ثلاث حاملات ومارينز وأم القنابل.. ما الذي يحشده ترمب ضد إيران هذه المرة؟ |


روكب اليوم

في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2026، قبل يوم واحد من عودة حاملة الطائرات “أبراهام لنكولن” إلى سان دييغو، زارها وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث، وقال لبحارتها إنه يدرك أنه “الشيء الوحيد الذي يفصل بينكم وبين دياركم”. كانت الحاملة قد أمضت أكثر من 260 يومًا متواصلة في البحر دون التوقف في أي ميناء، ضمن انتشار استمر 321 يومًا شاركت خلاله في الحرب على إيران.

وفيما كان هؤلاء البحارة يستعدون للعودة، كانت واشنطن تدفع بآلاف آخرين نحو الشرق الأوسط، في تحرك قد يتيح جمع ثلاث حاملات طائرات في المنطقة، إذا تزامن وصول القوات الجديدة مع بقاء الموجودة هناك. وبين حاملة تعود وأخرى تستعد للالتحاق بالمواجهة، ومع تعثر التسوية واستمرار التوتر حول مضيق هرمز، يفتح الحشد الجديد الباب لأسئلة تتجاوز عدد الجنود والقطع البحرية، فما الخيارات التي تمنحها هذه القوات لصانع القرار الأمريكي؟ وهل تستهدف دفع طهران إلى اتفاق، أم تهيئة الميدان لجولة أوسع من القتال؟

قصص مقترحة

list of 2 itemsend of list

ما حجم الحشد العسكري الأمريكي الجديد وأين تنتشر القوات؟

على مستوى القوة البشرية، تتجه الولايات المتحدة إلى تعزيز وجودها العسكري في الشرق الأوسط بما يتراوح بين تسعة آلاف وعشرة آلاف عسكري إضافي بحلول نهاية نوفمبر/تشرين الثاني، وفق ما نقلته صحيفة “وول ستريت جورنال” عن مسؤولين أمريكيين مطلع أكتوبر/تشرين الأول 2026، معظمهم من القوات البحرية ومشاة البحرية (أكثر من سبعة آلاف بحّار ونحو ألفي جندي من المارينز، بحسب مسؤول أمريكي تحدث إلى وكالة “أسوشيتد برس”). وينضم هؤلاء إلى نحو 50 ألف جندي أمريكي تقدّر تقارير إعلامية أنهم منتشرون بالفعل في المنطقة، ويعني ذلك أن إجمالي القوات الأمريكية في المنطقة قد يقترب من 60 ألف عسكري، إذا وصلت جميع الوحدات المعلنة وبقيت القوات الموجودة حاليًا في مواقعها.

وتُشكّل حاملات الطائرات العمود الفقري لهذا الحشد، إذ تتمركز مجموعتان قتاليتان أمريكيتان في بحر العرب، تقودهما حاملتا الطائرات “يو إس إس جورج واشنطن” و”يو إس إس جورج إتش دبليو بوش”، وفق تقرير تتبع الأسطول الصادر عن المعهد البحري الأمريكي في 26 أكتوبر/تشرين الأول 2026. وكانت “بوش” قد غادرت المنطقة مطلع الشهر نفسه في زيارة استمرت خمسة أيام لميناء بوكيت التايلندي، هي الأولى لها بعد 187 يومًا في البحر، قبل أن تعود إلى بحر العرب. وترافق الحاملتين مدمرات مزودة بصواريخ موجهة، توفر قدرات للدفاع الجوي والصاروخي، وللهجوم على الأهداف البرية والبحرية.

تعمل الحاملة “جورج واشنطن” ضمن المجموعة القتالية الخامسة، وتضم مقاتلات “إف-35 سي” الشبحية، و”إف/إيه-18 سوبر هورنت”، وطائرات الحرب الإلكترونية “إي إيه-18 جي غرولر”، إلى جانب طائرات “إي-2 دي هوك آي” المتخصصة في الإنذار المبكر والقيادة والسيطرة. أما حاملة الطائرات “جورج بوش”، التي تقود المجموعة القتالية العاشرة، فتحمل الجناح الجوي السابع، الذي يضم أربعة أسراب من مقاتلات “سوبر هورنت”، إلى جانب سرب من طائرات “غرولر” وآخر من طائرات “إي-2 سي هوك آي”. وترافق الحاملة مدمرات مزودة بصواريخ موجهة، من بينها “دونالد كوك” و”روس”، بما يمنح مجموعتها القتالية قدرات هجومية ودفاعية متكاملة.

