أخلاقية عابرة؛ فقد رأت فيها تهديدا وجوديا لنمط الحياة الذي ورثته عن الأجيال السابقة، ومحاولة من النخب الحضرية المتعلمة لفرض منظومة ثقافية جديدة على مجتمعاتها المحلية.

ومن هذا المنظور، بدت النسوية المعاصرة، التي وصفتها هذه القطاعات بالتطرف، وحركات حقوق المثليين، والتوسع في الاعتراف بالهويات الجندرية، تعبيرات عن انقلاب في النظام الأخلاقي والاجتماعي الذي اعتادته. وكشف استطلاع لمعهد أبحاث الدين العام، نُشرت نتائجه عام 2017، أن 68 في المئة من الأمريكيين البيض المنتمين إلى الطبقة العاملة يرون أن نمط الحياة الأمريكي يحتاج إلى حماية من التأثيرات الأجنبية.

وساعدت أسطورة أن المواطن الأمريكي يصوّت بجيبه على إخفاء حقيقة أن المواطن المسيحي مشغول فعلا بعقائده المسيحية وأيديولوجيته الاجتماعية المرتبطة بها، وبما يراه تهديدا لها، وأن ذلك يشكّل اتجاهه التصويتي بقدر ما تشكله مصلحته الاقتصادية، إن لم يكن أكثر.

وأسهمت الصدمة الثقافية، إلى جانب التفاوت الاقتصادي الذي أحدثته السياسات النيوليبرالية وبخاصة نزع التصنيع، في استثارة سخط الجماعات التقليدية وبحثها عن ممثل سياسي شعبوي مستعد للاستثمار في العنصرية والفزع الثقافي، بدل التصدي لهما كما فعل جون ماكين.

ولم يكن دونالد ترمب المرشح الوحيد الذي تبنى مواقف يمينية متشددة في الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري عام 2016. وكشفت المنافسة نفسها عن أزمة التمثيل السياسي في الحزب، أي افتقاده نخبة سياسية تعبّر عن قواعده الشعبية وتقدر في الوقت نفسه على تخفيف الجوانب المتطرفة في أفكارها، وعما أسميه “صقل التمثيل”، حين يصير الممثل مرادفا للفجاجة الشعبية، بل معبّرا بذيئا عنها.

الرئيس الأمريكي ترمب يلتقط صوراً تذكارية أمام كنيسة سانت جون في واشنطن (رويترز)

كان المنافس الأبرز لترمب في تمهيديات 2016 السيناتور تيد كروز، أحد رموز اليمين المحافظ. وتبنى كروز برنامجا يدعو إلى تقليص جذري لدور الحكومة الفيدرالية، شمل إلغاء مصلحة الضرائب ووزارات التعليم والطاقة والتجارة والإسكان والتنمية الحضرية، إلى جانب مواقف دينية واجتماعية شديدة المحافظة، منها معارضة الإجهاض وزواج المثليين، ودعوته في مارس/آذار 2016 إلى تسيير دوريات أمنية في الأحياء التي يسكنها مسلمون.

أما ماركو روبيو، الذي قدّمته قطاعات من المؤسسة الجمهورية مرشحا أكثر اعتدالا وقبولا لدى الناخبين، فتبنى بدوره مواقف محافظة صارمة، منها إلغاء إصلاحات أوباما للرعاية الصحية، ومعارضة الإجهاض، والتراجع عن دعمه السابق لتشريع شامل يسوّي أوضاع المهاجرين غير النظاميين، فضلا عن خارجية تدخلية متشددة، وبخاصة تجاه إيران.

وقد صار روبيو لاحقا، وزيرا للخارجية في إدارة ترمب الثانية، لسانها الثقافي. ففي مؤتمر ميونخ للأمن في فبراير/شباط 2026، حذّر من أن الهجرة الجماعية غير المنضبطة تهدد بقاء الحضارة الغربية نفسها، ودعا الأوروبيين إلى الاعتزاز بثقافتهم وتراثهم بدل أن يكبلهم الشعور بالذنب.

نوعان من الرأسمالية

رغم مرور أكثر من قرن ونصف على انتهاء الحرب الأهلية، لا تزال آثار التطور غير المتكافئ بين الشمال والجنوب ظاهرة في توزيع الثروة والدخل والاستثمار، وإن تغيرت طبيعة الاقتصادين جذريا.

