روكب اليوم
ففي حين يربط قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وقف القتال بإنهاء التمرد، تتمسك قوات الدعم السريع بمواقع سيطرتها وتطالب بإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية، وبذلك يتجاوز الخلاف شروط الهدنة إلى صراع على شرعية الدولة، ومن يملك حق تقرير مستقبلها ومؤسساتها.
قصص مقترحة
list of 2 itemsend of list
ويكشف هذا التباعد أن المفاوضات لا تصطدم باختلاف المطالب فحسب، بل بغياب الاعتراف المتبادل الذي تحتاج إليه أي تسوية، فكل طرف ينظر إلى الآخر بوصفه تهديدا لوجوده، ويخشى أن يتحول التنازل إلى مقدمة لإقصائه، مما يجعل الحسم العسكري أكثر جاذبية من التفاوض.
صراع على الشرعية
وتبرز هذه المعضلة في تحليلات ضيوف برنامج “ما وراء الخبر”، ولا سيما مدير مركز معالم للدراسات السياسية والإستراتيجية الدكتور الرشيد محمد إبراهيم، والباحث والمحلل السياسي مصطفى محمد إبراهيم، فالأول يرى أن الجيش يتقدم نحو إنهاء التمرد، بينما ينزع الثاني عنه صفته الوطنية، ويطالب بإعادة هيكلته.
ويستند الرشيد إلى تعدد محاور تحرك الجيش ليعتبر أن العمليات الجارية تمهد لاستعادة السيطرة على مناطق جديدة وتقليص نفوذ الدعم السريع، ووفق هذه الرؤية، فإن إنهاء التمرد ليس مجرد هدف عسكري، وإنما هو مدخل لاستعادة سلطة الدولة وتهيئة الظروف التي يراها الجيش ضرورية لأي تسوية.
لكنّ هذا التصور يفترض أن الانتصار الميداني قادر على حسم الأزمة السياسية التي فجّرت الحرب، فحتى إذا نجح الجيش في استعادة المناطق التي يسيطر عليها خصمه، فإن ذلك لا ينهي تلقائيا الخلاف على السلطة أو يمنع تجدد المواجهة، ما لم تُعالج الأسباب التي تجعل الصراع على الدولة مفتوحا.
في المقابل، يرى مصطفى أن الجيش لا يمثل جميع السودانيين؛ ويطالب بإعادة هيكلته لتكوين مؤسسة عسكرية مهنية، بينما يؤكد أن الدعم السريع لن يتخلى عن المناطق التي يسيطر عليها، ويعكس هذا الموقف تصورا مغايرا لنهاية الحرب، يقوم على تغيير بنية المؤسسة العسكرية بدلا من استعادة سلطتها القائمة.
وهكذا يصبح الخلاف على شرعية السلاح عقبة أمام أي تسوية؛ فالجيش يشترط إنهاء التمرد، في حين يرى خصمه أن إعادة تشكيل المؤسسة العسكرية جزء من الحل، ولا يتعلق النزاع هنا بترتيبات الانسحاب وحدها، بل بمن يملك سلطة تحديد مستقبل القوات المسلحة، ومن يقرر شكل الدولة بعد الحرب.
جبهات تتسع
وتكتسب المعارك في الدلنج بجنوب كردفان وأم درفا بالنيل الأزرق أهمية تتجاوز حدودها الجغرافية، نظرا إلى تأثيرها في حركة القوات وخطوط الإمداد. فالتقدم في هذه المناطق أو تعطيل الحركة عبرها قد يغير حسابات الانتشار العسكري، ويمنح صاحبه أوراق ضغط إضافية في مواجهة خصمه.
وفي هذا السياق، يربط الرشيد التحركات المحيطة بالدلنج بخطة أوسع للجيش تشمل محاور باتجاه بابنوسة والمجلد وأبو زبد والخوي وسودري، وتعكس هذه القراءة رهانا على تعدد مسارات التقدم لتوسيع الضغط على الدعم السريع وتقليص قدرته على الاحتفاظ بمواقعه وربط مناطق نفوذه.