وتعمل واشنطن أيضًا على تعزيز هذا الانتشار بمجموعة قتالية ثالثة تقودها حاملة الطائرات “يو إس إس ثيودور روزفلت”، التي غادرت قاعدتها في سان دييغو يوم 27 سبتمبر/أيلول الماضي في طريقها إلى الشرق الأوسط، ضمن تعزيزات يُتوقع أن تصل بحلول نهاية نوفمبر/تشرين الثاني. غير أن الحاملة كانت، حتى 27 أكتوبر/تشرين الأول، لا تزال في بحر الفلبين تشارك في مناورات “كين سورد” مع اليابان، بعد توقف في قاعدة يوكوسوكا، ما يعني أن اجتماع الحاملات الثلاث في المنطقة لم يتحقق بعد.

ويمتد الحشد الأمريكي إلى القوات البرمائية، إذ تنتشر في بحر العرب مجموعة تقودها السفينة الهجومية “يو إس إس بوكسر”، تضم السفينتين “كومستوك” و”بورتلاند”، وتحمل على متنها الوحدة الاستكشافية الحادية عشرة لمشاة البحرية، في حين تتجه إلى المنطقة مجموعة برمائية ثانية تقودها “يو إس إس ماكين آيلاند”، برفقة السفينتين “أنكوراج” و”جون بي مورثا”، وتحمل الوحدة الاستكشافية الثالثة عشرة، التي تضم نحو ألفي عنصر من المارينز. وكانت هذه المجموعة قد رست في قاعدة يوكوسوكا اليابانية يوم 26 أكتوبر/تشرين الأول في طريقها إلى المنطقة.

وعلى صعيد الدفاعات الجوية والقوات البرية، كشف موقع “أكسيوس” عن نشر بطاريتين إضافيتين من منظومة “باتريوت” لحماية منشآت نفطية وغازية في الخليج، إحداهما في السعودية والأخرى في قطر. وكانت وزارة الدفاع الأمريكية قد مددت في أواخر أغسطس/آب انتشار عناصر من الفرقة 82 المحمولة جوًا، المتخصصة في التدخل السريع، ومعها وحدات للدفاع الجوي، إلى عام كامل.

ويتجاوز الحشد الأمريكي زيادة الأعداد إلى رفع الجاهزية القتالية للقوات. فقد رصدت صحيفة “وول ستريت جورنال”، خلال زيارة لحاملة الطائرات “جورج واشنطن”، عمليات إعادة التزود بالذخائر، شملت صواريخ بعيدة المدى لضرب أهداف برية وقنابل خارقة للتحصينات، وهي ذخائر تُعدّ لعمليات قتالية تتجاوز حماية الملاحة وفرض الحصار البحري.

مقاتلتان من طراز “إف-22 رابتور” الشبحية التابعتان لسلاح الجو الأمريكي (رويترز)

ما الذي يختلف حاليًا عن الحشد الأمريكي الذي سبق ضربات فبراير/شباط 2026؟

لا يُعد الحشد العسكري الأمريكي الحالي الأول من نوعه خلال العام الجاري. فقد سبقت العملية العسكرية التي شنتها واشنطن وتل أبيب ضد إيران في 28 فبراير/شباط 2026، والمعروفة أمريكيًا باسم “الغضب الملحمي”، تعبئة واسعة للقوات الجوية والبحرية. غير أن المقارنة بين الحشدين تكشف اختلافًا في تكوين القوات وأولويات انتشارها، خصوصًا مع تعزيز الحضور البحري والبرمائي في التحركات الجديدة.

