بتصريحات غامضة.. إيران تلوح بجبهات جديدة لترسخ “وحدة الممرات المائية” |


روكب اليوم

أثارت تحذيرات اللواء يحيى رحيم صفوي مستشار القائد العام للقوات المسلحة الإيرانية بفتح “جبهات جديدة” إذا استأنفت واشنطن الحرب أسئلة كثيرة إقليميا ودوليا؛ وذلك لما انطوت عليه من “غموض متعمد” عده خبراء ومحللون جزءا من حسابات التكتيكات الدفاعية والردع غير المتماثل بين الطرفين.

وحسب الخبراء الذين تحدثوا للجزيرة نت، فإن هذه التصريحات لم تكن مجرد تلويح عابر برد عسكري تقليدي، بل عكست تحولا عسكريا عميقا في عقيدة الدفاع الإيرانية؛ إذ لم يعد الردع مقيدا بالتحرك المنفرد أو الرد مقابل الهجوم، بل ارتقى نحو تبني إستراتيجية “وحدة الممرات المائية” لتتكامل وتتعاضد مع مفهوم “وحدة الساحات” سابقا.

قصص مقترحة

list of 2 itemsend of list

ويتزامن هذا التحول الإستراتيجي مع إعلان صريح – على لسان المسؤول الإيراني – بالاستثمار في تطوير قدرات حزب الله في لبنان، وتوسيع الإمكانات القتالية لجماعة أنصار الله (الحوثيين) في اليمن، بما يعكس توجها لنقل مركز الثقل العسكري نحو نقاط المرور البحرية الحاكمة لحركة التجارة العالمية وإمدادات الطاقة الدولية.

وتشرع هذه المعادلة الباب أمام جملة من التساؤلات الملحة: ما الجبهات الجديدة المرشحة كأهداف مرشحة لإيران وحلفائها مستقبلا؟ وما مضامين إستراتيجية “وحدة الممرات المائية” بمفهومها العسكري وكقوة ردع؟ وما حدود قدرات الحوثيين لا سيما بعد توطين صناعات الصواريخ والمسيرات؟

الحوثيون يتجهون للتحكم في حركة الملاحة بمضيق باب المندب (الجزيرة)

جبهات جديدة وبنك أهداف يتسع

قد يصبح الغموض العسكري هدفا أساسيا في صياغة الرسائل التحذيرية؛ فالامتناع عن تحديد نطاق “الجبهات الجديدة” يدفع صانع القرار في الطرف المتلقي لتوسيع دائرة الترقب والتعامل مع جغرافيا مفتوحة على كافة الاحتمالات، مما يربك حساباته التكتيكية ويفرض نفقات استنزاف دفاعية تفوق كلفة العمل الهجومي ذاته.

وتتكشف ملامح هذا الاتساع الجغرافي في ما يطرحه القيادي السابق في الحرس الثوري الإيراني وخبير الشؤون الإستراتيجية حسين كنعاني مقدم، الذي وصف التناغم العملياتي بين مضيقي باب المندب وهرمز بـ”حدي المقص” اللذين يحيطان بمحور المقاومة وينشطان ضمن وحدة الساحات.

ولا تقتصر دائرة الفعل العسكري – وفق تصريحات كنعاني للجزيرة نت – على هذين المضيقين، بل تمتد لتمنح طهران قدرة على فتح مسارح مواجهة في قلب المحيط الهندي واستهداف القواعد والسفن الحربية الأمريكية؛ مستفيدة من مأزق واشنطن الناجم عن تآكل احتياطياتها النفطية الإستراتيجية واستنزاف مخزون صواريخ دفاعها الجوي كـ”باتريوت” و”ثاد” وتوماهوك، مما يجعل خوض مواجهة طويلة خيارا بالغ الصعوبة لإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب قبيل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي.

غير أن جبهات الاستهداف لا تقف عند حدود المياه المفتوحة؛ إذ يلفت المختص اليمني في الشؤون العسكرية والإستراتيجية علي الذهب إلى بعد إقليمي يتجاوز الساحل اليمني نحو القرن الأفريقي.