أما مدير معهد هورن الدولي للدراسات الإستراتيجية الدكتور حسن كنانجي، فيرى أن تحرك الدعم السريع إلى مناطق أبعد عن معاقله التقليدية في النيل الأزرق يهدف إلى إظهار قدرته على مواصلة القتال، ومحاولة قطع خطوط الإمداد، ونقل المواجهة إلى مناطق جديدة تمنحه مساحة أكبر للمناورة.
وتكشف القراءتان أن فتح الجبهات يمثل محاولة لتغيير قواعد المواجهة، لا مجرد رد فعل على تحركات الخصم، فالجيش يسعى، وفق الرشيد، إلى تثبيت تقدمه، بينما يرى كنانجي أن الدعم السريع يريد إثبات استمرار نفوذه. وفي الحالتين، يتحول الميدان إلى وسيلة لفرض الشروط السياسية.
لكنّ توسيع العمليات قد يرتد على الطرفين، إذ يرفع أعباء الإمداد والحماية، ويزيد المناطق المعرضة للقتال، ويضاعف احتمالات الاستنزاف، كما أن تبدل خطوط السيطرة لا يضمن حسم الخلاف على الحكم، مما يعني أن المكاسب العسكرية قد تتراكم من دون أن تقود إلى نهاية سياسية للصراع.
وتتفاقم هذه المعضلة مع اتساع الخسائر المدنية، فقد حذرت الأمم المتحدة من تزايد استهداف المدنيين بالطائرات المسيّرة، وسط تقارير عن قتلى ومصابين في غارات طالت مناطق مأهولة ومأوى للنازحين في النهود بغرب كردفان. وهكذا يدفع المدنيون ثمن صراع تتراجع فيه فرص التهدئة كلما تصاعد الرهان على الحسم.
تسوية تحت الضغط
ولا تبدو الهدنة الإنسانية الأمريكية المقترحة لمدة 90 يوما كافية وحدها لتجاوز الانسداد، إذ لا يزال الخلاف قائما بشأن الانسحاب ومرجعية القرار ومستقبل الدعم السريع، وقد يحد وقف النار المؤقت من الخسائر، لكنه لن يضمن الانتقال إلى تسوية دائمة ما لم يتفق الطرفان على الخطوات التالية.
ويرى كنانجي أن تغيير حسابات المتحاربين قد يبدأ عندما ترتفع كلفة الدمار إلى مستوى لا يمكن تحمله، أو يقرر الداعمون الخارجيون وقف التمويل والضغط لإنهاء القتال، ويضع ضمن الاحتمالات أيضا استخدام المجتمع الدولي العقوبات والحوافز لردع من ينتهك وقف إطلاق النار.
وتكشف هذه السيناريوهات أن استمرار الحرب لا يرتبط بإرادة المتحاربين وحدها، بل بالبيئة التي تتيح لهم مواصلة القتال، فاستمرار الدعم الخارجي وغياب المحاسبة يخففان كلفة التصعيد، بينما قد يدفع تغير مواقف الداعمين الطرفين إلى مراجعة رهاناتهما والبحث عن مخرج تفاوضي.
بيد أن الضغط الدولي، حتى لو فرض وقف إطلاق النار، فلن يحل وحده الخلاف على طبيعة الدولة ومؤسساتها، فالتفاهم على الانسحاب أو الترتيبات الأمنية قد يوقف القتال مؤقتا، لكنه لن يمنع تجدد الصراع ما دام كل طرف ينكر شرعية الآخر ويرى إقصاءه شرطا للاستقرار.
وتبقى الهوة بين مواقف الطرفين واسعة؛ فالرشيد يتعامل مع إنهاء التمرد باعتباره طريق استعادة الدولة، بينما يربط مصطفى الحل بإبعاد الجيش وإعادة هيكلته، ولا يظهر في هذه المواقف تصور مشترك لمرحلة انتقالية يستطيع الطرفان قبولها من دون اعتبارها تنازلا عن أهدافهما الأساسية.