ففي فبراير/شباط 2026، حشدت واشنطن حاملتي الطائرات “أبراهام لنكولن” و”جيرالد فورد”، إلى جانب 16 سفينة حربية سطحية، وفق ما وثقه مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية. غير أن هذا الحشد تميّز حينها بكثافة التعزيزات الجوية المتمركزة في القواعد البرية، إذ رصدت وسائل إعلامية انتقال أكثر من 150 طائرة عسكرية إلى قواعد في أوروبا والشرق الأوسط خلال الأيام التي سبقت الهجوم، وشملت مقاتلات متقدمة وطائرات للتزود بالوقود والنقل والاستطلاع والإنذار المبكر.

وبرز في تلك الأثناء وصول مقاتلات “إف-22 رابتور” الشبحية إلى قاعدة جوية إسرائيلية، إلى جانب تحريك مقاتلات “إف-35 لايتنينغ” و”إف-15 إي سترايك إيغل” عبر قواعد أوروبية، ما عكس استعدادًا لحملة جوية تسعى إلى تحقيق التفوق الجوي واختراق الدفاعات الإيرانية بالمقاتلات الشبحية، مع التشويش على الرادارات وشبكات القيادة والسيطرة بوسائل الحرب الإلكترونية، وشنّ ضربات دقيقة ضد أهداف عسكرية متعددة. وقد استخدمت واشنطن هذه القدرات بالفعل خلال العملية.

أما الحشد الجديد، فيتميز بتعزيز الثقل البحري، إذ تضم المنطقة حاملتي طائرات في بحر العرب وثالثة في الطريق، إلى جانب نحو 20 سفينة حربية وفق تقديرات مطلع أكتوبر/تشرين الأول. ويبرز كذلك حضور القوات البرمائية ومشاة البحرية. ففي حين أشارت التحليلات الصادرة قبل ضربات فبراير/شباط إلى افتقار الحشد آنذاك إلى تشكيلات برمائية تسمح بتنفيذ غارات وعمليات برية محدودة، تنتشر حاليًا مجموعة “بوكسر” البرمائية، فيما تتجه مجموعة ثانية تقودها “ماكين آيلاند” إلى المنطقة.

ولا يعني ذلك تراجع أهمية القوة الجوية في الانتشار الحالي، فحاملتا “جورج واشنطن” و”جورج بوش” تحملان مقاتلات متعددة المهام وطائرات حرب إلكترونية وإنذار مبكر، كما أرسلت واشنطن تعزيزات من مقاتلات “إف-35″ و”إف-16” إلى المنطقة خلال الأشهر الماضية.

ويكمن الاختلاف الأبرز إذن في اتساع المكون البحري والبرمائي في الانتشار الجديد، أكثر منه في عدد القطع والطائرات، وهو ما قد يمنح واشنطن خيارات إضافية إلى جانب قدرات القصف الجوي والصاروخي، التي شكلت محور عمليات فبراير/شباط.

مقاتلة أمريكية من طراز “إف-15 إي سترايك إيغل” تنطلق في مهمة ضمن عملية “الغضب الملحمي” في مارس/آذار 2026 (رويترز)

ما الخيارات العسكرية التي يمنحها الحشد الجديد لواشنطن؟

يمنح الحشد العسكري الحالي واشنطن خيارات متعددة في مواجهة إيران، تشمل استئناف الضربات الجوية والصاروخية، وتشديد الحصار البحري، مع إمكانية تنفيذ عمليات برمائية أو برية محدودة، فضلًا عن تعزيز القدرات الدفاعية للتصدي لأي رد إيراني محتمل.

