​جبهات التربة والمقاطرة والجوف.. تكشف عن مراكز قوى تربك معسكر الشرعية

روكب اليوم

تكشف سيناريوهات سقوط الجبهات بأيدي الحوثيين دون قتال عن نفوذ مراكز قوى حزبية داخل مؤسسة الرئاسة اليمنية ومفاصل المؤسسة العسكرية، وقدرتها على التأثير في القرارات السياسية والعسكرية بما يخدم مصالح حزب التجمع اليمني للإصلاح، 

قرارات التعيين الأخيرة والانتكاسات المتلاحقة في جبهات المواجهة مع الحوثيين عن تشير إلى اختلالات تتجاوز حدود الإخفاق الإداري والعسكري، وتعيد التساؤل حول الجهات التي تتحكم فعلياً في القرار داخل معسكر الشرعية.

إعادة تعيين أمين العكيمي محافظاً للجوف وقائداً لمحورها العسكري، بالتزامن مع استمرار الانتقادات الموجهة إلى قيادة محور طور الباحة بقيادة القيادي الإصلاحي أبوبكر الجبولي.. تعيد إلى الواجهة سطوة مراكز القوى على قرار الشرعية وقرار الحرب لاسيما عملياتها الأخيرة “فجر اليمن”..وتكتسب هذه المستجدات أهمية إضافية مع الاتهامات الموجهة إلى حزب الإصلاح بتوسيع نفوذه داخل مؤسسة الرئاسة والجيش، والاحتفاظ بمواقع مؤثرة في مفاصل القرار، بما يتيح له إعادة إنتاج القيادات المحسوبة عليه، حتى عندما تكون تجاربها محل انتقادات واسعة بسبب خسارة مناطق ومواقع استراتيجية أمام جماعة الحوثيين.

قرارات كارثية
أثار قرار رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي إعادة أمين العكيمي إلى منصبي محافظ الجوف وقائد محورها العسكري موجة انتقادات سياسية وإعلامية، خصوصاً أن العكيمي تولى قيادة المحافظة منذ عام 2016، واستمر في منصبيه حتى سقوط مدينة الحزم، مركز المحافظة، بيد الحوثيين في مارس 2020.

ويرى منتقدون أن إعادة العكيمي، بعد نحو أربع سنوات من إقالته في أكتوبر 2022، تطرح سؤالاً جوهرياً حول أسباب استعادة شخصيات ارتبطت فترات توليها المسؤولية بخسارة مناطق استراتيجية، بدلاً من إخضاع تجاربها للمراجعة والمساءلة وتقديم قيادات جديدة.

واتهم ناشطون العكيمي بالمسؤولية عن الانسحاب من مدينة الحزم وتسليمها للحوثيين دون مقاومة كافية، فيما ذهب بعضهم إلى وصف ما حدث بأنه عملية استلام وتسليم، وهي اتهامات لم تُحسم بتحقيق معلن أو أحكام قضائية، لكنها ظلت حاضرة في النقاش السياسي بشأن سقوط المحافظة.

وقال الدكتور ياسر اليافعي إن إعادة ما وصفها بـ«الأدوات الفاشلة» تعني تكرار النتائج ذاتها، فيما اعتبر فايز اليزيدي أن إعادة العكيمي تمثل إصراراً على تدوير قيادات ارتبطت تجربتها بإخفاقات ميدانية. وطالب ناشطون آخرون بمحاسبة المسؤولين عن خسارة الجوف بدلاً من إعادتهم إلى مواقع القيادة.

وفي قراءة سياسية للقرار، حمّل الكاتب والمحلل السياسي فضل العيسائي حزب الإصلاح مسؤولية التأثير على التعيينات داخل مؤسسات الشرعية، متهماً الحزب بالسعي إلى توسيع نفوذه في المواقع السياسية والعسكرية وتحويل مؤسسات الدولة إلى غطاء لمصالحه الحزبية.

وتعيد هذه الانتقادات تسليط الضوء على طبيعة العلاقة بين مجلس القيادة الرئاسي ومراكز القوى الحزبية والعسكرية، خصوصاً أن القرارات المتعلقة بالمحافظات والجبهات لا تنعكس على التوازنات السياسية فحسب، بل تحدد أيضاً طبيعة القيادة الميدانية وقدرة القوات الحكومية على مواجهة الحوثيين.

