روكب اليوم
2026-06-14 04:09:00

وصنف مؤشر الهشاشة الانتخابية الصادر عن مؤسسة كوفي عنان ليبيا ضمن 15 دولة تعد الانتخابات فيها الأكثر عرضة للعنف والأكثر خطورة خلال الفترة 2026-2027، حيث جاءت في المرتبة الثانية عشرة.
بيئة انتخابية هشة
يلفت الباحث الأكاديمي في الشؤون الاستراتيجية والسياسية محمد أمطيريد في حديثه لموقع “سكاي نيوز عربية”، إلى أن التجربة الليبية أثبتت أن “الأزمة لا تبدأ عادة يوم التصويت، بل بعد إعلان النتائج حيث تدخل الحسابات السياسية وتضارب المصالح وصراع مراكز النفوذ على الخط ولذا فإن نجاح الانتخابات يتطلب اتفاقًا مسبقًا على قواعد اللعبة السياسية، وآليات تسليم وتسلم، وقبول إرادة الناخبين”.
ويشير إلى أحداث العنف التي أعقبت إعلان نتائج انتخابات البرلمان عام 2014، حين خسرت جماعات إسلامية الانتخابات، لتندلع مواجهات مسلحة امتدت إلى مدن عدة ومطار طرابلس وأسفرت عن انقسام البلاد بين حكومتين في الشرق والغرب، فيما تعثرت منذ ذلك الحين كل محاولات تنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية جديدة.
ورغم ذلك، يؤكد أمطيريد أن فرص نجاح الانتخابات لا تزال قائمة “في حال توفر إرادة حقيقية تضع شرعية الدولة فوق أي قوة مسلحة” إلى جانب وقف خطاب التحريض والتضليل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، خصوصًا مع تنامي رغبة الليبيين في الاستقرار وتحسين أوضاعهم المعيشية.
تحصين تشريعي ودستوري
من جانبه، يتفاءل الخبير القانوني الليبي عبد الله الديباني بإمكانية إجراء انتخابات ناجحة، معتبرًا أن الأزمة السياسية والأمنية تتركز في نطاقات جغرافية محددة يمكن التعامل معها “بروح النظام والقانون”.
ويدعو في حديثه لموقع “سكاي نيوز عربية” إلى “التحصين التشريعي والدستوري بإصدار قوانين انتخابات واضحة ومحصنة من الطعون التفسيرية وتفعيل ميثاق شرف وطني عقابي موقع عليه من الأطراف السياسية برعاية دولية وإقليمية، يتضمن فرض عقوبات رادعة على أي طرف يرفض نتائج صناديق الانتخابات أو يلجأ للعنف لتعطيل المسار الديمقراطي”.
ويشدد الديباني على أهمية “تفعيل الرقابة القضائية والمحلية بتعزيز دور القضاء الليبي المشهود له بالنزاهة للإشراف الكامل، وفتح المجال للشكاوى والطعون بشكل سلس وآمن”، مؤكداً أن الوعي الشعبي يتزايد بأن صندوق الاقتراع يمثل السبيل الوحيد لإنهاء المراحل الانتقالية وتجديد شرعية المؤسسات وبناء دولة مستقرة.
منع أسباب التعطيل
وفي السياق ذاته، يرى الكاتب والباحث السياسي الليبي إدريس أحميد أن نجاح أي انتخابات مقبلة “مرهون بتوافق سياسي شامل، وإطار دستوري واضح، وضمانات حقيقية لاحترام النتائج”.
ويؤكد أن الوصول إلى حل واقعي يتطلب السير في أحد مسارين: “التقدم نحو نزع سلاح التشكيلات المسلحة وإعادة دمجها في مؤسسات الدولة، أو التزامها الصريح بنتائج الانتخابات وضبطها ضمن إطار شرعية الدولة”، محذرًا من أن استمرار وضعها الحالي يجعلها طرفًا معطلاً للعملية السياسية.