ويستهدف الخيار الأول، المتمثل في استئناف حملة القصف الجوي والصاروخي واسعة النطاق، ما تبقى من منشآت إنتاج الصواريخ والمسيّرات ومراكز القيادة والسيطرة والدفاعات الجوية الإيرانية. وتتيح مجموعات حاملات الطائرات تكثيف الطلعات الجوية واستدامتها، إذ تستطيع مقاتلات “إف-35 سي” الشبحية اختراق الأجواء المحمية بالدفاعات الجوية، وجمع معلومات الاستهداف وتبادلها مع بقية التشكيلات، فيما توفر مقاتلات “سوبر هورنت” قدرة على تنفيذ ضربات بذخائر متنوعة. وتؤدي طائرات “غرولر” دورًا مكملًا عبر التشويش على الرادارات والاتصالات وإسناد عمليات قمع الدفاعات الجوية، بينما تتولى “هوك آي” تنسيق العمليات. كما توفر المدمرات الصاروخية بدورها قدرة على تنفيذ ضربات بعيدة المدى بصواريخ “توماهوك” المجنحة، دون الحاجة إلى دخول الطائرات المجال الجوي الإيراني.

وقد ظهرت مؤشرات ملموسة على الاستعداد لهذا الخيار، إذ وثّقت تقارير إعادة تزويد حاملة الطائرات “جورج واشنطن” بذخائر، شملت صواريخ للهجوم البري من مسافات بعيدة وقنابل خارقة للتحصينات من طراز “جي بي يو-31 (في 4)”، المصممة لضرب الأهداف الصلبة والمحصنة، مثل مراكز القيادة ومخازن الأسلحة. وتزن هذه القنبلة نحو طن، وتضم رأسًا حربيًا فولاذيًا مصممًا لاختراق التحصينات الخرسانية قبل الانفجار، مع نظام توجيه دقيق يعتمد على الأقمار الصناعية والملاحة بالقصور الذاتي.

وكشفت شبكة “سي إن إن” في منتصف أكتوبر/تشرين الأول، نقلًا عن مصادر مطلعة، أن البنتاغون أعدّ خططًا لضرب منشآت الطاقة ومواقع مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني بذخائر شديدة التدمير، من بينها القنبلة “جي بي يو-43/بي” المعروفة باسم “أم القنابل”، وتشمل الأهداف المحتملة منشأة “جبل الفأس” (بيكاكس) المحصنة.

تزن “أم القنابل” نحو 9.8 أطنان، وتُوجَّه بنظام تحديد المواقع العالمي (GPS)، وتتميز بقدرتها على إحداث موجة انفجارية قادرة على تدمير مساحة تعادل نحو تسعة مربعات سكنية. غير أن قوتها التدميرية تتركز على السطح، ما يثير شكوكًا بشأن قدرتها على اختراق التحصينات العميقة، خصوصًا موقع “جبل الفأس”، الذي يُشتبه في احتوائه على منشآت نووية محمية بطبقات من الجرانيت. وهي بذلك تختلف عن القنبلة الخارقة للتحصينات “جي بي يو-57” التي تزن نحو 13.6 طنًا، والمصممة لاختراق المنشآت المدفونة على أعماق كبيرة، والتي سبق أن استخدمتها قاذفات “بي-2” الأمريكية في ضرب المنشآت النووية الإيرانية في يونيو/حزيران 2025. ويعزز هذا التباين تقديرات بعض المحللين بأن إبراز “أم القنابل” في المشهد العسكري قد يستهدف تحقيق أثر نفسي وردعي، أكثر من كونه خيارًا عمليًا لتدمير المنشآت النووية المحصنة.

أما الخيار الثاني، فيتمثّل في تنفيذ عمليات إنزال بحري أو عمليات برية محدودة، باستخدام وحدات مشاة البحرية والقوات المحمولة جوًا، للسيطرة على جُزر إستراتيجية أو تنفيذ غارات ضد مواقع عسكرية إيرانية. وقد سبق أن كشف موقع “أكسيوس” في مارس/آذار 2026، نقلًا عن مسؤولين ومصادر مطلعة، عن خطط شملت غزو جزيرة خارك أو فرض حصار عليها، باعتبارها مركز تصدير النفط الرئيسي لإيران، الذي يمر عبره نحو 90% من صادراتها النفطية، إلى جانب السيطرة على جزيرة لارك التي تستخدمها طهران لتعزيز سيطرتها على مضيق هرمز، وتضم تحصينات عسكرية وزوارق هجومية ورادارات لمراقبة حركة السفن في المضيق.

