تحقيق استقصائي يكشف عن تهريب منظم وصفقات غامضة في ميناء المخا

كشف تحقيق استقصائي أعدته “منصة الهدهد” عن اختلالات خطيرة في إدارة ميناء المخا، أحد أهم الموانئ اليمنية على البحر الأحمر، كاشفًا عن تداخل معقّد بين مشاريع استثمارية مثيرة للجدل وواقع ميداني تحكمه شبكات تهريب منظّمة، في ظل غياب فعلي لسيادة الدولة والرقابة المؤسسية على مرفق سيادي بالغ الحساسية.

وأظهر التحقيق أن مذكرة التفاهم الخاصة بتطوير وتشغيل ميناء المخا، الموقعة في ديسمبر الماضي بين مؤسسة موانئ البحر الأحمر اليمنية وشركة “بريما الاستثمارية المحدودة”، جاءت في وقت تشهد فيه إدارة الميناء اتهامات رسمية بالضلوع في تهريب المشتقات النفطية والمواشي والسلع المختلفة.

وبحسب الوثائق التي حصلت عليها “منصة الهدهد”، تبلغ كلفة المشروع أكثر من 138 مليون دولار، ويهدف إلى رفع الطاقة التشغيلية للميناء إلى نحو 195 سفينة سنويًا ومناولة تتجاوز 2.2 مليون طن، غير أن الاتفاقية أُبرمت دون طرح مناقصة عامة، وأسندت إلى شركة حديثة التأسيس تفتقر إلى سجل مشاريع معروف أو معلومات شفافة حول قدراتها المالية وآلية تمويل المشروع، مع الإشارة إلى “شركاء دوليين” لم يتم الإفصاح عن هوياتهم.

وبيّن التحقيق، استنادًا إلى وثائق رسمية صادرة عن مصلحة الجمارك اليمنية، أن ميناء المخا الذي يقع تحت إشراف وإدارة “طارق صالح”، فقد تحوّل خلال السنوات الأخيرة إلى منفذ نشط للتهريب المنظم، حيث بلغت الإيرادات الجمركية المحصلة بين عامي 2022 ومنتصف 2025 أكثر من 14.6 مليار ريال يمني، مسجلة قفزة كبيرة في عام 2023 بعد إدخال المشتقات النفطية ضمن التحصيل الجمركي. إلا أن التقارير نفسها تؤكد أن هذه الإيرادات لا تعكس الحجم الحقيقي للنشاط التجاري، بسبب تفريغ شحنات الوقود دون إشراف جمركي، وإخراج شحنات مواشٍ ليلاً دون ترسيم أو فحص بيطري، ما كبّد خزينة الدولة خسائر كبيرة.

ووثّق التحقيق وقائع تهريب متعددة بالأسماء والتواريخ، شملت خروج شحنات بمئات الرؤوس من الأبقار والأغنام عبر ميناء المخا دون استيفاء الإجراءات القانونية، وصنّفت هذه الوقائع رسميًا كجرائم تهريب وفق قانون الجمارك اليمني، مع تحميل إدارة الميناء المسؤولية المباشرة عنها. كما أشار إلى وجود معوقات بنيوية تعيق عمل الجمارك، من بينها غياب الحرم الجمركي، وسيطرة جهات أمنية على مبنى الجمرك، وصعوبة حركة الموظفين، واستخدام الميناء كمحطة عبور “ترانزيت” بلا سيادة، وهو ما جعل الميناء بيئة خصبة لاقتصاد ظل يعمل خارج إطار الدولة.

وقد طالب رئيس مصلحة الجمارك، عبدالحكيم ردمان القباطي، رئيس الوزراء، في مذكرة حصلت عليها “منصة الهدهد” بالتوجيه العاجل لمحافظ تعز والجهات ذات العلاقة من أجل اتخاذ الإجراءات اللازمة للحد من ظواهر التهريب وتمكين موظفي جمرك ميناء المخاء من ممارسة مهامهم القانونية، إضافة إلى تفعيل الرقابة الجمركية لضمان الحفاظ على الإيرادات والسيادة الاقتصادية، وتكشف تفاصيل هذه الوثيقة أن ميناء المخاء لا يزال يمثل نقطة ضعف اقتصادية كبيرة، نتيجة التهريب المنظم الذي يشمل المشتقات النفطية والمواشي والسلع الأخرى. واستمرار هذه الظاهرة يشير إلى وجود شبكات محلية مترابطة تحت سلطة العميد طارق صالح، التي تتحكم في حركة البضائع بما يخدم مصالحها الخاصة على حساب الدولة.

ولفت التحقيق إلى مفارقة لافتة تتمثل في أن الإدارة ذاتها التي ورد اسمها في مذكرات رسمية مرفوعة إلى رئيس الحكومة والنيابة العامة بشأن تهريب منظم ومتكرر، هي نفسها التي شاركت في تقييم إيجابي لشركة الاستثمار، وأكدت جاهزية الميناء للتطوير والتشغيل وفق معايير “متميزة”، ما يطرح تساؤلات جدية حول جدوى أي مشروع تطوير في ظل غياب المساءلة والرقابة.

وخلص التحقيق إلى أن أزمة ميناء المخا لا تتعلق بمشروع استثماري معزول، بل تعكس خللًا أعمق في منظومة الحوكمة والسيادة الاقتصادية، حيث يتقدم خطاب الاستثمار على معالجة الاختلالات القانونية والأمنية، في وقت لا تزال فيه أسئلة من يدير الميناء فعليًا، ومن يستفيد من استمرار التهريب، دون إجابات واضحة حتى الآن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enable Notifications OK No thanks