




روكب اليوم
هل يمكنك تخيل اجتماع خُمس سكان كوكب الأرض خلال ساعتي زمن لاتخاذ السلوك نفسه والمرور بالمشاعر ذاتها؟ إذا كنت تعتبر هذا أمراً مستحيلاً، فقد كان هذا يوم 18 ديسمبر/كانون الأول 2022 حين تحلّق حول شاشات التلفاز ومنصات البث المختلفة أكثر من 1.5 مليار إنسان لمشاهدة نهائي كأس العالم قطر 2022 بين الأرجنتين وفرنسا.
ربما يعني هذا مفارقة مثيرة للشجن بالنسبة لمشجعي كرة القدم، أو مثيرة للاستغراب لمن لم يدأب على متابعتها، لكن هناك من يراقب هذا التجمع الاستثنائي بعيون أخرى أكثر فحصاً، واهتماماً بما يمكن جنيه من أرباح آنية ومستقبلية.
اقرأ أيضا
list of 2 itemsend of listأرقام هائلة لا تمر “مرور الكرام”
تحرص كبرى الشركات في كل المجالات على الظهور بفعاليات كرة القدم باعتبارها اللعبة الأكثر شعبية في العالم والأكثر استدامة فيما يتعلق بالمتابعة الجماهيرية واسعة النطاق، ويبرز كأس العالم كأهم فعالية في عالم كرة القدم وأكثرها متابعة وبالتالي تنظر الشركات دائماً إلى معادلة الانتشار الكثيف في أقل قدر من الوقت وبأعلى قدر من التأثير حينما تقرر وضع خططها الدعائية لاستهداف حدث من هذا النوع والحجم.
في عام 2014، سجل موقع تويتر 619 ألف تغريدة في الدقيقة الواحدة عقب نهائي ألمانيا والأرجنتين، ليصل إجمالي عدد التغريدات المتعلقة بالبطولة إلى 672 مليون تغريدة، وذلك عبر تحليل إحصائي صدر عن المدونة الرسمية لمنصة “تويتر” في ذلك الوقت.
وفي عام 2018، بلغ إجمالي مشاهدي الجماهير لبطولة كأس العالم التي أقيمت في روسيا 3.8 مليار مشاهد فرد، لتضرب هذه النسخة كل الأرقام القياسية على مستوى المتابعة حتى تاريخها.
أما خلال آخر نسخة من كأس العالم والتي أقيمت في قطر 2022 ولاقت رواجاً استثنائياً، فقد شاهد ما يقارب 5 مليارات نسمة مباراة أو أكثر خلال فترة البطولة “60.2% من سكان الأرض” منهم 1.5 مليار شخص تابع نهائي كأس العالم الذي أقيم بين الأرجنتين وفرنسا في لوسيل “18% من سكان الأرض”، وذلك وفقاً لبيانات الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا”.
هذه الأعداد الصارخة التي تتخذ نفس السلوك في وقت واحد لا تمر على الهيكل التسويقي لكبرى العلامات التجارية مرور الكرام، ولذلك تصبح هناك أولوية لاستهداف هذه الأنواع من الجماهير بالخطط التسويقية المختلفة.
مبالغ طائلة.. وأنماط مختلفة
لا تستهدف الشركات الكبرى الظهور في المناسبات من هذا النوع عبر المساحة الإعلانية فقط، بل دخلت مساحات أوسع تختص بعقود الرعاية الضخمة المبرمة لكل عنصر من عناصر المونديال، من أصغرها “أحذية اللاعبين” إلى أكبرها “حقوق بث البطولات” ورعايات البعثات المجمعة للمنتخبات، وهو ما يواكب تغير الشكل الذي تباع به عملية الترويج لاسم العلامة التجارية وما تختص به، والآخذ في التشكّل وفق معاملات مختلفة ووفق ظروف كل بطولة وكل بلد منظم.
مبالغ طائلة تدفعها العلامات التجارية مقابل عقود الرعاية لفعاليات مثل المونديال، لكن الرعايات الأعلى تشمل العديد من الامتيازات أبرزها إمكانية استغلال الحقوق التسويقية الخاصة بالبطولة، بما في ذلك استخدام صورة كأس العالم الشهيرة لتعزيز الحملات الدعائية وزيادة تفاعلات الجماهير في مراحل البطولة المختلفة “قبل وبعد وأثناء”.
وبينما يكون الإعلان الاعتيادي متضمناً ظهوراً محدداً بمدة، تكون هناك حصص أكثر ضخامة للرعاة كي تظهر علاماتهم التجارية طوال مدة البطولة، وتكون لهم الأولوية في إعلانات الملعب وخلفيات المقابلات الحصرية من الملاعب خلال شهر كامل.