محور طور الباحة

في جبهة أخرى، أعاد سقوط قلعة المقاطرة ومناطق واسعة من مديرية المقاطرة بمحافظة لحج بيد الحوثيين فتح ملف أداء محور طور الباحة، بقيادة القيادي في حزب الإصلاح أبوبكر الجبولي، وسط اتهامات متكررة للقيادة بالتسبب في انسحابات عسكرية أفضت إلى خسارة مواقع استراتيجية في ريف تعز الغربي والحجرية وصولاً إلى لحج.

وتتركز الانتقادات على التباين بين صمود المقاتلين في جبهات مدينة تعز، وبين سرعة انهيار مواقع عسكرية ظلت تحت سيطرة القوات الحكومية لسنوات، قبل أن تنتقل إلى سيطرة الحوثيين خلال فترات وجيزة، دون توضيحات رسمية كافية بشأن ملابسات الانسحاب أو المسؤوليات القيادية.

ووجّه ناشطون وسياسيون اتهامات مباشرة إلى الجبولي، معتبرين أن التراجعات من التربة إلى المقاطرة تكشف خللاً متراكماً في إدارة العمليات العسكرية. وطالب السياسي الجنوبي فضل الجعدي بمساءلة قيادة المحور، منتقداً ما وصفه بالصمت غير المبرر من قيادة الشرعية إزاء الانسحابات المتكررة.

كما تساءل الناشط محمد الخامري عن جدوى التشكيلات العسكرية المنتشرة على امتداد جبهات ريف تعز الغربي وطور الباحة والمقاطرة، في ظل استمرار خسارة المواقع رغم تعدد الألوية والقيادات والإمكانات العسكرية.

وتتجاوز الاتهامات الموجهة إلى محور طور الباحة مسألة الأداء الميداني، إذ شكك ناشطون في طبيعة نشأة التشكيلات العسكرية التي يقودها الجبولي، وذهب نشوان قراضة إلى اعتبار أن توسع المحور ارتبط بصراعات النفوذ داخل المعسكر المناهض للحوثيين، وليس ببناء جبهة عسكرية متماسكة.

واتهم قراضة تلك التشكيلات بأنها أسهمت في محاصرة نفوذ العميد عدنان الحمادي، قائد اللواء 35 مدرع، والضغط على قوات الساحل الغربي، في سياق صراعات داخلية أضعفت الجبهات المناهضة للحوثيين. وتظل هذه الاتهامات بحاجة إلى تحقيق مستقل وأدلة موثقة، لكنها تعيد طرح قضية توظيف التشكيلات العسكرية في صراعات النفوذ الحزبي على حساب المواجهة مع الجماعة الحوثية.

وتتصل بذلك أيضاً انتقادات الإعلامي عيبان ياسين، الذي اتهم جهات مرتبطة بقيادة المحور بالتركيز على التضييق على المواطنين وفرض الجبايات والتهديدات، بدلاً من تأمين الجبهات. وتحدث عن تعرضه لتهديدات خلال عام 2025 شملت، بحسب روايته، التلويح بتلفيق التهم وتفجير منزله وإحراق سيارته واغتياله، وصولاً إلى تهديد طفله.

وطالب الكاتب والباحث السياسي عبدالستار سيف الشميري بإقالة الجبولي وفتح تحقيق شامل في الملفات المنسوبة إليه، مؤكداً أن إصلاح المؤسسة العسكرية ومحاسبة القيادات المقصرة يمثلان جزءاً أساسياً من معركة استعادة الدولة.

انقسام الإخوان 
وتعيد هذه الوقائع فتح ملف أكثر حساسية يتعلق بطبيعة مواقف التيارات الإخوانية في اليمن، وانقسامها بين قيادات وشخصيات تعمل ضمن معسكر الشرعية، وأخرى تتبنى مواقف متماهية مع الحوثيين أو تعمل في مناطق سيطرتهم، فضلاً عن اتهامات بوجود شخصيات وشبكات مصالح داخل مؤسسات الشرعية لا تخدم أولويات المواجهة مع الجماعة الحوثية.