فقد احتفظت ولايات الشمال الشرقي، ولا سيما نيويورك وماساتشوستس وكونيتيكت، بمكانتها مراكز رئيسية للتمويل والتكنولوجيا والتعليم العالي والصناعات المتقدمة، بينما ظلت ولايات واسعة في الجنوب، ولا سيما ميسيسيبي وألاباما ولويزيانا وأركنساس، تعاني انخفاضا نسبيا في الدخول وارتفاعا في معدلات الفقر.

فقد بلغ متوسط نصيب الفرد من الدخل الشخصي عام 2025 نحو 102 ألف دولار في كونيتيكت و99 ألفا في ماساتشوستس، مقابل نحو 54 ألفا في ميسيسيبي و60 ألفا في ألاباما، وفق مكتب التحليل الاقتصادي الأمريكي. وبحسب بيانات مكتب الإحصاء الأمريكي الصادرة في سبتمبر/أيلول 2026، بلغ متوسط نسبة الفقر في السنوات 2023-2025 نحو 19.7 في المئة في لويزيانا و17.6 في المئة في ميسيسيبي، مقابل 10.7 في المئة على المستوى الوطني.

(من اليسار إلى اليمين) بريسيلا تشان، ومارك زوكربيرغ الرئيس التنفيذي لشركة ميتا، ولورين سانشيز، في حفل تنصيب دونالد ترمب في 20 يناير/كانون الثاني 2025 (الفرنسية)

لكن هذا التفاوت لم يعد مطابقا للانقسام التاريخي بين شمال صناعي وجنوب زراعي؛ فقد شهد الجنوب منذ النصف الثاني من القرن العشرين صعودا اقتصاديا كبيرا، حتى صارت تكساس ثاني أكبر اقتصاد بين الولايات الأمريكية وفلوريدا رابعها، وبرزت أتلانتا ودالاس وهيوستن ومدن كارولاينا الشمالية مراكز رئيسية للصناعة والتكنولوجيا والخدمات المالية، بينما تراجعت مناطق صناعية واسعة في الشمال والغرب الأوسط وفقدت وظائفها.

وهكذا أعاد التطور الرأسمالي تشكيل التقسيم الجيو-اجتماعي الأمريكي دون أن يلغيه. فالانقسام لم يعد بين شمال غني وجنوب فقير، وصار يتجلى داخل كل منطقة، بين المراكز الحضرية التي تستقطب رأس المال والتكنولوجيا والعمالة المؤهلة، والأرياف والبلدات الصناعية المتراجعة والمناطق الأقل حظا من الاستثمار.

وأسهم في هذا التطور غير المتكافئ نزعُ التصنيع الذي تسارع في الولايات المتحدة منذ سبعينيات القرن العشرين، ولا سيما في الشمال والغرب الأوسط الصناعي، في ما عُرف لاحقا باسم “حزام الصدأ”، الذي يضم مدنا مثل ديترويت وكليفلاند ويانغستاون وبيتسبرغ.

فقد أدى انتقال المصانع إلى مناطق أقل كلفة داخل الولايات المتحدة وخارجها، وتزايد المنافسة الدولية، والأتمتة، إلى تراجع حاد في التوظيف الصناعي؛ إذ انخفض عدد العاملين في الصناعات التحويلية من نحو 19.6 مليون عامل عام 1979 إلى 12.8 مليونا عام 2019، وفق مكتب إحصاءات العمل الأمريكي.

ولم تقف التداعيات عند فقدان الوظائف. فالمصنع كان مركز الحياة الاقتصادية والاجتماعية في المدن الصناعية، تقوم حوله الأحياء السكنية والمتاجر والمدارس والنقابات والمؤسسات المحلية. ومع إغلاق المصانع تراجعت الأجور وموارد البلديات الضريبية، وتدهورت الخدمات العامة، وغادر كثيرون بحثا عن فرص جديدة، بينما واجه من بقوا معدلات أعلى من البطالة والفقر وانعدام الاستقرار.

موظفو وزارة الصحة والخدمات الإنسانية الأمريكية أمام مبنى ماري إي. سويتزر التذكاري، بعد ورود أنباء عن قيام إدارة ترمب بتسريح موظفين من مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها، ومن إدارة الغذاء والدواء (رويترز)

وتفاقمت هذه التحولات مع توسع التجارة مع الصين في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين؛ إذ قدّرت دراسة للاقتصاديين دارون عجم أوغلو وديفيد أوتور وآخرين، نشرها المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية الأمريكي، أن المنافسة مع الواردات الصينية تسببت في فقدان ما بين مليونين و2.4 مليون وظيفة أمريكية بين عامي 1999 و2011، بصورة مباشرة وغير مباشرة.