كما يملك الرعاة الفرصة الأولى للظهور في فواصل المباريات عبر منصات البث المختلفة تلفزيونياً ورقمياً، وهو ما يتيح لهم عرض رسائل تعزز ما يسمى بالنقاش الجماهيري، ويدعم جودة هذا النقاش التصاقه في عدة مراحل بالحقوق الرسمية لبطولة بحجم كأس العالم، مثل حملة: Believing is Magic التي أطلقتها شركة “كوكاكولا” وكانت تظهر كأولوية في بعض البلدان أثناء عرض مباريات مونديال قطر 2022.
خبيرة تسويق المحتوى الأمريكية ميريديث كانينغهام تؤكد أن 81% من مستهلكي الرياضة يثقون كلياً أو جزئياً في الرعايات التجارية خلال الأحداث الرياضية، وأن 49% من المشاهدين ينظرون بشكل أكثر إيجابية إلى الرعاة بعد حضور أو مشاهدة حدث رياضي، وفق نشرتها البحثية الصادرة عن شركة “تيغنا” (Tegna) الأمريكية المتخصصة في خدمات البث والإعلام الرقمي والتسويق، وبالطبع سيكون الحدث الرياضي الأكبر في الرياضة الأكثر شعبية محل تعزيز لهذه الثقة.
امتدادات الرعاية.. ما وراء اللوحة الإعلانية
كل شيء مدر للربح بالنسبة للعلامات التجارية التي تقتنص عقود الرعاية لفعالية مثل المونديال، إذ تُعد الجماهير الموجودة داخل الملاعب جمهوراً جاهزاً للرعاة والمعلنين، الذين يكونون على استعداد لدفع مبالغ كبيرة مقابل عرض علاماتهم التجارية أمام فئات جماهيرية مستهدفة لساعات متواصلة، ويمثل ذلك فرصة ضخمة للرعاة والمعلنين لتعزيز الوعي بالعلامة التجارية وإطلاق حملات محتوى رقمية تتواصل مباشرة مع الجماهير المستهدفة.
بخلاف الأرباح الناتجة عن زيادة الثقة في العلامة التجارية لاقترانها بفعالية من هذا الحجم، هناك بنود أخرى لا يلتفت إليها البعض لكنها تصبح نافذة لأرباح أكثر ضخامة مما يتخيل البعض.
في الملاعب مثلاً، تعد الشاشات الرقمية “الخاصة بعرض النتائج” مصدراً ضخماً لتوليد الإيرادات، إذ يمكن للرعاة تأجير الشاشات للمعلنين مقابل رسوم مالية، ومع تكرار هذه الرسوم لكل معلن ولكل فعالية، تصبح شبكة الشاشات الرقمية قادرة على تغطية تكلفتها بالكامل، كما أن العائد المحتمل على الاستثمار فيها يكون هائلاً للغاية.
ولأن الربح لم يعد قاصراً على البث التلفزيوني فقط، فإن لقطات وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات العرض المختلفة في كل مساحة قُطرية، تعزز فرص المعلنين والرعاة في الوصول إلى الجمهور من خلال استغلال هذه المساحات لتوجيه رسائلهم المختلفة، وبالتبعية جني الأرباح المالية إما بشكل مباشر أو بشكل لاحق.
بنود رعاية أخرى بديهية لكنها قادرة على جلب مصدر دخل ضخم من خلال رعايات الطعام والشراب داخل الملاعب، حيث تعتمد العديد من المنشآت الرياضية على هذه المبيعات لتعزيز أرباحها مقابل تكلفة تشغيل اعتيادية إذا ما قورنت بالأرباح التي يمكن جنيها من رعاية هذا البند في فعالة بضخامة كأس العالم.
العزف على أوتار العاطفة وبناء الولاء
لكن المبيعات ليست الهدف الوحيد حصراً من تلك الرعايات، بل إن بناء صورة ذهنية طويلة الأمد قد يكون أكثر إدراراً للأرباح في هذا السياق لكن على مدى أطول.
السياق الرياضي بشكل عام مغلف بمشاعر يثق المعلنون والرعاة في أنها ستؤتي أكلها فيما يتعلق بالولاء لعلاماتهم التجارية، مفاهيم مثل “الشغف – الإثارة – الروح التنافسية” التي تمتلئ بها الرياضة تخلق نوعاً من الارتباط العاطفي المختلف الذي يجمع المشاهدين ويسهّل توجيه رسائل للجمهور في خضم هذه اللحظات المليئة بالتواصل الإنساني، وهذا يؤدي إلى تعزيز التفاعل مع العلامة التجارية وبناء ولاء طويل الأمد لها، لكن الأمر يتطلب قطعاً حملة تسويق ناجحة.
