

لم يكن الهجوم مجرد عملية عسكرية محدودة، بل كان صفعة أمنية موجعة لواحدة من أكبر القوى البحرية في العالم، وقد كشف أن التهديدات غير المتماثلة قد تأتي من قارب صغير من الألياف الزجاجية، لا من أسطول حربي ضخم.
أسفر الهجوم عن مقتل 17 بحارا أمريكيا وإصابة 39 آخرين. ذكر مكتب التحقيقات الفيدرالي “إف بي أي” أن منفذي الهجوم، الذي دبره تنظيم القاعدة، أظهرا إشارات ودية لعدد من أفراد الطاقم قبل الاصطدام والتفجير، وهو ما جعل المفاجأة أكثر قسوة.
- السفينة والمهمة قبل الانفجار
صُممت سفن هذه الفئة لتكون مجهزة بنظام “إيجيس” للدفاع الجوي، القادر على صد هجمات مكثفة تشنها عشرات الصواريخ السوفيتية المضادة للسفن. كما كانت قادرة على حمل صواريخ كروز لمهاجمة أهداف برية أو تنفيذ عمليات مضادة للغواصات.
- لحظة الانفجار
تسبب الانفجار في تسرب المياه إلى داخل السفينة، فيما أشارت طبيعة الأضرار إلى أن العبوة الناسفة، التي قُدر وزنها بنحو 300 كيلوغرام، كانت مصممة على هيئة “شحنة موجهة” صوب هيكل السفينة. تسبب الانفجار في غمر إحدى غرف المحركات بالمياه عبر فتحة هائلة في الهيكل، ومع كل ذلك بقيت المدمرة طافية ولم تغرق. كان الزورق الذي نُفذ به الهجوم الانتحاري عبارة عن قارب صيد صغير مصنوع من الألياف الزجاجية، وهو ما يثبت أن الضربة لم تكن بحاجة إلى سلاح متطور، بل إلى تخطيط دقيق واستغلال ثغرة أمنية.
يستذكر قائد المدمرة ليبولد، في حديثه للطلاب عام 2022، تلك اللحظات القاسية قائلا: “شعرنا بالمدمرة، التي يبلغ طولها 150 مترا وتزن 8400 طن، وهي تندفع فجأة بعنف نحو الأعلى وإلى اليمين. كان الأمر أشبه بالبقاء معلقين في الهواء للحظة قبل الانزلاق مجددا نحو الماء، وصرنا نتأرجح من جانب إلى آخر”.
المدمرة الأمريكية “يو إس إس كول” تعرضت لأضرار جسيمة وكادت أن تغرق، حيث اخترق الانفجار غرفة المحركات الرئيسية، ودمر المطبخ، وتسبب في تدفق كميات كبيرة من المياه. بذل الطاقم جهوداً مكثفة لأكثر من 96 ساعة للسيطرة على الأضرار وإنقاذ المدمرة. نجح البحارة في منع غرق السفينة، رغم الظروف القاسية وانقطاع الكهرباء وامتلاء بعض الأقسام بالمياه والدخان.
- التحقيقات والمسؤولية
في نهاية المطاف، تمكنت الولايات المتحدة من تعقب منظمي الهجوم. فقد تعرض أحدهم، وهو عبد الرحيم النشيري، الذي يعتقد أنه مهندس ذلك الهجوم، لتعذيب مطول وقاس في سجون سرية لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية قبل نقله إلى معتقل غوانتانامو، وهو لا يزال محتجزا هناك حتى يومنا هذا. أما الآخرون فقد قُتلوا بصواريخ أطلقتها طائرات بدون طيار من طراز “إم كيو-1 بريداتور”، وهم قائد سنان الحارثي عام 2002، وفهد القصع عام 2012، وجمال البدوي عام 2019. كما قُتل أو أُسر على مر السنين، شركاء آخرون ممن أدوا أدوارا ثانوية.
بعد الهجوم، أعادت البحرية الأمريكية تقييم إجراءات الحماية في الموانئ الأجنبية، وشدّدت إجراءات الاقتراب من السفن، وزادت الاعتماد على الدوريات الأمنية والحواجز البحرية. كما تحولت “كول” إلى رمز للثمن البشري للتهديدات غير المتماثلة. أعيدت المدمرة إلى الخدمة عام 2002 بعد إصلاحات مكلفة.ظل الهجوم على “يو إس إس كول” واحدا من أهم الأحداث التي مهّدت لمرحلة جديدة من الصراع مع تنظيم القاعدة، وجاءت بعدها بأقل من عام هجمات 11 سبتمبر 2001.