روكب اليوم
2026-06-28 09:31:00

وتكتسب الزيارة التي يجريها حاليا وكيل وزارة الدفاع بحكومة الوحدة الوطنية عبدالسلام الزوبي إلى واشنطن أهمية خاصة مع تزايد الحديث عن ترتيبات لعقد لقاء مباشر بينه وبين صدام حفتر نائب القائد العام للقوات المسلحة في شرق ليبيا وهي خطوة يعتبرها مراقبون جزءا من مسار أميركي يهدف إلى تقريب مراكز النفوذ العسكرية والسياسية وتهيئة الأرضية لتفاهمات أوسع رغم ما يواجهه هذا المسار من انتقادات محلية وأوروبية تتعلق بإمكانية تجاوز المسارات الأممية التقليدية أو إعادة إنتاج موازين القوى القائمة.
وتشير التحركات الأميركية الأخيرة إلى أن واشنطن لم تعد تكتفي بإدارة الأزمة الليبية بل تسعى إلى الربط بين المسار السياسي والمسار الأمني ضمن رؤية متكاملة تتولى فيها القيادة الأميركية في أفريقيا “أفريكوم” الجانب العسكري بينما تعمل مبادرة بولس على بناء توافقات بين القوى الليبية المؤثرة تمهيدا لإعادة هيكلة المؤسسات وتوحيد الأجهزة العسكرية والأمنية وإطلاق مرحلة انتقالية أكثر استقرارا تسمح بإعادة بناء مؤسسات الدولة.
ويستند هذا التحرك إلى قناعة أميركية متزايدة بأن استمرار الانقسام يمنح القوى المنافسة وعلى رأسها روسيا مساحة أوسع لتعزيز وجودها العسكري في جنوب المتوسط ومنطقة الساحل وهو ما دفع واشنطن إلى تكثيف الاتصالات مع مختلف الأطراف الليبية بالتوازي مع توسيع التعاون الأمني والتدريبات المشتركة عبر “أفريكوم”.
في المقابل تتحرك موسكو بوتيرة متسارعة للحفاظ على حضورها داخل ليبيا بعدما نجحت خلال السنوات الماضية في ترسيخ نفوذها عبر “الفيلق الأفريقي” وشبكة واسعة من العلاقات السياسية والعسكرية خاصة في شرق البلاد وجنوبها وهو ما يجعلها تنظر بقلق إلى التحركات الأميركية المتزايدة باعتبارها محاولة لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية على حساب مصالحها.
وتجلت هذه التحركات خلال الأسابيع الأخيرة في سلسلة لقاءات أجراها السفير الروسي مع مسؤولين وفاعلين سياسيين في مدينة مصراته إضافة إلى المحادثات التي جمعت وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف برئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة فضلا عن لقاءات مع الطاهر الباعور القائم بتسيير أعمال وزارة الخارجية في مؤشر على سعي موسكو إلى توسيع قنواتها السياسية وعدم الاكتفاء بعلاقاتها التقليدية مع شرق ليبيا.
وتنظر روسيا إلى ليبيا باعتبارها حلقة رئيسية في استراتيجيتها الأفريقية إذ يمنحها الوجود العسكري هناك عمقا لوجستيا يربط بين قواعدها ونفوذها في شرق ليبيا ومنطقة الساحل كما يوفر لها منفذا استراتيجيا على الضفة الجنوبية للبحر المتوسط ويعزز قدرتها على دعم حلفائها في أفريقيا بعد إعادة هيكلة وجودها العسكري تحت مظلة “الفيلق الأفريقي” عقب التغييرات التي شهدتها مجموعة فاغنر.
وفي المقابل ترى واشنطن أن الحد من النفوذ الروسي في ليبيا يشكل جزءا من استراتيجية أوسع لاحتواء موسكو في أفريقيا ومنعها من تحويل الأراضي الليبية إلى مركز ارتكاز عسكري دائم يهدد مصالح الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين ويمنح روسيا قدرة أكبر على التأثير في ملفات الطاقة والهجرة والأمن الإقليمي.
وبين مساعي واشنطن لإعادة صياغة المشهد الليبي عبر الجمع بين المسارين الأمني والسياسي وإصرار موسكو على حماية مكتسباتها يبدو أن البلاد تدخل مرحلة جديدة من التنافس الدولي قد تفتح الباب أمام تسوية أكثر شمولا إذا نجحت التفاهمات بين القوى الكبرى وقد تعيد إنتاج حالة الاستقطاب إذا تحولت ليبيا مرة أخرى إلى ساحة صراع مفتوح على النفوذ الإقليمي والدولي.
حيث تشير مجمل هذه التحركات إلى أن ليبيا لم تعد مجرد ساحة نزاع داخلي بين مؤسسات متنافسة بل أصبحت ميدانا لإعادة رسم خرائط النفوذ في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل حيث تسعى الولايات المتحدة إلى بناء منظومة أمنية وسياسية جديدة تقودها عبر “أفريكوم” ومبادرة بولس بينما تعمل روسيا على حماية مكتسباتها العسكرية وضمان بقائها شريكا رئيسيا في أي تسوية مقبلة.
