روكب اليوم
2026-09-05 14:49:00
(روكب اليوم) — قبل نحو قرن في أستراليا، قضى الصيّادون على النمور التسمانية. لكنّ أسطورة ارتبطت بهذه الحيوانات المفترسة والخجولة وشبه الليلية كانت وراء انقراض هذا النوع ربما.
تشبه النمور التسمانية الذئاب إلى حد كبير، لدرجة أنها مُنحت اسم النوع “سينوسيفالوس”، الذي يعني “رأس الكلب”. ومع هذا التشابه في المظهر، ساد اعتقاد بأنها تُشكّل تهديدًا للماشية. لكن بحثًا جديدًا يُظهر أن النمور التسمانية امتلكت تكيّفات متخصّصة في التغذية يُرجّح أنها حالت دون قدرتها على صيد الماشية التي اتُّهمت بمهاجمتها.
وقالت الدكتورة فيرا وايسبيكر، المؤلفة الرئيسية لدراسة نُشرت في دورية “نيتشر كوميونيكيشنز”، الإثنين، لـروكب اليوم: “كان المستعمرون البريطانيون في تسمانيا ينظرون عادةً إلى الحيوانات البرية غير المألوفة باعتبارها نسخًا بدائية من أنواع أوروبية أكثر ألفة بالنسبة إليهم. وكانت النمور التسمانية تذكّرهم بالذئاب، لذلك قرّروا أنها تشكّل خطرًا على الماشية، ووضعوا مكافأة مقابل اصطيادها”.
اختفت النمور التسمانية قبل نحو 2000 عام من جميع أنحاء أستراليا، باستثناء جزيرة تسمانيا، وفقًا للمتحف الوطني الأسترالي. وعندما بدأ المستوطنون في إنشاء مزارع لتربية الأغنام والأبقار في القرن التاسع عشر، قضوا على النمور التسمانية ذات الخطوط المميّزة، وحمّلوها مسؤولية خسائر الماشية التي كانت ناجمة في الواقع عن الكلاب الضالة وسوء الإدارة البشرية.
نفق آخر نمر تسماني كان يعيش في الأسر بسبب التعرّض للبرد عام 1936، في حديقة بوماريس للحيوانات بمدينة هوبارت في تسمانيا، وذلك بعد فترة وجيزة من منح حكومة تسمانيا هذا النوع صفة الحماية، لكن بعد فوات الأوان.
وتسلّط دراسة تحليلية جديدة لجماجم النمور التسمانية الضوء على مدى اختلاف هذه الحيوانات عن الذئاب، بل عن أي حيوان ثديي لاحم آخر لا يزال حيًا. وتشير مجموعة فريدة من خصائص الجمجمة والفك إلى أنها كانت تصطاد فرائس صغيرة بحجم الأرانب، عوض حيوانات أكبر مثل الأغنام.
وقالت وايسبيكر، أستاذة علم الأحياء التطوري في جامعة فليندرز بأستراليا: “كانت النمور التسمانية في الواقع أكثر قربًا من حيوانات الكنغر من الكلاب. وكانت من الجرابيات التي انفصل أسلافها عن بقية الثدييات قبل وقت طويل من انقراض الديناصورات”.
وتضيف هذه النتائج إلى الأدلة المتزايدة على أن النمور التسمانية كانت مختلفة تمامًا عما افترضه العلماء بداية، كما تكشف عن مدى تعقيد محاولة فهم نوع منقرض.
وأثناء فحص مجموعة بيانات كانت وايسبيكر نشرتها سابقًا، لاحظت قياسات كبيرة بشكل غير معتاد للجماجم، وراودها القلق من أنها ارتكبت خطأ.
وقالت: “حتى إنني أرسلت طالبًا إلى مجموعاتنا التعليمية بعد ساعات العمل للتحقق من الأمر، ما أكّد أنّ جماجم النمور التسمانية كانت ضخمة جدًا. عندها بدأت أتساءل عما كان يحدث في جمجمة هذا الحيوان”.
وأظهرت أبحاث سابقة أن حجم النمور التسمانية كان يعادل نحو نصف التقديرات العلمية السابقة، وأنها كانت أقرب في الحجم إلى ذئاب القيوط الكبيرة منها إلى الذئاب الضخمة. وخلصت دراسة نُشرت عام 2020، وضعها أحد المتعاونين مع وايسبيكر إلى أن وزنها بلغ نحو 17 كيلوغرامًا في المتوسط، وليس 29.5 كيلوغرامًا كما كان يُعتقد سابقًا.
لكن مؤلفي الدراسة الجديدة وجدوا أنّ جمجمة النمر التسماني كبيرة بصورة استثنائية، إذ كانت تضاهي في حجمها جمجمة الذئب الرمادي. وخلال التحليل، قاس الباحثون جماجم النمور التسمانية والثعالب والذئاب وقارنوها.