وترتكز رؤية الذهب – في تصريحاته للجزيرة نت – على إمكانية نشوء تكامل أمني وعسكري واستخباري بين الحوثيين وحركات مناهضة لواشنطن في الضفة الأخرى من باب المندب، مثل حركة الشباب المجاهدين الصومالية؛ حيث يسهم توحد الخصومة ضد الولايات المتحدة في فتح نوافذ لاستهداف المصالح والقواعد الأمريكية في جنوب البحر الأحمر أو جيبوتي أو الصومال، لتتحول تلك النواحي إلى جبهة اشتباك بالغة النشاط والتعقيد.

ويتسع أفق الجبهات المفترضة ليشمل المصالح الأمريكية والإسرائيلية في شرق البحر الأبيض المتوسط، وفق ما يرجحه خبير الأمن البحري اللواء محمد عبد الواحد، الذي يرى أن الردع الإيراني قد يتحول إلى المضائق والممرات الحاكمة عبر صواريخ باليستية تنطلق من داخل إيران أو الساحة العراقية، وصولا لتوظيف قدرات حزب الله.

وينبه عبد الواحد – في حديثه للجزيرة نت – إلى أن المسافة الشاسعة الفاصلة بين هرمز وباب المندب عبر بحر العرب وخليج عدن والمحيط الهندي تجعل التغطية الدفاعية الشاملة مستحيلة أمام الفرقاطات الأمريكية وقوات حلف الناتو، لا سيما في مواجهة المسيرات الانتحارية والصواريخ منخفضة التكلفة وعالية الأثر التدميري.

وحدة الممرات المائية

لم يعد الردع في حسابات طهران محكوما بمعادلة الرد المحدود التي سادت خلال الفترات الماضية، بل أصبحت تعتمد على استثمار الجغرافيا المكانية والسياسية لتكون ورقة ضغط ثقيلة في أي مفاوضات، لا سيما بعد التجربة الميدانية التي شهدت هبوط حركة ناقلات النفط في مضيق هرمز إلى الصفر تقريبا خلال فترات المواجهة الحادة.

ويشخص عضو الهيئة العلمية في جامعة العلامة طباطبائي بطهران الدكتور مرتضى شكري هذا التطور بوصفه ارتقاء ينقل الإستراتيجية من “العقاب بعد وقوع الهجوم” إلى “رفع الكلفة المسبقة لمنع اندلاعه”.

ويوضح شكري – في تصريحات للجزيرة نت – أن الانتقال إلى “وحدة الممرات المائية” ليس إلغاء لما عرف “بوحدة الساحات” بل هو تطور يستهدف أسواق الطاقة ومعدلات التأمين وسلاسل الإمداد الدولية.

وتتقاطع هذه القراءة مع تحليل اللواء عبد الواحد، الذي ينظر إلى وحدة الممرات كأداة مثل “فكّي كماشة” تضغط على التجارة والنفط المتجهين لأوروبا، مؤكدا أن الردع لا يتطلب أساطيل ضخمة، بل يكفيه التلويح الصاروخي واستخدام المسيرات لفرض الإغلاق الناري ورفع المخاطر.

لكن هذا الضغط الكبير على طرق التجارة العالمية قد يكون سلاحا ذا حدين؛ فرغم تحقيقه ضغطا آنيا على واشنطن، فإنه قد يدفع الغرب الأكبر لتسريع إنشاء ممرات تجارية وسكك حديدية بديلة تربط الخليج العربي بالبحر المتوسط، لتقويض مشاريع منافسة كمبادرة الحزام والطريق الصينية.

“الاستثمار” في الحوثيين

أصبح الحضور العسكري لجماعة الحوثيين في البحر الأحمر وباب المندب نقطة تحول أساسية في معادلة الردع الإقليمي، بعدما أفرزت المواجهات مع قوات الحكومة اليمنية تطورات ميدانية في الأيام الأخيرة، مما نقل الجماعة من موقع “الطرف التابع” لطهران إلى مرتبة الشريك العملياتي القادر على فرض وقائع ميدانية قسرية.