وأظهرت أبحاث لاحقة أن المناطق الأكثر تعرضا لهذه الصدمة عانت آثارا ممتدة على الدخول والتوظيف، ارتبطت أيضا بتفكك بعض الروابط الأسرية وارتفاع الوفيات المرتبطة بالمخدرات.

لكن الأثر الأعمق لنزع التصنيع مسّ الهوية الاجتماعية للطبقة العاملة الأمريكية. فقد كان العامل الصناعي يتمتع بمكانة اجتماعية مستقرة نسبيا، ويجد في العمل النقابي والمصنع والمجتمع المحلي مصادر للاعتراف والانتماء. ومع انهيار هذا العالم فقد كثيرون، إلى جانب وظائفهم، المؤسسات التي كانت تمنح حياتهم معنى واستقرارا، وتراجعت ثقتهم بالنخب الاقتصادية والسياسية التي ارتبطت في نظرهم بالعولمة وتحرير التجارة.

التقط اليمين المتطرف هذا السخط الاقتصادي وقرنه بالسخط الثقافي. واليمين المتطرف هنا، خلافا لما افترضته تحليلات يسارية كلاسيكية للفاشية، ليس شكلا متطرفا من الرأسمالية عموما؛ إنه شكل من الرأسمالية القومية، المرتبطة بجذور وثقافة محلية ومصالح قومية تحددها القيادة السياسية، في مقابل المصالح المعولمة.

وعبّرت عن هذا الاتجاه في الولايات المتحدة حركة فكرية وسياسية عُرفت باسم “المحافظين القدامى”، تبلورت في ثمانينيات القرن العشرين وتسعينياته في مواجهة هيمنة المحافظين الجدد والتيار الجمهوري المؤيد للعولمة الاقتصادية والتدخل العسكري الخارجي.

وكان من أبرز منظّريها صامويل فرانسيس وبول غوتفريد، بينما مثّل باتريك بوكانان أبرز تعبيراتها السياسية حين نافس جورج بوش الأب على ترشيح الحزب الجمهوري للرئاسة عام 1992، ثم عاد للمنافسة عام 1996.

ودعا بوكانان إلى القومية الاقتصادية وفرض الرسوم الجمركية لحماية الصناعة الأمريكية، وعارض اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (نافتا)، وانتقد نقل المصانع والوظائف إلى الخارج، إلى جانب دفاعه عن الهوية المسيحية المحافظة وتقييد الهجرة ومعارضته التدخلات العسكرية الخارجية.

أما صامويل فرانسيس فقدّم تصورا سياسيا يقوم على تعبئة “راديكاليي أمريكا الوسطى”، وهو مصطلح صاغه عالم الاجتماع دونالد وارن في سبعينيات القرن العشرين، ويقصد به قطاعات الطبقة الوسطى والعاملة المحافظة التي تشعر بأن النخب السياسية والمالية والإدارية لم تعد تمثل مصالحها.

وعمل بول غوتفريد مستشارا فكريا لبوكانان خلال صعود الحركة القومية المحافظة في التسعينيات، وتمحورت أفكاره حول نقد ما سماه “الدولة الإدارية”، مستفيدا من أعمال جيمس برنهام، التروتسكي السابق الذي صار مفكرا محافظا، ورأى أن الرأسمالية الحديثة أفرزت طبقة حاكمة جديدة من المديرين والبيروقراطيين والخبراء تحل تدريجيا محل البرجوازية المالكة التقليدية في ممارسة السلطة الفعلية.

وذهب غوتفريد أبعد من التحليل الاقتصادي، فرأى أن هذه الطبقة الإدارية لم تعد تكتفي بتنظيم الإنتاج وتوزيع الموارد، وصارت تسعى إلى إعادة تشكيل المجتمع وثقافته وقيمه. ومن هنا طوّر مفهوم “الدولة العلاجية” التي تستخدم خطاب المساواة ومكافحة التمييز والتعددية الثقافية لتوسيع سلطتها على المجتمع، وإعادة صياغة الهويات والعلاقات الاجتماعية وفق تصورات النخب الإدارية والثقافية.