وأوضح الدكتور دوغلاس روفينسكي، المؤلف المشارك في الدراسة والباحث العلمي المساعد بكلية العلوم البيولوجية في جامعة موناش والباحث في المتحف الأسترالي، في بيان: “رغم كبر حجمها، لم تشبه جمجمتها تلك الخاصة بحيوان مفترس كبير. بل كان خطم النمر التسماني طويلًا ونحيلًا، ويكاد يكون رقيقًا، وليس قوي البنية مثل خطم الذئب الرمادي. وكان يشبه إلى حد كبير خطم الثعلب أو ابن آوى، اللذين قد يكون حجمهما أصغر بكثير من حجم النمر التسماني”.
ويشير الجمع بين كِبر حجم الجمجمة وطول الفك العلوي والخطم إلى أنّ النمر التسماني كان على الأرجح يستخدم حركة سريعة وخاطفة للإمساك بفرائس صغيرة أو متوسطة الحجم، مثل البندقوط أو الجرابيات بحجم الأرانب.
وقالت وايسبيكر: “كلما زاد طول الفك، تحرك طرفه بسرعة أكبر عندما يعض الحيوان. وهذا يزيد من قوة ضربة العضّة. ونعتقد أن الحجم الهائل لجمجمة النمر التسماني مكّنه من تحمّل قوى هذه العضّة”.
لكن عند مقارنة الباحثين أسلوب تغذية النمور التسمانية بأساليب التغذية لدى حيوانات ثديية مفترسة أخرى لا تزال حية، لم يجدوا أي نمط مماثل، لذلك بحثوا عن صفات مشابهة في أماكن أخرى من مملكة الحيوان، وفق وايسبيكر.
وقالت: “كانت جمجمتها، من الناحية الوظيفية، أكثر تشابهًا مع أنواع حية ومنقرضة تتغذى على الأسماك، مثل بعض التماسيح. ويشمل ذلك فكوكًا طويلة وكبيرة قادرة على تحمّل قوة العضّات الخاطفة، لكنها ليست هشة إلى درجة تجعلها عاجزة عن تحمّل مقاومة الفريسة أثناء محاولتها الإفلات”.
وقال لوف دالين، أستاذ علم الجينوم التطوري في جامعة ستوكهولم في السويد، غير المشارك في الدراسة، إن الدراسة تقدم أدلة مقنعة على أن النمر التسماني لم يكن ببساطة نسخة جرابية من الذئب الرمادي. وكان دالين قد أجرى أبحاثًا على النمور التسمانية في السابق.
وأشار في حديثه إلى روكب اليوم: “تشير جمجمة النمر التسماني المميزة إلى أنه كان يستخدم عضّات سريعة وقوية للإمساك بفرائس صغيرة وسريعة الحركة، عوض الاشتباك مع حيوانات كبيرة كما تفعل الذئاب الرمادية. وهذا مثال رائع على كيف يمكن لحيوانين أن يبدوا متشابهين بصورة لافتة للوهلة الأولى، بينما يتباين أداء وظائفهما الأساسية بشكل جوهري في الواقع”.

لا يُعرف الكثير عن أسلاف النمور التسمانية، التي كانت آخر الناجين من سلالة قديمة من الجرابيات يُقدَّر أنّ عمرها يعود إلى أكثر من 40 مليون عام. كما أن النمر التسماني لا يمتلك أقارب أحياء مقربين، بحسب وايسبيكر.
وقالت: “هناك بعض الأحافير المثيرة للاهتمام التي تشير إلى أن بعض سمات جمجمة النمر التسماني تطورت في وقت مبكر جدًا، لكننا بحاجة إلى دراستها بشكل أكبر للتأكد من ذلك”.
وقد يكشف تحليل جماجم النمور التسمانية الحديثة والقديمة من مختلف أنحاء أستراليا مدى التنوّع الذي كان عليه هذا النوع قبل اختفائه.
ولفتت وايسبيكر إلى أنّ “هذه القصص تكتسب أهمية لأنّ أستراليا فقدت أنواعًا من الثدييات أكثر من أي دولة أخرى في العالم، كما أنّ 40% من أنواع الجرابيات فيها مهددة بالانقراض. وسيهدف بحثي المقبل إلى ربط هذه الإحصاءات الصادمة بوقائع ملموسة حول تراث التنوع البيولوجي الذي لا يمكن تعويضه والذي نواجه خطر فقدانه“.

يتحوّل النمر التسماني إلى أحد أبرز رموز جهود “إعادة الأنواع المنقرضة إلى الحياة”، التي يقودها أحد المتعاونين مع وايسبيكر، البروفيسور أندرو باسك. ويرأس باسك مختبر أبحاث الاستعادة الجينية المتكاملة للنمر التسماني في جامعة ملبورن بأستراليا. ويعمل مع شركة التكنولوجيا الحيوية “كولوسال بايوساينسز” ومقرها دالاس، على “إعادة إحياء” النمر التسماني من خلال إنتاج حيوان هجين، بالاستفادة من التطورات في علم الوراثة، واستخراج الحمض النووي القديم، والتكاثر الاصطناعي.
ولا تشارك وايسبيكر في هذه الجهود، لكنها قالت إن مصدر قلقها الرئيسي يتمثل في ضمان أن يتولى السكان الأصليون مسؤولية رعاية الحيوان والإشراف عليه، وأن تسهم آراؤهم في وضع خطط إعادة النمر التسماني إلى الحياة.
وأضافت: “ومع ذلك، تنطوي جهود إعادة الأنواع المنقرضة إلى الحياة على فوائد هائلة، بل إنني أرى أن تحقيق ذلك ليس الأثر الرئيسي لهذه الجهود. فإعادة بناء نوع منقرض تتطلب اكتشافات رائدة في مجالات الجينات، والتعبير الجيني، وعلم وراثة حفظ الأنواع، وعلم الأحياء التناسلي، وهي مجالات تعمل عليها حاليًا جهود إعادة الأنواع المنقرضة إلى الحياة بتمويل ربما لم يكن متاحًا لولاها”.