ويفسر اللواء محمد عبد الواحد دلالات الإعلان الإيراني الرسمي بالاستثمار في تسليح الحوثيين بكونه سبيلا لتخفيف الضغط العسكري عن مياه الخليج ونقله باتجاه البحر الأحمر وباب المندب.

ويستعرض عبد الواحد مقومات هذا التطور، مبينا تركيز خبراء الحرس الثوري الإيراني على توطين تصنيع المسيرات والصواريخ داخل الأراضي اليمنية، وتشييد شبكات أنفاق جبلية تمنح البنية العسكرية مناعة ضد الضربات الجوية، وتتيح تطبيق إستراتيجية “الإنكار البحري” بكفاءة عالية تعطل الملاحة دون حاجة لقطع بحرية نظامية.

ويتطابق هذا التقييم مع التفاصيل الفنية التي يقدمها الخبير العسكري علي الذهب بشأن تطور ترسانة الحوثيين؛ مشيرا إلى اعتماد الجماعة على صواريخ ومسيرات هجينة مستنسخة من طراز “358” الإيراني، والمعروفة محليا باسم “صقر” و”ناصر”.

وتمتلك هذه المنظومات -وفق الذهب- قدرة على التحليق بارتفاع 25 ألف قدم وبمدى 120 كيلومترا، وتستطيع البقاء في الجو 25 دقيقة مترصدة الأهداف الحرارية؛ وهي التقنية التي مكنتها من إسقاط أكثر من 20 طائرة استطلاع أمريكية متقدمة من طراز “إم كيو-9 ريبر” تنطلق من جيبوتي.

ويحذر المختص في الشؤون العسكرية والإستراتيجية من أن السيطرة الحوثية على الساحل مرشحة للتمدد نحو مرتفعات المضاربة ورأس العارة بلحج، مما يضع شمال غربي خليج عدن تحت السيطرة النارية للجماعة ويهدد المصالح الغربية.

ويربط عضو الهيئة العلمية في جامعة العلامة طباطبائي بطهران هذه القدرات بفاعليتها الميدانية؛ إذ مكنت السيطرة الساحلية الحوثيين من نشر رادارات وصواريخ “ساحل – بحر” لممارسة حصار فاعل طال ما يزيد على 160 سفينة تجارية على صلة بأكثر من 60 دولة حتى أواخر 2025.

وتوسع التحول منذ صيف 2026 باستهداف ناقلات النفط في باب المندب، بما فيها سفن ترفع العلم السعودي، مما يثبت نجاح طهران في تأسيس بنية ردع بحري موزعة ومتشابكة، حسب قول شكري للجزيرة نت.

اللواء يحيى رحيم صفوي مستشار القائد العام للقوات المسلحة الإيرانية (وكالات)

رسائل غير مشفرة للردع والتحذير

وتتعدى التصريحات الإيرانية ذلك التأثير العسكري الميداني المباشر، لتشكل حزمة متكاملة من الرسائل السياسية والعسكرية المحسوبة، إذ تخاطب مراكز قرار متعددة داخل الإقليم وخارجه لفرض واقع ردعي استباقي.

ويحدد اللواء محمد عبد الواحد 4 اتجاهات رئيسية تنطلق نحوها هذه التحذيرات الإيرانية:

  • واشنطن وتل أبيب:

المستهدف الأول بجهود الردع لمنعهما من تجديد خيار الحرب، برفع الكلفة المسبقة لأي استهداف للمنشآت الإيرانية.

  • عواصم دول الخليج:

تحذير جدي من مغبة تقديم تسهيلات لوجستية وقواعد انطلاق للقوات الأمريكية التي تبعد مراكزها 12 ألف كيلومتر عن مسرح العمليات، مما يجعل التسهيلات الخليجية أساسا لا غنى عنه لواشنطن.

  • دول جنوب آسيا:

ممارسة ضغط اقتصادي غير مباشر عليها لاعتمادها على إمدادات الطاقة القادمة عبر البحر الأحمر وهرمز، لدفعها نحو حث الإدارة الأمريكية على خفض التصعيد.

