روكب اليوم
Published On 18/9/2026
لم تعد الخرائط مجرد أدوات لتحديد المواقع والحدود، فالصورة التي تقدمها عن العالم قد تحمل في طياتها تصورات عن الحجم والقوة والمركز. وفي خطوة لافتة، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا الشهر خريطة الإسقاط الجغرافي الجديدة التي تُعرف باسم “الأرض المتساوية” (Equal Earth).
وبحسب تقرير نشرته صحيفة غارديان البريطانية، صمم الخريطة 3 رسامي خرائط، هم خبير الخرائط الأمريكي توم باترسون، ومهندس البرمجيات بويان شافريتش، وأستاذ الجغرافيا بيرنهارد جيني عام 2018، بهدف تمثيل المساحات النسبية للقارات بصورة أكثر دقة، ولا سيما أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.
قصص مقترحة
list of 2 itemsend of listوجاء اعتمادها أمميا بعد تصويت طرحته دولة توغو، حظي بتأييد 164 دولة، مقابل رفض الولايات المتحدة وحدها، وامتناع 6 دول عن التصويت.
وتهدف الخريطة الجديدة إلى تقديم بديل دقيق لخريطة “مركاتور” (Mercator) الصادرة في القرن الـ16، التي طالما واجهت انتقادات حادة لتضخيمها أحجام الدول في النصف الشمالي مثل أمريكا الشمالية وأوروبا، على حساب القارات الأخرى وتحديدا أفريقيا.
ورغم أن خريطة مركاتور تتميز -وفق الغارديان- بدقة مفيدة للملاحة، إذ تجعل خطوط الاتجاهات ثابتة، لكنها تضخم أحجام المناطق القريبة من القطبين، مما يجعل مناطق مثل أمريكا الشمالية وأوروبا تبدو أكبر نسبيا مما هي عليه على سطح الكرة الأرضية. أما “الأرض المتساوية” فتحاول الحفاظ بصورة أفضل على العلاقات الحقيقية بين مساحات القارات، وإن كانت تقدم تنازلات أخرى، خصوصا عند أطراف الخريطة.
الجغرافي بيرنهارد جيني: الناس يعتقدون عموما أن الخرائط تمثّل الأرض تمثيلا دقيقا، لكن هذا المنطق ينهار لأننا نعيش على سطح منحنٍ، وهو ما يثير إشكالية
ومع ذلك، أثارت بعض تفاصيل النسخ السياسية الملوّنة من الخريطة الجديدة اعتراضات دبلوماسية. فقد طلبت اليابان تعديلا يتعلق بجزر الكوريل المتنازع عليها مع روسيا، بينما امتنعت أوكرانيا عن التصويت بسبب اختلاف ألوان شبه جزيرة القرم عن بقية أراضيها.
وأوضح خبير الخرائط باترسون أن هذه الإشكالات نتجت عن نسخ نشرها على موقعه تتضمن حدودا وألوانا سياسية، وليست جزءا من الإسقاط الرياضي الذي أقرته الأمم المتحدة.
ويؤكد بيرنهارد جيني أستاذ الجغرافيا بجامعة موناش في ملبورن بأستراليا، أن المشكلة الأساسية تكمن في طبيعة الأرض نفسها، قائلا إن “الناس يعتقدون عموما أن الخرائط تمثّل الأرض تمثيلا دقيقا، لكن هذا المنطق ينهار لأننا نعيش على سطح منحنٍ، وهو ما يثير إشكالية، إذ لا يمكن تحويل الكرة الأرضية بسهولة إلى مستطيل مسطّح”.
ويشبِّه عملية تحويل سطح الأرض الكروي إلى خريطة مسطحة بـ”قشرة البرتقال”، وهو ما يستلزم دائما تنازلات في الشكل أو المساحة أو المسافة أو الاتجاه.
أما شافريتش، فيرى أن أهمية الخريطة تتجاوز اعتمادها الرسمي، لأنها تتيح تعزيز الوعي بقراءة الخرائط، مؤكدا أنه “لا يوجد إسقاط خرائطي واحد قادر على تقديم تمثيل صحيح تماما للعالم”، وأن كل خريطة تنطوي على مفاضلات.
ووفقا للغارديان، فإن إحدى خرائط العالم، المعروفة باسم إسقاط “غود المتجانس المتقطع” (Goode homolosine projection)، تبدو بشكل لافت وكأنها قشرة برتقالة ممزقة.
وتتمثل أبرز مشكلاتها في أنها ليست جذابة كثيرا للعين البشرية، كما أنها ليست سهلة الاستخدام في الملاحة، وهو المجال الذي يتفوق فيه إسقاط مركاتور، رغم عيوبه، لأن الشمال يكون دائما في الأعلى.
وبالنسبة إلى جيني، فإن رسم الخرائط يجمع بين الجماليات والعلم، قائلا: “نحن رسامي الخرائط نقول إن رسم الخرائط هو فن وعلم صناعة الخرائط. ولذلك فهو نمط من الجمع بين الاثنين”.
ولا تُعد خريطة الأرض المتساوية-طبقا لتقرير الصحيفة- المحاولة الأولى لمعالجة أوجه القصور في إسقاط مركاتور. فقد طُوّرت خلال القرن الماضي إسقاطات أخرى، من بينها إسقاط “غال-بيترز” (Gall-Peters)، الذي يُظهر الأحجام النسبية الحقيقية لكتل اليابسة، لكنه غالبا ما يجعل القارات تبدو ممدودة بصورة غريبة، كما لو كانت تتدلى إلى الأسفل.