
البحر الأحمر لم يعد مجرد ممر ملاحي عالمي، بل صار مرآة لانهيار الدولة على ضفتيه. حين تسقط الدولة أو تتشظى، لا يعود البحر حدا طبيعيا يحمي السيادة، بل يتحول إلى أداة ضغط، وورقة ابتزاز، وساحة اقتصاد أسود. ما نشهده اليوم ليس صدفة جغرافية، بل نتيجة سياسية مباشرة: سواحل طويلة بلا سلطة مركزية، وسلاح بلا احتكار، واقتصاد حرب يتغذى على الفوضى ويعيش عليها.
لا يمكن قراءة المواجهة التي خاضتها الشرعية وقوات “درع الوطن” ضد “المجلس الانتقالي الجنوبي” بمعزل عن هذا السياق. سرعة الحسم، من المجلس الرئاسي والتحالف، كان مؤشرا لاصطفاف جديد يدفع باتجاه توحيد البندقية ضد الميليشيات وإمدادها.
في الصومال، تتكرر المعادلة نفسها بصيغة أخرى. ساحل من الأطول في أفريقيا، ودولة مركزية ضعيفة، وسلطات متعددة، وجماعات مسلحة تتقاطع مصالحها مع التهريب والاقتصاد الموازي. لا تحتاج القرصنة إلى أن تكون في ذروتها كي يبقى التهديد قائما، يكفي أن يظل السؤال بلا إجابة: من يحكم الساحل؟ من يفرض القانون؟ من يملك قرار الميناء؟ الفراغ نفسه هو الخطر.وعندما تقرر جماعة انفصالية مثل “أرض الصومال” إعلان نفسها دولة وتعترف بها إسرائيل فإنها تقرع جرس الخطر في بقية الدول. لماذا يتم تمكين جماعة انفصالية من البروز وتُمنح الحماية؟.
أما السودان، فخطورة أزمته تتجاوز حدوده. حين تتفكك دولة بحجم السودان وتاريخها وموقعها، فإن أثر ذلك لا يتوقف عند الداخل، بل يمتد إلى كامل الضفة الأفريقية للبحر الأحمر. دولة بلا مركز تعني حدودا سائبة، وسلاحا متحركا، وموارد منهوبة، وسواحل يمكن أن تتحول إلى أدوات نفوذ داخلي أو إقليمي. سقوط الدولة على البرّ يعني سقوط الاستقرار في البحر. والدعم العسكري والسياسي واللوجستي الذي حصل عليه الجيش السوداني ضد “قوات الدعم السريع” دل إلى خريطة التحالف الجديدة. الصراع ليس شخصيا. بل مواجهة بين منطقين: الدولة والميليشيات. تجربة “حرب الجنرالين” بعد ألف يوم، كشفت بوضوح أن وجود “دويلة” بسلاح واقتصاد ومسيّرات، يعني نسخ تجربة “أرض الصومال” في الجوار والإقليم. لذلك فإن تدفق الدعم إلى الحكومة المركزية وجيشها لا يرتبط فقط بالحفاظ على وحدة جغرافية، بل برفض “الصوملة” وتقديم التفكك كحل دائم ونموذج.الأخطر من الحرب في هذه البلدان هو استدامتها. لأن التشظي لا يطيل النزاع فقط، بل يحوله إلى نظام اقتصادي قائم بذاته. تعدد الميليشيات يعني تعدد المصالح، وضعف المركز يعني غياب القرار، واقتصاد الحرب يعني أن يصبح السلام تهديدا لمن يربحون من الفوضى.عند هذه النقطة، لا تعود المآسي البشرية مجرد نتيجة عرضية، بل تصبح أداة تجويع، وتهجير، وتعطيل تعليم، وتدمير خدمات. وكلها وسائل لإدامة السيطرة وكسر أي أفق وطني جامع.
وهنا يُقال الكلام بوضوح، بعيدا عن اللغة الدبلوماسية الرمادية. وهو الكلام الذي يعبر عن رغبة شعوب هذه البلدان: لا حل دون استعادة الدولة المركزية. ليس بوصفها شعارا أيديولوجياً، ولا كحنين إلى أنظمة تسلطية، بل كشرط حد أدنى لوقف الانهيار.
الدولة المركزية تعني احتكار العنف المشروع، ووحدة القرار السيادي، وخزانة واحدة تجمع الموارد، وجيشا واحدا يخضع للدستور لا للولاءات. من دون ذلك، كل حديث عن تسوية سياسية ليس سوى إدارة للأزمة لا إنهاء لها.
التجربة في اليمن والصومال والسودان أثبتت أن تفكيك الدولة بحجة “الخصوصيات المحلية” أو “توازنات الواقع” لم ينتج سلاما ولا عدالة، بل أنتج أمراء حرب بواجهات سياسية. اللامركزية الإدارية يمكن أن تكون حلا تنمويا. أما تفكيك السيادة فكان، ولا يزال، وصفة مؤكدة للفوضى. لا يمكن حماية التنوع ولا الحقوق ولا التنمية في ظل دولة غائبة، بل في ظل دولة قوية عادلة قادرة.
إن نهب الموارد في هذه الدول من موانئ، وثروات، وضرائب غير رسمية ليس خللا ثانويا، بل نتيجة مباشرة لغياب المركز. وحين تتحول الموارد إلى وقود حرب، يصبح الشعب مجرد تفصيل، وتتحول المساعدات الإنسانية إلى مسكنات تطيل عمر الأزمة بدل أن تعالجها. الإغاثة بلا دولة لا تبني سلاما، بل تُدار داخل اقتصاد الفوضى.
- أمن البحر من البر
الحقيقة أن المنطقة اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما القبول بخرائط ممزقة، وسواحل بلا سيادة، وبحر أحمر يعيش على حافة الخطر الدائم، وإما الاستثمار الجاد في إعادة بناء الدولة، لا كديكور سياسي، بل كعمود فقري للاستقرار. إن إعادة هذه الدول إلى كونها دولا– تحفظ حدودها، ووحدتها، ومركزيتها– ليست مطلبا نظريا ولا ترفا سياسيا، بل شرط بقاء للإقليم كله. وكل تأجيل لهذا الاستحقاق لا يعني الحياد، بل يعني الانحياز الصامت للفوضى.
- “الدولة المركزية” ضرورة للنجاة