وهكذا تمثل حركة المحافظين القدامى السلف الفكري لحركة “لنجعل أمريكا عظيمة مجددا” (ماغا)، التي يمكن تلمّس أفكارها في تصريحات منظّرها ستيف بانون. ففي كلمة ألقاها عبر الفيديو أمام مؤتمر في الفاتيكان عام 2014، ميّز بانون بين الرأسمالية الوطنية القائمة على الإنتاج والمبادرة الفردية والمنافسة، ورأسمالية الشركات الكبرى المعولمة التي يرى أنها اندمجت مع المؤسسات الحكومية والمالية في نظام احتكاري يخدم النخب على حساب العمال والطبقات الوسطى.

وهاجم بانون ما سماه “رأسمالية المحاسيب”، وانتقد حصول شركات مثل جنرال إلكتريك وبوينغ على امتيازات تمويلية مدعومة من الحكومة، معتبرا أنها لا تمثل رأسمالية المبادرة الحرة، وإنما شكلا من “الشركاتية” تسعى فيه المؤسسات الكبرى إلى تعظيم سلطتها الاحتكارية بالتحالف مع الدولة. وأكد أن الصراع الحقيقي يدور بين رأسمالية ريادة الأعمال التي يدافع عنها والشركات الكبرى التي تستخدم نفوذها الاقتصادي والسياسي لتقييد المنافسة.

والمفارقة أن بانون، الذي نقل عنه المؤرخ رونالد رادوش قوله إنه لينيني لأنه يريد تدمير الدولة كما أراد لينين، يقترب في نقده لرأسمالية الشركات الكبرى والمليارديرات من فكرة ماركسية قديمة، ترى أن الاشتراكية تولد من رحم تطور الرأسمالية نفسها.

وأيا كانت رؤية بانون، فقد ساعدت الرأسمالية الليبرالية في المدن بالفعل على تجذير أجنحة داخل الحزب الديمقراطي، إما بدفع الأفكار الليبرالية الاجتماعية التي تنتشر معها إلى نهايتها القصوى، بما يقتضي ضمان الحقوق الاجتماعية المادية للفرد عبر توزيع عادل للثروة، وإما ردا على التركز الهائل للثروات الذي نتج عن السياسات النيوليبرالية. ومن أوضح أمثلة ذلك صعود السيناتور بيرني ساندرز والنائبة ألكساندريا أوكاسيو كورتيز، ثم فوز زهران ممداني بعمودية نيويورك في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 ببرنامج يقوم على تجميد الإيجارات ومجانية بعض وسائل المواصلات، ثم فوز عبد الرحمن السيد بمقعد ميشيغان في مجلس الشيوخ هذا الأسبوع ببرنامج يتصدره التأمين الصحي الشامل. وكلا الفوزين الأخيرين خرج من المدينة؛ فقد نال السيد نحو 92 في المئة من أصوات ديترويت.

أصالة اليمين المتطرف

ما تكشفه التجربة الأمريكية إذن أن اليمين المتطرف أحد التعبيرات السياسية الأصيلة عن التناقضات الاجتماعية والثقافية التي ينتجها التطور الرأسمالي نفسه، وليس انحرافا عارضا عن مساره أو ردة فعل مرضية على أزماته الاقتصادية والثقافية. فمنذ الصراع بين الجمهورية الزراعية الجنوبية والرأسمالية الصناعية والمالية الشمالية، مرورا بالحرب الأهلية وإعادة الإعمار والفصل العنصري، وصولا إلى التحولات الثقافية والاقتصادية في العقود الأخيرة، لم تختفِ الانقسامات التاريخية للمجتمع الأمريكي، وإنما أعادت إنتاج نفسها في أشكال جديدة وتحت رايات حزبية وأيديولوجية مختلفة.

ولا تعني أصالة اليمين المتطرف أن أفكاره جوهر ثابت للثقافة الأمريكية أو المسيحية. تعني أن هذه الأفكار نتاج تاريخي لتطور اجتماعي ومادي محدد، وأن الجماعات التي تعتنقها ليست بالضرورة ضحية تضليل أو وعي زائف ينتظر التصحيح. فالتطور الرأسمالي غير المتكافئ ينتج، إلى جانب التفاوت في الثروة والعمل، عوالم اجتماعية متباينة تتشكل داخلها تصورات مختلفة للحرية والأسرة والدين والهوية والعلاقة بالدولة. وما دامت هذه التباينات قائمة، ستبقى القواعد الاجتماعية المحافظة والليبرالية، وإن تغيرت المواقع الجغرافية والاقتصادية التي تتجسد فيها.