  • المجتمع الدولي بأسره:

التحذير من أزمة طاقة خانقة وموجات تضخم قياسية وركود اقتصادي يهدد الأسواق الدولية إذا عُطلت الممرات البحرية.

وينعكس هذا التحذير الموجه للعواصم العربية في سياق دبلوماسي مزدوج يعرضه الدكتور مرتضى شكري؛ فالرسالة تحمل تحذيرا من التورط العسكري، ودعوة لبناء أمن إقليمي ذاتي يُقصي التدخلات الخارجية، بالتزامن مع المحادثات غير المباشرة بين طهران وواشنطن.

غير أن المتحدث نفسه يقر بوجود “تحديات للثقة” تؤرق الرياض جراء الهجمات المسيرة والصاروخية السابقة على جنوب المملكة، معتبرا أن تجاوز تلك المخاوف عبر حوار جاد يجنب المنطقة منافسة استنزافية لا فائدة منها.

وتلتقي مع هذه المعطيات تقديرات علي الذهب بشأن الحرج الاقتصادي لدول الجوار، حيث تبقى الرياض الأكثر عرضة للتضرر من انسداد باب المندب؛ لاعتمادها عليه في تصريف نفط “ينبع” المتدفق عبر خط “شرق-غرب” تجنبا لمخاطر هرمز.

وفي المقابل، يرى القيادي السابق في الحرس الثوري الإيراني أن جوهر الضغط يقع مباشرة على البيت الأبيض، مستدلا بتصريحات سابقة لترمب دعا فيها مستوردي النفط لحماية مساراتهم بأنفسهم؛ إذ تسعى طهران لاستغلال حساسية أسعار الطاقة داخل الشارع الأمريكي لإرغام واشنطن على مخرج تفاوضي وتفادي مواجهة تعجز عن تمويلها.

خنق الملاحة.. فاتورة دولية كارثية

وتختزل التحولات الراهنة وما يصاحبها من تصريحات من طرفي الصراع حقيقة راسخة مفادها أن إستراتيجية “وحدة الممرات المائية” غدت ترجمة عملية لإعادة هندسة جبهات الردع باستثمار الجغرافيا السياسية الضاغطة وتحويل المضائق الإستراتيجية إلى منصات تفاوض ولو تحت النار.

ويرسم اللواء محمد عبد الواحد معالم هذه الضغوط الاقتصادية، مبينا أن التعطيل المتزامن لهرمز وباب المندب سيقود إلى قفزة غير مسبوقة في كلفة الشحن وأقساط التأمين البحري.

ويوضح خبير الأمن البحري أن المفر الإجباري نحو رأس الرجاء الصالح يفرض زيادة زمنية بين 13 و15 يوما للرحلة واستهلاكا مضاعفا للوقود؛ وهو ما يقود لارتفاع التضخم ويدفع البنوك المركزية لرفع الفائدة بصورة تزج بالأسواق الدولية في ركود عميق.

وتجد هذه التوقعات مصداقيتها فيما يورده حسين كنعاني مقدم حول أسواق الطاقة؛ إذ يشير إلى أن أسعار الغاز الطبيعي قفزت من 25 إلى 90 يوروا (نحو 27 إلى 97 دولارا)، وتخطى غالون الديزل في السوق الأمريكية حاجز 6 دولارات، الأمر الذي يشكل نزيفا يضع واشنطن في فخ مالي وعسكري يعوق تمويل أي نزاع طويل الأمد.

أما على الصعيد الميداني، فيقرع علي الذهب جرس الإنذار إزاء احتمالية انفلات المواجهة البحرية لتتحول إلى “حرب فوق إقليمية” واسعة؛ مبينا أن عسكرة باب المندب وجر قوى إقليمية ودولية كباكستان وتركيا وقوات حلف الناتو لمسرح العمليات، من شأنه أن يلهب القرن الأفريقي ودول حوض البحر الأحمر ويقضي على الاستقرار الهش في المنطقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enable Notifications OK No thanks