
في مشهد إنساني يعيد للذاكرة قصص الفراق التي حفرها الزمن على جبين منطقةٍ بكاملها، تمكنت الإسرائيلية حورية شيخ ثابت مخيري من إغلاق فصلٍ من فصول البحث المُر الذي امتد عبر عقود، بعد أن عثرت أخيراً على بقايا جسرٍ يربطها بجذورها اليمنية.
تنطلق حكاية حورية من حقبةٍ سابقة على ما يُعرف اليوم بالحدود السياسية، حين كان والدها الشيخ ثابت مخيري، أحد أبناء منطقة يافع التاريخية جنوبي اليمن، يتقاضى أجر يومه من قيادة شاحنات النفط في مصافي عدن. لم تكن الحياة هناك تمنح فرصاً كثيرة، لكنها كانت تكفي رجلاً يحمل على عاتقه مسؤولية أسرةٍ صغيرة.
لكن الحياة، كما يحدث دائماً في تلك الأزمنة المضطربة، لم تُمهل الأسرة طويلاً. بعد انفصال الوالدين، وجدت حورية نفسها طفلةً صغيرة تسافر برفقة أمها إلى أرضٍ بعيدة لم تكن في حسبانها، لتستقر في إسرائيل، حيث تُغلق الأبواب تباعاً أمام أي تواصل مع العالم الذي خلفته وراء ظهرها.
مع مرور السنوات، تحول والدها من شخصٍ حقيقي كان يقود شاحنته ويحمل هموم يومه، إلى صورةٍ ضبابية في ذاكرة طفلةٍ كبرت وأصبحت امرأة. لكن الصورة لم تختفِ تماماً. بقيت حورية تحمل في داخلها سؤالاً واحداً لا يُغادرها: ماذا حلّ بأبي؟
لم تكن الإجابة سهلة. فالسنوات التي فصلت بين اليمن وإسرائيل لم تكن مجرد مسافة جغرافية، بل كانت جداراً من الصمت والسياسات والظروف التي جعلت أي تواصل أمراً شبه مستحيل. لكن حورية لم تستسلم. استمرت في البحث عبر قنواتٍ مختلفة، تتواصل مع من تستطيع الوصول إليهم، تسأل وتنتظر.
ومع ذلك، لم تكن النهاية التي تمنتها. اكتشفت حورية أن والدها رحل عن هذه الدنيا منذ سنواتٍ طويلة، دون أن تمنحه الفرصة لرؤيته مرةً واحدة، أو حتى لسماع صوته. كان الخبر كالصاعقة، يُنهي حلم الطفولة في لحظةٍ واحدة.
لكن في خضم ذلك الألم، بزغت بصيصٌ من الأمل. لم يكن والدها الوحيد الذي ترك خلفه ذكريات. كان هناك إخوةٌ لم تلتقِ بهم، وأبناءٌ لم تعرف عنهم شيئاً. ومن خلال شبكة العلاقات التي بنتها خلال رحلة البحث، تمكنت حورية من التواصل مع عددٍ من إخوتها وأبنائهم، ليتحول الفراق الممتد عبر عقود إلى لقاءٍ يُعيد رسم خريطة العائلة من جديد.
عبرت حورية عن مشاعرها بلهجةٍ لا تخلو من الحنين والامتنان، واصفةً لقاءها بأفراد عائلتها بأنه “لحظةٌ لم أكن أتخيلها”، مؤكدةً أن هذا التواصل لم يُعِد إليها أقارباً فحسب، بل أعاد إليها جزءاً من هويتها التي ظلت تشعر أنها ناقصة دون معرفة من أين أتت.
ووجهت حورية شكرها لكل من ساعد في جمع شمل الأسرة، من أصدقاء ووسطاء ومنصات التواصل التي شكّلت جسراً فوق هوةٍ حفرها الزمن والسياسة، معتبرةً أن ما تحقق ليس مجرد لقاءٍ عائلي، بل “انتصارٌ إنساني” للعلاقة التي لا تموت رغم كل شيء.