وذكرت صحيفة “وول ستريت جورنال” في يوليو/تموز أن ترمب يدرس الاستيلاء على جُزر إيرانية. أما الخطط التي عرضها البنتاغون على ترمب في أكتوبر/تشرين الأول، وفق “نيويورك تايمز” و”سي إن إن”، فتركز على منشآت الطاقة ومخزونات الصواريخ والمسيّرات ومقار الحرس الثوري والمواقع النووية، دون اتخاذ قرار نهائي بشأن تنفيذها. وقد استبعد ترمب نفسه، في مقابلة مع شبكة “نيوزماكس” بُثت في 15 أكتوبر/تشرين الأول، أن تشمل أي عملية مقبلة قوات برية أمريكية، كما استبعد استخدام السلاح النووي. وعمليات الإنزال كهذه ستنطوي على مخاطر كبيرة، أبرزها تعرّض القوات الأمريكية لهجمات صاروخية وبالمسيّرات، إلى جانب صعوبة الاحتفاظ بالمواقع المستولى عليها وتأمين إمداداتها.

ويتحرك هذا الحشد على جدول زمني سياسي واضح. فقد كتب ترمب في 8 أكتوبر/تشرين الأول أن الولايات المتحدة لن تهاجم إيران قبل انتخابات التجديد النصفي في 3 نوفمبر/تشرين الثاني، فيما نقلت وكالة “أسوشيتد برس” في 28 أكتوبر/تشرين الأول عن مسؤولين أمريكيين أن واشنطن أبلغت حلفاءها الخليجيين بالاستعداد لحملة قصيرة ومكثفة بعد الانتخابات، ولردّ إيراني محتمل على منشآت الطاقة. وعلى خط التفاوض، سلّم وسطاء قطريون طهران مسودة جديدة في 25 أكتوبر/تشرين الأول تقوم على خطوات متبادلة خلال سبعة أيام، وصفها مسؤول إيراني كبير بعد ثلاثة أيام بأنها “أفكار غير مقبولة وليست عرضًا”، في حين قال وزير الخارجية عباس عراقجي إن طهران “ما زالت تمنح الدبلوماسية فرصة”.

ما الذي تمتلكه إيران في المقابل؟

رغم الضربات الأمريكية الإسرائيلية المكثفة التي استهدفت المنشآت العسكرية الإيرانية خلال الحرب التي بدأت في 28 فبراير/شباط 2026، فإن طهران لا تزال تحتفظ بقدرات صاروخية وبحرية تمكنها من تهديد القوات الأمريكية والمصالح الحيوية في المنطقة، وإن تراجعت قدرتها العسكرية مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب.

فبحسب تقرير مُحدّث لدائرة أبحاث الكونغرس الأمريكي، قدّرت الاستخبارات العسكرية الأمريكية في أبريل/نيسان أن إيران تمتلك آلاف الصواريخ والمسيّرات القادرة على تهديد القوات الأمريكية وحلفائها رغم الخسائر التي تكبدتها. كما نقلت “وول ستريت جورنال” في سبتمبر/أيلول 2026 عن مسؤولين أمريكيين أن طهران استأنفت تجميع الصواريخ الباليستية داخل منشآت تحت الأرض، مستخدمة مكونات مخزنة مسبقًا، وأنها تبني مصانع جديدة تحت الأرض، فيما أشار تقرير دائرة أبحاث الكونغرس إلى أنها ربما أعادت فتح الطرق إلى قواعد صاروخية سبق استهدافها. وفي أحدث التقديرات، نقلت “بلومبيرغ” عن مسؤولين غربيين نجاح طهران في الحفاظ على أجزاء من قدراتها التصنيعية بما يسمح لها بتعويض بعض خسائرها من الصواريخ والمسيّرات، وقال أحد هؤلاء المسؤولين إن موسكو تزوّد طهران بصواريخ، وهو ما لم تردّ عليه وزارة الدفاع الروسية، وإن ظلت التقديرات متباينة بشأن حجم الترسانة المتبقية ومعدلات إنتاجها.