ففي الوقت الذي يحتفظ فيه حزب الإصلاح بنفوذ سياسي وعسكري داخل مؤسسات الحكومة، تتصاعد اتهامات لقيادات وتشكيلات محسوبة عليه بتقديم حسابات النفوذ الحزبي على متطلبات المعركة، سواء من خلال إضعاف التشكيلات العسكرية المنافسة، أو الانسحاب من مواقع استراتيجية، أو التأثير في قرارات التعيين والإدارة العسكرية.

وتذهب بعض القراءات السياسية إلى أن هذا الوضع أتاح للحوثيين الاستفادة من الانقسامات داخل معسكر خصومهم، ليس فقط عبر المواجهة العسكرية المباشرة، وإنما أيضاً من خلال الاختلالات التي تضرب بنية المؤسسة العسكرية، وتمنح الجماعة فرصاً للتقدم دون أن تواجه دائماً مقاومة تتناسب مع حجم القوات والإمكانات الموجودة في تلك الجبهات.

وفي هذا السياق، يطرح منتقدون تساؤلات بشأن وجود أطراف داخل الشرعية تعمل، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، لمصلحة الحوثيين، سواء عبر تعطيل المواجهة أو إضعاف القيادات والتشكيلات الفاعلة أو توفير ظروف عسكرية وسياسية تساعد الجماعة على التوسع. غير أن إثبات وجود تنسيق أو تعاون مباشر يتطلب أدلة مستقلة وتحقيقات موثقة، ولا تكفي الانسحابات أو الانتماءات الحزبية وحدها لإثبات التواطؤ.

كما أن الانقسام داخل التيار الإخواني اليمني لا يعني بالضرورة وجود قيادة موحدة تدير الطرفين، لكنه يثير تساؤلات حول تعدد الولاءات وشبكات المصالح والعلاقات التي نشأت خلال سنوات الحرب، ومدى انعكاسها على مواقف بعض الشخصيات والقيادات في معسكري الشرعية والحوثيين.

مراكز القوى و القرار الرئاسي
وتكشف القضيتان، في المحصلة، عن أزمة تتعلق بمركزية القرار داخل الشرعية اليمنية، ومدى قدرة مجلس القيادة الرئاسي على فرض معايير وطنية موحدة في التعيينات والإدارة العسكرية، بعيداً عن ضغوط الأحزاب ومراكز النفوذ التي تمتلك امتدادات داخل مؤسسات الدولة.

فإعادة العكيمي إلى قيادة الجوف، رغم الجدل بشأن سقوط المحافظة خلال فترة مسؤوليته، واستمرار الجبولي في قيادة محور تتكرر في نطاقه الانتكاسات العسكرية والاتهامات بالتجاوزات، يضعان القيادة السياسية والعسكرية أمام اختبار حقيقي بشأن جدية المحاسبة وقدرتها على إخضاع القيادات للمساءلة.

وتزداد خطورة الأمر مع اقتراب التهديد الحوثي من مناطق استراتيجية في لحج والمناطق المتاخمة لعدن، وما يرافقه من مخاوف بشأن انعكاسات الانهيارات العسكرية على أمن الجنوب وخطوط الدفاع عن العاصمة عدن.

ويرى منتقدون أن استمرار تدوير القيادات المحسوبة على مراكز النفوذ الحزبي، دون مراجعة أدائها، يكرس حالة من ازدواجية القرار داخل الشرعية، ويحول المؤسسة العسكرية إلى ساحة تنافس بين القوى السياسية بدلاً من أن تكون مؤسسة وطنية موحدة في مواجهة الحوثيين.

ومن هنا، تتجه المطالب إلى فتح تحقيقات مستقلة في أسباب سقوط الجوف والمواقع العسكرية في الحجرية والمقاطرة، ومراجعة قرارات التعيين، والكشف عن الجهات التي تقف وراء تعطيل المواجهة أو إضعاف الجبهات، فضلاً عن إخضاع جميع القيادات، بصرف النظر عن انتماءاتها الحزبية، لمعايير الكفاءة والمساءلة.

فالمشكلة لم تعد محصورة في خسارة محافظة أو سقوط قلعة ومواقع عسكرية، بل باتت مرتبطة بمدى استقلال قرار الشرعية عن مراكز القوى المتنفذة داخلها، وقدرتها على منع توظيف مؤسسات الدولة لخدمة حسابات حزبية، أو تركها عرضة لاختراقات وتقاطعات مصالح يستفيد منها الحوثيون على حساب المعركة الوطنية.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enable Notifications OK No thanks