حماية النفوذ الروسي
من موسكو ترى الباحثة في العلاقات الدولية لانا بدفان في تصريحات خاصة لموقع “سكاي نيوز عربية” أن مبادرة مسعد بولس تمثل تحولا ديناميكيا يهدف إلى كسر حالة الانسداد السياسي في ليبيا وهو ما تعتبره موسكو تهديدا مباشرا لنفوذها ولا سيما الوجود الذي عززته عبر “الفيلق الأفريقي”.
وتوضح بدفان أن روسيا ردت على هذا المسار باستراتيجية مزدوجة تقوم على توسيع الانفتاح الدبلوماسي تجاه غرب ليبيا مع تعزيز حضورها العسكري على الأرض بما يجعل أي تسوية أميركية مضطرة إلى مراعاة المصالح الروسية.
وتضيف أن موسكو تنظر إلى النشاط المتصاعد لـ”أفريكوم” والذي ظهر بوضوح خلال مناورات “فلينتلوك 2026” باعتباره جزءا من استراتيجية أميركية تستهدف تطويق النفوذ الروسي وإنهاء حالة الأمر الواقع التي فرضها “الفيلق الأفريقي” في الشرق والجنوب الليبي.
وترى أن الولايات المتحدة تحاول بالفعل احتواء التمدد الروسي من خلال تقديم بدائل أمنية للقوى المحلية والدفع نحو توحيد المؤسسة العسكرية إلا أن هذا لا يعني اقتراب حسم الصراع بل يرسخ حالة من التوازن الهش إذ تمتلك موسكو نفوذا عسكريا متجذرا بينما تمتلك واشنطن أدوات الضغط السياسي والاقتصادي والدبلوماسي.
وتؤكد أن هذا الواقع يجعل مستقبل التسوية الليبية مرتبطا إلى حد كبير بالتفاهمات الدولية ويضع القوى الليبية أمام معادلة المناورة بين القوتين الكبيرتين وهو ما يؤجل الوصول إلى حل وطني مستدام ويجعل الاستقرار الحالي مجرد تهدئة مؤقتة قابلة للاهتزاز إذا اختل ميزان الردع بين الطرفين.
ضمان الحضور في أي تسوية
من جانبها ترى المحللة السياسية الأميركية إيرينا تسوكرمان في تصريحات خاصة لموقع “سكاي نيوز عربية” أن روسيا كثفت تحركاتها الدبلوماسية بعدما بدأت واشنطن تنفيذ مبادرة مسعد بولس بصورة عملية عبر الجمع بين إعادة هيكلة المؤسسات والانخراط الأمني من خلال “أفريكوم” والعمل على توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية.
وتوضح تسوكرمان أن موسكو استثمرت سنوات في بناء نفوذها داخل ليبيا خاصة عبر الشرق الليبي والقنوات العسكرية ولذلك فإن أي تحرك أميركي يربط بين التسوية السياسية والترتيبات الأمنية يمثل تحديا مباشرا لهذا النفوذ.
وتضيف أن روسيا تسعى من خلال اتصالاتها الأخيرة إلى ضمان ألا تنفرد واشنطن بقيادة المرحلة المقبلة ولذلك عززت تواصلها مع قيادات الشرق الليبي مع الإبقاء على قنواتها مفتوحة مع طرابلس حتى تضمن مكانا داخل أي ترتيبات سياسية أو أمنية قادمة.
وترى أن هذه التحركات لا تعكس تراجعا روسيا وإنما تمثل محاولة لحماية ما راكمته موسكو من نفوذ وكسب الوقت والاستعداد للتأثير في أي مرحلة جديدة من مراحل التسوية بما يمنع إعادة تشكيل المشهد الليبي وفقا للرؤية الأميركية وحدها.
واشنطن تتحرك بوتيرة أسرع
بدوره قال الكاتب والباحث السياسي الليبي إدريس احميد في تصريحات خاصة لموقع “سكاي نيوز عربية” إن روسيا تمتلك مصالح واضحة في ليبيا وتسعى للحفاظ على دورها في شمال أفريقيا ضمن إطار المنافسة الدولية إلا أن الولايات المتحدة تتحرك حاليا بفعالية أكبر خاصة في ظل انشغال موسكو بالحرب في أوكرانيا.
وأضاف أن التحركات الأميركية الأخيرة تعكس انتقال مبادرة مسعد بولس من إطار الطرح السياسي إلى التنفيذ العملي وأوضح أن المبادرة ركزت على الطرفين الأكثر تأثيرا في الواقع الليبي وهما القيادة العامة في شرق البلاد وحكومة الوحدة الوطنية في غربها.
وأشار إلى أن المبادرة الأميركية حققت خطوات ملموسة من بينها التقدم في ملف توحيد الميزانية والتحرك نحو توحيد المؤسسة العسكرية إضافة إلى عقد اجتماعات ولقاءات بين الأطراف العسكرية وتنفيذ مناورات مشتركة شاركت فيها وحدات من مختلف المناطق الليبية.
وحول دور “أفريكوم” قال احميد إن تزايد نشاط الجماعات الإرهابية في منطقة الساحل الأفريقي جعل الولايات المتحدة تعتبر استقرار ليبيا جزءا من أمن الإقليم خاصة أن الجنوب الليبي يمثل نقطة ارتكاز حدودية مع ست دول ويكتسب أهمية كبيرة في جهود مكافحة الإرهاب ومنع تمدد الجماعات المتشددة.