وتتمثل أبرز أدوات الردّ الإيراني في الصواريخ الباليستية والمجنحة والمسيّرات الهجومية، التي يمكن استخدامها لاستهداف القواعد الأمريكية والمنشآت النفطية والغازية في الخليج، أو شنّ هجمات متزامنة لإرباك منظومات الدفاع الجوي واستنزاف صواريخها الاعتراضية. وقد كشفت المواجهات السابقة عن قدرة إيران على إلحاق أضرار بالقواعد العسكرية رغم كثافة الدفاعات.

أما على الصعيد البحري، فرغم تدمير جانب كبير من الأسطول الإيراني التقليدي، يحتفظ الحرس الثوري بقدرات تشمل الزوارق الهجومية الصغيرة والألغام البحرية والمسيّرات والصواريخ المضادة للسفن، ما يتيح لطهران تهديد القطع البحرية الأمريكية وتعطيل الملاحة في مضيق هرمز. فقد نقلت “رويترز” في 23 أكتوبر/تشرين الأول 2026 عن معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى أن خريطته لرصد الحوادث البحرية سجّلت 28 هجومًا مؤكدًا أو مبلغًا عنه ضد سفن تجارية في مضيق هرمز والمياه المحيطة به منذ بداية الشهر، وهو أعلى عدد شهري منذ بدء المعهد تتبع هذه الحوادث عام 2017، ضمن 113 هجومًا منذ اندلاع الحرب.

إيران تمتلك آلاف الصواريخ والمسيّرات القادرة على تهديد القوات الأمريكية وحلفائها رغم الخسائر التي تكبدتها (وكالة الأناضول)

هل تستطيع الدفاعات الأمريكية استيعاب الردّ الإيراني؟

في مواجهة هذه التهديدات، تعتمد الولايات المتحدة على منظومة دفاع جوي وصاروخي متعددة الطبقات تجمع بين الدفاعات البرية والبحرية. فعلى اليابسة، توفر منظومات “باتريوت” حماية للقواعد والمنشآت الحيوية من الطائرات والصواريخ، ولا سيما الصواريخ الباليستية قصيرة المدى، بينما تتخصص منظومة “ثاد” في اعتراض الصواريخ الباليستية على ارتفاعات أكبر، بما يتيح محاولة إسقاطها قبل وصولها إلى المواقع المستهدفة. وتندرج بطاريتا “باتريوت” الجديدتان في السعودية وقطر ضمن تعزيز هذه الطبقة البرية.

أما في البحر، فتؤدي المدمرات المرافقة لحاملات الطائرات دورًا دفاعيًا أساسيًا عبر منظومة “إيجيس”، التي تجمع بين الرادارات المتطورة وأنظمة إدارة النيران والصواريخ الاعتراضية. وتستخدم هذه السفن صواريخ “إس إم-2″ للتصدي للطائرات والصواريخ الجوية، و”إس إم-3″ لاعتراض الصواريخ الباليستية خارج الغلاف الجوي، و”إس إم-6” لمواجهة تهديدات جوية وصاروخية متنوعة، إضافة إلى منظومة “فالانكس” المدفعية للدفاع القريب، التي تمثل خط الحماية الأخير ضد التهديدات التي تخترق الطبقات السابقة.

ومع ذلك، لم تمنع هذه المنظومات الدفاعية وقوع خسائر أمريكية خلال المواجهة السابقة، بل طالت الضربات الإيرانية بعض مكونات شبكة الدفاع الجوي والصاروخي نفسها، إذ كشف تحليل لصور الأقمار الصناعية أجرته صحيفة “واشنطن بوست” في مايو/أيار 2026 عن تضرر أو تدمير ما لا يقل عن 228 مبنى ومنشأة وقطعة من المعدات العسكرية في 15 موقعًا تستخدمه القوات الأمريكية بالشرق الأوسط، شملت ثكنات وحظائر طائرات ومستودعات وقود، إضافة إلى رادارات “باتريوت” وأطباق اتصالات بالأقمار الصناعية وبطارية “ثاد”. وكان تحليل بصري أجرته شبكة “إيه بي سي نيوز” في مارس/آذار قد رصد تعرض ما لا يقل عن عشرة مواقع رادار أمريكية وحليفة لهجمات إيرانية.