كانينغهام، تؤكد وفق دراسات شركة “تيغنا” أن المشاعر المرتبطة بالبطولات الرياضية المجمعة “الألعاب الأولمبية مثالاً” تؤثر إيجابياً على المعلنين، حيث يعتقد 88% من المشاهدين أن الشركات تقدم خدمة عامة عبر دعم الرياضيين، بينما يشعر 85% بالفخر عندما تدعم الشركات التي ينتمون إليها أي فعالية مرتبطة بدورة الألعاب الأولمبية.
كأس العالم فرصة مثالية أيضاً، إذ تدرك العلامات التجارية جيداً أن الاستثمار في حدث يوحد العالم يمكن أن يرفع كثيراً من قيمتها، لذلك تعتمد الإعلانات على مشاعر إنسانية مشتركة مفعمة برسائل إيجابية من أجل اللعب بسهولة على أوتار هذه المفاهيم، وتعزيز أهداف العلامة التجارية في سياقات أكثر اتساعاً بعد انتهاء الفعالية الرياضية.
بورصة القياس.. كيف تحسب الشركات أرباحها؟
تقيس العلامات التجارية المعلنة والراعية مدى إتمام حملاتها لمهامها بنجاح، من خلال عدد من المعايير، أولها مدة ظهور العلامات التجارية أثناء البث عبر المنصات المختلفة “تلفزيون – وسائل تواصل اجتماعي – تطبيقات رقمية” وأماكن الظهور وجودة التفاعل ومشاعر الجمهور تجاه العلامة التجارية، ولكن تظل هناك نسبة لا يمكن قياسها إلا بالمردود التجاري الرقمي الناتج عن كل حملة تسويقية.
وفقاً لنشرة أصدرتها “رابطة التسويق بالرعاية (Sponsorship Marketing Association)” التي تتخذ من سياتل مقراً لها عبر “لينكد إن”، فإن عملية قياس فعاليات عمليات الرعاية تتم عبر 4 مؤشرات رئيسة هي:
- الصورة الذهنية للعلامة التجارية.
- تفاعل الجمهور.
- النتائج التجارية.
- نسبة مساهمة الرعاية.
وفي حالة رعاية فعالية مثل المونديال، فإن الصورة الذهنية للعلامة التجارية تكتسب أرضية لدى الجماهير من خلال تكرار الظهور، وهي نفس الآلية التي تستهدف تفاعل الجمهور خصوصاً لو كانت العلامات التجارية الراعية مستعدة لتوليد أفكار تفاعلية عبر الوسائل المختلفة تصهر الجماهير في اللعبة كما لو كانوا جزءاً من كل مباراة.
أيضاً هناك نتائج أكثر قابلية للقياس الرقمية، تتعلق بتفاعلات وسائل التواصل الاجتماعي، الاستطلاعات المباشرة عبر آليات مناهج البحث المختلفة، الأرقام المباشرة للمبيعات، ثم ما إذا كانت مؤشرات الأداء الرئيسة خلال فترة الفعالية قد تحققت بشكل ناجع.
فوائد تستحق المخاطرة.. من الفساد إلى المقاطعة
صحيح أن البعض لا ينظر بأريحية إلى استغلال العلامات التجارية بيانات مستهلكيها في توجيه حملات إعلانية لاحقة، أو التعرف على مدى تأثير رسائلهم للوقوف على ما سيكون أكثر تأثيراً في رسائل أخرى على جمهور شبيه، ولكننا إذا اعتبرنا أن جمع بيانات المستهلكين والاستفادة منها في حملات مستقبلية “أمراً حتمياً” فهي ميزة ضخمة يحصل عليها الرعاة والمنتجون من التصاقهم بفعاليات ضخمة مثل كأس العالم.
هناك أكثر من وسيلة لجمع البيانات، سواء من الأنشطة الترويجية المصاحبة للبطولة، أو من خلال المنصات الرقمية التي تعرض عليها مضامين الرعاة والمعلنين الملتصقة بكأس العالم، جمع هذه البيانات يساعد على بناء قواعد بيانات لاستخدامها في التسويق المستقبلي، ما يخفض تكلفة اكتساب العملاء، ويعزز خيارات الشراء والاشتراكات الخاصة بالعلامة التجارية للمعلنين والرعاء، جنباً إلى جنب مع زيادة القدرة على اكتساب عملاء جدد.
