

روكب اليوم
Published On 11/7/2026
لم يعد سؤال الناشرين اليوم هو: كيف نمنع روبوتات الذكاء الاصطناعي من كشط مواقعنا؟ بل أصبح السؤال الأكثر تعقيدا: كيف نجعل المحتوى قابلا للفهم والاستخدام داخل عالم يتولى فيه وكلاء الذكاء الاصطناعي البحث والاختيار واتخاذ القرار نيابة عن المستخدمين؟
وكشفت سارة غواغليوني، في تقرير نشرته منصة ديجيداي (Digiday)، أن عددا من الناشرين الكبار، بينهم تايم وإيكونوميست وناشر إخباري آخر، بدؤوا تجربة نسخ موازية من مواقعهم مصممة خصيصا لوكلاء الذكاء الاصطناعي، هذه النسخ لا تستهدف القارئ البشري، بل الأنظمة الآلية التي تقرأ المحتوى وتلخصه وتستشهد به داخل إجابات البحث الذكي.
تأتي هذه التجارب استعدادا لما يعرف بـالويب الوكيلي ، أي مرحلة لا يكتفي فيها المستخدم بكتابة سؤال في محرك بحث، بل يطلب من وكيل ذكاء اصطناعي أن يبحث ويقارن ويقرر وينفذ، في هذا العالم، قد لا يزور المستخدم الموقع الأصلي، وقد لا يرى الإعلان، وقد لا يضغط على الرابط، لكن محتوى الناشر قد يظهر داخل إجابة أو توصية أو قرار تتخذه الآلة.
من هنا، بدأت تايم خطوة واسعة بتحويل صفحاتها من صيغة “إتش تي إم إل” التقليدية إلى نسخ مبسطة بصيغة “ماركداون” ، وهي صيغة تخفف عناصر التصميم والتنقل والبرمجة، وتترك المحتوى والبيانات الوصفية بصورة أسهل للقراءة الآلية، فصفحة الويب التي يراها الإنسان مصممة للمتصفح، وتضم قوائم وصورا وأكوادا وتنسيقا، أما وكيل الذكاء الاصطناعي، فيحتاج إلى النص وبنيته وسياقه، لا إلى تجربة الصفحة الكاملة.
وقررت تايم كذلك حظر روبوتات الذكاء الاصطناعي افتراضيا، ثم إعداد قوائم بيضاء للروبوتات المسموح لها بالدخول، هذه الروبوتات المعتمدة لا توجه إلى النسخة البشرية من الموقع، بل إلى نسخ ماركداون. وبذلك تفصل المؤسسة بين حركة البشر وحركة الآلات، القارئ يحصل على التجربة الكاملة، والروبوت يحصل على المحتوى المجرد والبيانات الوصفية.
يرى مارك هاوارد، الرئيس التنفيذي للعمليات في تايم، أن لهذا الفصل قيمة متزايدة مع تضخم حركة الروبوتات، فالناشر لا يريد أن يكون غائبا عن نتائج الذكاء الاصطناعي، لكنه لا يريد أيضا أن تقدم الروبوتات تكلفة بلا عائد.
وإذا نجحت تايم في جعل محتواها أكثر قابلية للاكتشاف والاستشهاد داخل البحث الذكي، فإن ذلك لا يخدم حضورها التحريري فقط، بل يقوي أيضا منتجات تجارية تبيعها للعلامات التجارية الراغبة في تحسين صورتها داخل إجابات الذكاء الاصطناعي.
وتستخدم تايم منصة “تول بت” لتحويل الصفحات إلى صيغ قابلة للقراءة من الوكلاء، وتقول المنصة إن معالجة صفحات الويب الكبيرة قد تستغرق أكثر من دقيقة، بينما يمكن جلب محتوى منظم خلال جزء من الثانية، كما ترى أن تقليل الضجيج البرمجي في الصفحة قد يخفض احتمال هلوسة الذكاء الاصطناعي، لأن النموذج يتعامل مع محتوى أوضح وأقل ازدحاما بالرموز والعناصر غير التحريرية.