وإلى جانب هذه الخسائر، تواجه الشبكة الدفاعية الأمريكية تحديًا متزايدًا يتمثل في استنزاف مخزوناتها من الصواريخ الاعتراضية وصعوبة تعويضها سريعًا. فبحسب تقديرات أوردها تقرير لدائرة أبحاث الكونغرس، استهلكت العمليات العسكرية حتى أغسطس/آب 2026 نحو ألفي صاروخ اعتراضي، معظمها من “باتريوت” بواقع نحو 1700 صاروخ، إلى جانب نحو 200 صاروخ من منظومة “ثاد” و150 من صواريخ “ستاندرد” البحرية. وفي مؤشر على حجم الاستنزاف، قدّر مكتب الميزانية في الكونغرس أن واشنطن استهلكت ما بين نصف وثلثي مخزونها من بعض أنواع الصواريخ الاعتراضية منذ يونيو/حزيران 2025، وحذر من أن تعويضها قد يستغرق خمس سنوات على الأقل حتى مع زيادة الإنتاج.

في المقابل، تؤكد وزارة الدفاع الأمريكية امتلاكها ما يكفي من الذخائر لمواصلة العمليات، رغم أن تقرير المفتش العام للوزارة عن عملية “الغضب الملحمي”، الصادر في سبتمبر/أيلول، أقرّ بأن الاستهلاك أدى إلى نقص في المخزونات الإستراتيجية وكشف اختناقات في القاعدة الصناعية لإعادة التزود بالذخائر.

وتترجم هذه الضغوط إلى فاتورة مالية تتضخم شهرًا بعد شهر. فقد كشفت بيانات للبنتاغون حصلت عليها “رويترز” في 28 أكتوبر/تشرين الأول أن الحرب على إيران كلفت الجيش الأمريكي أكثر من 47 مليار دولار حتى الآن، بزيادة تفوق 25% على تقدير يوليو/تموز الذي أعلنه هيغسيث نفسه عند 37.5 مليار دولار. ويذهب أكثر من 29 مليار دولار من هذا المبلغ إلى تعويض الذخائر المستهلكة وحدها، وأكثر من 6 مليارات إلى تعويض المعدات والمنصات التي خسرتها القوات الأمريكية من طائرات ومسيّرات، فيما لا تشمل هذه الأرقام كلفة إصلاح القواعد التي أصابتها الصواريخ والمسيّرات الإيرانية.

وكان مكتب الميزانية في الكونغرس قد قدّر في سبتمبر/أيلول أن الحرب كلفت 38 مليار دولار حتى الأول من أغسطس/آب، منها 21.7 مليارًا لتعويض الذخائر، وتوقع أن تضيف كل جولة قتال جديدة ما يصل إلى 3 مليارات دولار شهريًا بحسب شدتها. وطلب البيت الأبيض من الكونغرس تمويلًا إضافيًا بقيمة 87.6 مليار دولار، يذهب جانب كبير منه إلى الحرب، ولم يُقرّ بعد. وبهذا المعنى، فإن حشدًا ثالثًا بحاملة طائرات ومجموعة برمائية إضافيتين يعني رفع كلفة الانتظار نفسها، قبل أن تُطلق رصاصة واحدة.

وهكذا تتوقف قدرة واشنطن على التصدي للرد الإيراني على كفاءة منظوماتها الدفاعية وعددها، وعلى قدرتها على تحمل هجمات متكررة وإدامة مخزوناتها من الصواريخ الاعتراضية. فكلما طال أمد المواجهة، ازدادت أهمية الفجوة بين معدل استهلاك هذه الصواريخ والوقت اللازم لتعويضها، بما قد يفرض قيودًا على قدرة القوات الأمريكية على خوض مواجهة ممتدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enable Notifications OK No thanks