ولمنع أسباب التعطيل الأخرى، يدعو أحميد إلى إنهاء الخلاف بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة للتوصل إلى قاعدة توافقية واضحة تجرى على أساسها الانتخابات، مع تفعيل مخرجات “الحوار المهيكل” عبر خطوات عملية ملزمة بدل بقائها مجرد توصيات.
وكان “الحوار المهيكل”، الذي تأسس تحت إشراف بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، قد ضم ممثلين عن مختلف التيارات السياسية والبلديات والأحزاب والجامعات، وناقش منذ ديسمبر 2025 حلول الصراع وبناء رؤية مشتركة للمستقبل، ووضع إطار لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية وتوحيد المؤسسات عبر حكومة موحدة جديدة.
وركزت المناقشات على 4 ملفات رئيسية هي: الحكومة، والاقتصاد، والأمن، والمصالحة الوطنية وحقوق الإنسان.
وفي 7 يونيو الجاري، اختتم الحوار أعماله بإصدار وثيقة دعت إلى تشكيل لجنة مشتركة بين مجلسي النواب والأعلى للدولة، واستكمال التعديلات الدستورية والقوانين اللازمة لإجراء الانتخابات.
كما نصت الوثيقة على اللجوء إلى لجنة حوار سياسي موسعة تضم ممثلين عن الأحزاب والبلديات والأكاديميين والمرأة والشباب والمكونات الثقافية والاجتماعية إذا تعثر توافق المجلسين، بهدف منع احتكار القرار ومحاولات التعطيل، على أن يتم اللجوء إلى الاستفتاء إذا تعذر التوافق مجددًا.
وتضمنت الوثيقة كذلك مقترحات لتشكيل مجلس رئاسي وحكومة جديدين في إطار توحيد المؤسسات، إلى جانب فرض عقوبات متصاعدة على معرقلي العملية السياسية تبدأ بالتنبيه الرسمي وتصل إلى الإحالة للقضاء أو الجهات الدولية المختصة.
صراع الإرادات
ويصف المحلل السياسي الليبي عمر بو إسعيدة الأزمة بأنها “صراع إرادات” مؤكدًا وجود “فرصة حقيقية” لإجراء الانتخابات في ظل الإرادة الشعبية، لكنه يحذر من أن المعرقلين في الداخل والخارج يراهنون على استنزاف هذه الإرادة ولذا لابد من وجود ضغط دولي صريح ومنسق لدفع الأطراف نحو التوافق قبل أن تستنزف الأزمة الاقتصادية ما تبقى من احتياطي الثقة الشعبية”.
ويضيف في حديثه لموقع “سكاي نيوز عربية” أن ليبيا “تقف اليوم عند منعطف تاريخي لأن الإرادة الشعبية واضحة لا لبس فيها، والاقتراع البلدي في أغسطس الماضي حقق نسبة مشاركة بلغت 71 بالمئة، وهي الأعلى منذ عام 2014، وهذه رسالة لا يمكن لأي طرف أن يتجاهلها”.
ويختصر بو إسعيدة أبرز العراقيل التي قد تواجه الانتخابات في “الأزمة القانونية والتشريعية، والحالة الأمنية في بعض المناطق، والتحديات الهيكلية مثل الانقسام السياسي، والتدخل الخارجي، والضغوط الاقتصادية”.
ومع ذلك، يرى أن ثمة مؤشرات على تبلور إرادة داخلية وخارجية لدفع البلاد نحو الاستقرار، بما قد يفتح نافذة جديدة أمام الليبيين لإنجاز الاستحقاق الانتخابي المؤجل.
وبين تصنيف دولي يحذر من هشاشة البيئة الانتخابية، ومخرجات حوار تسعى لتفكيك أسباب التعطيل، تبدو ليبيا أمام اختبار جديد: إما ترجمة التوافقات إلى خطوات تنفيذية تفضي إلى صناديق الاقتراع، أو البقاء رهينة الحلقة ذاتها من التأجيل والانقسام التي طبعت سنوات ما بعد 2014.