أما الأزمات فوظيفتها إعادة ترتيب الموازين السياسية لهذه القوى، لا خلقها من العدم، وإحداث ما يمكن تسميته “أزمة التمثيل”، حين تفقد النخب التقليدية قدرتها على تمثيل قواعدها الاجتماعية، فتظهر قيادات أكثر استعدادا للتعبير الصريح عن أفكار تلك القواعد وتطلعاتها ومخاوفها، دون الوساطة السياسية التي كانت تخفف من تطرفها. وهذا ما أعنيه بـ”صقل التمثيل السياسي”؛ فالترمبية لم تخلق اليمين الأمريكي المحافظ، لكنها أعادت تشكيل تمثيله، وحررت جانبا من خطابه من القيود التي فرضتها عليه النخب الجمهورية التقليدية.

 

العلاقة بين الرأسمالية الجديدة والمسيحية المعاصرة تأرجحت بين الارتباط والقطيعة، وأصالة اليمين المتطرف لا تعني أن أفكاره تمثل جوهرا ثابتا للثقافة الأمريكية أو المسيحية (غيتي)

وحتى معركة الترمبية الاقتصادية ضد العولمة لا تضعها خارج الرأسمالية؛ إنها تعبير عن التناقض بين أنماط مختلفة من التراكم، أحدها مرتبط بالمصالح القومية والمحلية، وآخر يتجاوز الحدود الوطنية عبر الشركات الكبرى والمؤسسات المالية العالمية. وفي المقابل، تنتج الرأسمالية في مراكزها الحضرية والمالية تيارات ليبرالية ويسارية تسعى إلى تجاوز حدودها الاجتماعية والاقتصادية. فالرأسمالية إذن هي الإطار التاريخي الذي تتولد داخله هذه القوى المتعارضة كلها، اليمين المتطرف والتقدمية معا.

وقد أتت انتخابات التجديد النصفي في 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2026 لتمثل اختبارا مبكرا لهذه القراءة. فقد انتزع الديمقراطيون مجلسي الكونغرس، وقلبوا سبعة مقاعد على الأقل في مجلس الشيوخ، ويتجهون إلى الحصول على أكبر أغلبية لهم في مجلس النواب منذ عام 1993، في ظل سخط الأمريكيين على الوضع الاقتصادي والدعم الهائل لإسرائيل، والحرب على إيران. وامتد التحول إلى الأرياف نفسها؛ إذ تشير استطلاعات يوم التصويت إلى أن هامش الجمهوريين في البلدات الصغيرة والمناطق الريفية تراجع إلى 16 نقطة، أي نحو نصف ما حصلوا عليه عام 2024. وفي ميشيغان مالت مقاطعات الولاية الـ83 كلها نحو الديمقراطيين. لكن المهم ملاحظة أنه في ذروة الموجة الديمقراطية الزرقاء، صوّت 57 في المئة من الناخبين الريفيين للجمهوريين. تحرك الهامش إذن، وبقيت القاعدة في مكانها.

والنتيجة الأساسية أن هزيمة ترمب عام 2020 لم تعنِ هزيمة الترمبية، فقد عاد إلى البيت الأبيض بعد أربع سنوات، وخسارة الثلاثاء لن تعني نهايتها، كما أن انتصاراتها لم تجعلها التعبير الوحيد عن المجتمع الأمريكي. فالصراع أعمق من المنافسة بين الديمقراطيين والجمهوريين، وأقدم من الأزمات التي أوصلت ترمب إلى السلطة. ولذلك لا يمكن تجاوز اليمين المتطرف بمجرد إقناع قواعده بأن أفكارها خاطئة أو أن مصالحها الحقيقية في مكان آخر؛ فذلك يقتضي فهم الشروط الاجتماعية والتاريخية التي أنتجت تلك الأفكار، والبحث في كيفية تغيير هذه الشروط نفسها. إن قطاعات من المجتمع الأمريكي لا تجهل حقيقة العالم الذي تعيش فيه. إنها تعيش بالفعل في عوالم اجتماعية مختلفة، أنتجها تاريخ واحد من التطور الرأسمالي غير المتكافئ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enable Notifications OK No thanks