تحرير سعر التقييم الجمركي في اليمن.. بين تعزيز الإيرادات الحكومية ومخاوف اتساع الضغوط الاقتصادية

سلطت قراءة اقتصادية حديثة الضوء على قرار الحكومة اليمنية بشأن تحرير سعر التقييم الجمركي، بوصفه خطوة تأتي في سياق تحديات مالية واقتصادية معقدة تواجهها البلاد، وسط تراجع حاد في الإيرادات العامة وتوقف العائدات النفطية، وما ترتب على ذلك من ضغوط متزايدة على قدرة الدولة في تمويل التزاماتها الأساسية، وفي مقدمتها دفع الرواتب وتغطية تكاليف الخدمات العامة والإنفاق التشغيلي.

وبحسب القراءة، يمثل القرار إحدى الأدوات التي تسعى الحكومة من خلالها إلى تعزيز مواردها المالية وتحسين كفاءة التحصيل الجمركي، عبر تقريب سعر التقييم الجمركي من سعر الصرف السائد في السوق، بما يسهم في تقليص الفجوة القائمة بين القيم الرسمية للواردات وقيمتها الفعلية، إضافة إلى الحد من التهرب الجمركي الذي يعد أحد أبرز التحديات التي تواجه الإيرادات العامة.

وأشارت القراءة الصادرة عن مركز المخا للدراسات إلى أن الظروف الاقتصادية الحالية دفعت الحكومة إلى البحث عن بدائل لتعويض التراجع في الموارد العامة، خاصة بعد فقدان جزء مهم من الإيرادات المرتبطة بالنفط، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على قدرة الدولة على الإيفاء بالتزاماتها المالية المتزايدة. وفي هذا الإطار، يُنظر إلى تعديل آليات التقييم الجمركي باعتباره محاولة لتوسيع قاعدة الإيرادات وتوفير مصادر تمويل إضافية تسهم في تغطية الاحتياجات الحكومية الملحة.

وفي المقابل، أثارت الخطوة مخاوف اقتصادية واسعة تتعلق بالتداعيات المحتملة على الأسواق المحلية، لا سيما في ظل اعتماد السوق اليمنية بصورة كبيرة على الاستيراد لتوفير نسبة واسعة من الاحتياجات الأساسية للمواطنين. وترى القراءة أن أي زيادة في سعر التقييم الجمركي قد تقود إلى ارتفاع تكاليف الواردات، وهو ما قد ينعكس بصورة مباشرة على أسعار السلع الأساسية والمواد الغذائية والأدوية ومواد البناء وقطاع النقل وغيرها من الأنشطة المرتبطة بحركة التجارة الخارجية.

كما أوضحت القراءة أن التأثيرات المحتملة للقرار لا تقتصر على أسعار السلع المستوردة فحسب، بل تمتد إلى قطاعات الإنتاج المحلي التي تعتمد بدرجات متفاوتة على المواد الخام والمعدات والوقود وقطع الغيار المستوردة. وقد يؤدي ارتفاع تكاليف هذه المدخلات إلى زيادة تكاليف التشغيل والإنتاج، بما قد ينعكس على مستويات الأسعار، ويؤثر على النشاط الاقتصادي وفرص العمل وقدرة الأسواق على الحفاظ على مستوياتها الحالية.

ووفقاً للقراءة، فإن القرار قد يحقق نتائج إيجابية على المدى القصير من خلال زيادة الإيرادات الحكومية وتخفيف جزء من الضغوط المالية القائمة، إلا أن فعاليته الاقتصادية ستظل مرهونة بقدرة السوق على استيعاب التكاليف الجديدة دون أن يؤدي ذلك إلى موجات تضخم إضافية أو إضعاف النشاط التجاري والإنتاجي.

وأكدت القراءة أن الاعتماد على المعالجات الإيرادية وحدها قد لا يكون كافياً لتحقيق استقرار اقتصادي مستدام، مشيرة إلى أن أي نتائج إيجابية متوقعة قد تبقى محدودة ما لم تترافق مع إصلاحات اقتصادية وهيكلية أوسع تستهدف تحسين إدارة الموارد وتنويع مصادر الإيرادات وتعزيز كفاءة السياسات المالية.

وخلصت القراءة إلى أن تحقيق التوازن بين احتياجات الدولة المالية ومتطلبات الاستقرار الاقتصادي يتطلب اتخاذ حزمة من الإجراءات المصاحبة، تشمل التطبيق التدريجي للقرار، وتوفير تدابير لحماية السلع الأساسية، إلى جانب العمل على تحسين إدارة الموارد العامة وتعزيز الإيرادات المستدامة بما يخفف من الضغوط الواقعة على الأسواق والمواطنين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enable Notifications OK No thanks