لكن الناشرين لا يسيرون بالطريقة نفسها، فـإيكونوميست تجرب نسخا قابلة للقراءة الآلية من محتوى موجود أصلا خارج جدار الدفع، لكنها تبدأ من نطاق أضيق يشمل النصوص التسويقية ومواد المبيعات الموجهة للشركات.
ويبدو حذرها مفهوما؛ فهي ناشر يعتمد على الاشتراكات، وأي انفتاح واسع أمام وكلاء الذكاء الاصطناعي قد يضعف قيمة المحتوى المدفوع إذا بدأ بالظهور داخل إجابات لا تقود إلى اشتراك.
في المقابل، يجرب ناشر إخباري كبير معيارا جديدا يعرف ببروتوكول سياق نموذج الويب ، وهو معيار طورته غوغل ومايكروسوفت لمساعدة المواقع على مشاركة بيانات منظمة مباشرة مع وكلاء الذكاء الاصطناعي، بدلا من تركها للكشط العشوائي، الفكرة هنا لا تتعلق بتسهيل القراءة فقط، بل بإنشاء طبقة جديدة فوق الويب التقليدي، موجهة للآلات لا للبشر.
وقد تحمل هذه الطبقة فوائد مالية وتقنية، فعندما تضرب الروبوتات موقعا موجها للبشر، يدفع الناشر تكاليف تقديم الصفحات عبر شبكات توصيل المحتوى، من دون أن يحصل بالضرورة على زيارة بشرية أو إعلان أو اشتراك.
أما إذا قدم للروبوت نسخة أخف وأسرع، فقد يخفض التكلفة، ويحسن في الوقت نفسه فرص ظهوره واستشهاده داخل أدوات البحث الذكي. كما يمكن لهذه البنية أن تفيد أدوات الذكاء الاصطناعي الداخلية لدى الناشر، لأنها تجعل أرشيفه ومحتواه أكثر تنظيما وسهولة في الوصول.
وتجرب لوموند الفرنسية، بدورها، كيفية إظهار محتواها للوكلاء، وكيفية معرفة ما إذا كان الوكيل يتصرف نيابة عن مشترك دافع، وهذا سؤال جوهري في المستقبل القريب: هل يحق لوكيل ذكاء اصطناعي الوصول إلى محتوى مدفوع إذا كان المستخدم الذي أرسله مشتركا؟ وكيف يتحقق الناشر من ذلك؟ ومن يتحمل مسؤولية الاستخدام؟
ورغم حماسة بعض الناشرين، يحذر مستشارون من تحويل الويب الوكيلي إلى سباق غير محسوب، فالمستشار سكوت ميسر يرى أن بناء مواقع موجهة للروبوتات يجب أن يكون قرارا مشروطا، لا خيارا افتراضيا.
ففي بيئة لا توجد فيها نقرة ولا ظهور إعلاني ولا مقابل مالي واضح، قد يكون الاستثمار في إرضاء الوكلاء تكلفة صافية، وبالنسبة لناشر يعتمد على الإعلانات، قد لا تعني قراءة الروبوت شيئا إذا لم يرها إنسان، أما ناشر الاشتراكات فقد يخشى أن يفرغ الذكاء الاصطناعي قيمة محتواه من الداخل.
تكشف هذه التجارب أن العلاقة بين الناشرين والذكاء الاصطناعي تدخل مرحلة جديدة، فبعد معارك الحظر والكشط والترخيص، بدأ بعض الناشرين يعيدون تصميم الويب نفسه ليكون مفهوما للآلة.
لكن السؤال المفتوح لا يزال اقتصاديا وتحريريا في آن واحد: إذا صار الروبوت هو القارئ الأول، فمن يدفع ثمن الصحافة؟ ومن يضمن أن الظهور داخل إجابة الذكاء الاصطناعي لا يتحول إلى بديل عن زيارة الموقع، بل إلى قيمة حقيقية تعود إلى الناشر؟