لهذه الأسباب تحديداً، تدرك العلامات التجارية أن الوصول إلى الملايين من العملاء المحتملين يستحق إنفاق ملايين الدولارات، ولذلك يستعدون لخوض هذه المغامرات المادية -المحسوبة- رغم عدم القدرة في بعض الأحيان على قياس العوائد بدقة في خضم الحملة الإعلانية نفسها.
تبرز لقطة الأسطورة البرازيلي رونالدو في نهائي 1998 وهو يعلق حذاء علامة “نايكي” الشهير بعد انتهاء المباراة التي شارك فيها امتثالاً لبنود الشركة مع اللاعب من جهة والاتحاد البرازيلي لكرة القدم من جهة أخرى، والتي تركت انطباعاً سيئاً لدى الكثيرين ممن عرفوا القصة في وقت لاحق.
العلامات التجارية تكون مستعدة في أحيان أخرى لخوض مغامرات أكثر خطورة، خصوصاً في البطولات المصحوبة ببعض الجدل، أو حين ترعى منتخباً لا يرضي أنصاره بشكل كبير، أو في أجواء المقاطعة الجماهيرية لفعالية رياضية، لأن الأرباح المتوقعة تفوق أي تصورات سلبية في كثير من الأحيان.
ومن الأمثلة البارزة على ذلك ما ظهر بوضوح في اتهامات الفساد التي طالت الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” خلال أوائل العقد الماضي، والتي طالت رئيس الاتحاد السابق جوزيف بلاتر نفسه، ورغم هذه الاتهامات استمر “فيفا” في توقيع صفقات رعاية وتسويق ضخمة، وظل يروج لبطولاته القائمة على النزاهة والعدالة ومكافحة العنصرية والتمييز، كثير من الشركاء واصلوا السير على المنوال ذاته لأنهم لم يكونوا مستعدين للتنازل عن جني أكبر قدر من الأرباح، بينما توقف شركاء مثل “كاسترول” و”جونسون أند جونسون” و”سوني غروب” وآخرين عن مباشرة عقود الرعاية الخاصة بـ”فيفا” خوفاً من هذه المخاطر.
لكن سرعان ما عوض الفيفا خسائر خروج هؤلاء الشركاء ببدلاء من الشرق (الصين والخليج العربي) منهم الخطوط الجوية القطرية المستمرة مع الفيفا حتى مونديال 2026.
مونديال قطر أيضاً كان فرصة أخرى لإثبات استعداد الرعاة لتخطي أي تحديات من أجل تحقيق ربح أكيد، فرغم بعض الحملات السلبية التي سبقت البطولة والتي توقع البعض أنها ستدفع بعض الرعاة لعدم التحمس حيالها، إلا أن البطولة حققت إيرادات قياسية وصلت إلى حدود 7.5 مليار دولار، متجاوزة أعلى رقم سابق في نسخة 2018 (5.4 مليار دولار) لتصبح النسخة الأعلى جلباً للإيرادات في التاريخ، وكانت تدفقات أموال الرعاة لهذا الحدث أبرز مصدر لهذه الأرقام.
مونديال 2026.. كسر السقوف المالية
سيكون مونديال 2026 فرصة أخرى لرواية قصص الرعاة والمعلنين، إذ يتوقع الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” – وفقاً لصحيفة الغارديان (The Guardian) البريطانية – تحقيق إيرادات بقيمة 2.8 مليار دولار من حقوق التسويق وحدها خلال دورته الحالية الممتدة لأربع سنوات، ويرتبط الجزء الأكبر منها بكأس العالم 2026.
وقد أطلق “فيفا” برنامج “مشجعو المدن المضيفة” لكأس العالم 2026، والذي يتيح للمنظمين في كل مدينة من الـ16 المستضيفة لمباريات المونديال جمع التبرعات لتغطية تكاليف استضافة الحدث من خلال بيع حقوق الرعاية المحلية، ويمكن لكل مدينة ترشيح ما يصل إلى 10 شركات لا تُنافس أياً من شركاء “فيفا” الرسميين كداعمين.
في ظل زيادة عدد المباريات بشكل بديهي إثر إقامة أول نسخة من 48 منتخباً، يُنتظر أن تسجل تدفقات الرعايات أرقاماً استثنائية في نسخة 2026، ربما لن يكون هناك قبول بين كافة عناصر المنظومة التسويقية المتعلقة بالبطولة لعدم حدوث ذلك خصوصاً بعد القدوم من نسخة استثنائية “2022” حين حطمت قطر كل الأرقام.