جدل التسويات يشق العراق.. صفقة تهدئة أم استباحة للمال العام؟


روكب اليوم
2026-07-20 04:55:00

1 1880857

وفي خضم هذا النقاش، قدّم الباحث السياسي نجم القصاب، خلال حديثه إلى برنامج “الظهيرة” على سكاي نيوز عربية، قراءة معمّقة للأبعاد القانونية والسياسية والشعبية لهذه الخطوة، كاشفًا عن مفاوضات بمليارات الدولارات تجري خلف الأبواب المغلقة، ومحذّرًا من أن تتحول التسويات إلى مدخل للإفلات من العقاب.

آلية التسوية واسترداد الأموال

أوضح القصاب أن القضاء العراقي حدد المسار القانوني لمن تجاوز على المال العام قبل صدور الأحكام، مبينًا أن الآلية تقوم على التسوية التي تقتضي إعادة الأموال المسروقة والمنهوبة إلى خزينة الدولة.

وأشار إلى أن فتح حساب خاص في وزارة المالية لاستقبال الأموال المستردة جاء تنفيذًا مباشرًا لتوجيهات علي الزيدي، مؤكدًا أن الأموال ستعاد إلى الدولة سواء شمل المتهمين العفو أم لم يشملهم، ولا سيما تلك الموجودة داخل الأراضي العراقية.

غير أن القصاب يلفت إلى معضلة كبرى، إذ إن الجزء الأكبر من الأموال المنهوبة جرى استثماره في عقارات ومشروعات خارج العراق، مما يجعل استعادته بالغة التعقيد.

وفي هذا السياق، كشف عن اتفاق ثنائي مهم نتج عن اللقاء الذي جمع الرئيسين العراقي والأميركي، تضمن دعم منظمة الإنتربول وممارسة ضغوط أميركية على دول العالم لإعادة تلك الأموال، فضلًا عن تسليم الأشخاص الذين تصدر بحقهم مذكرات قبض، من مسؤولين وغير مسؤولين.

رفض شعبي للعفو مقابل إعادة الأموال

بحسب القصاب، فإن المزاج العام في الشارع العراقي لا يتقبل فكرة الاكتفاء باسترداد الأموال مقابل إطلاق سراح المتورطين في قضايا الفساد.

واستند في ذلك إلى نتائج استطلاع قال إنهم أجروه، خلص إلى أن المواطنين يطالبون بإيداع كل من تجاوز على المال العام في السجون، وليس الاكتفاء باستعادة الأموال.

ويضيف القصاب، في تقدير صادم، أن نحو 90 بالمئة من الأموال التي سُرقت جرى الاستيلاء عليها بصورة غير قانونية.

ثم ينتقل إلى جوهر الإشكالية محذرًا من أن هذا المنحى قد يبعث برسالة خطيرة تشجع مسؤولين آخرين على التجاوز على المال العام، إذ يصبح بمقدورهم استثمار الأموال المنهوبة طيلة سنوات ثم إعادتها لاحقًا مع توقع نيل العفو.

وفي موقف شخصي نادر، يعلن القصاب صراحة: “حقيقة أنا لست مع هذا القرار”.

من النفوذ إلى الوجود

يرى القصاب أن السيد الزيدي يحاول من خلال هذا المسار طمأنة القوى السياسية، موضحًا أن أولويات هذه القوى شهدت تحولًا جوهريًا، إذ تغير طموحها من السعي إلى “النفوذ” والسيطرة على مفاصل الدولة، تنفيذيًا واقتصاديًا وماليًا، إلى مجرد “الوجود” والحفاظ على المكتسبات بعد أن انكشفت ملفات الأموال المنهوبة أمام الرأي العام.

وفي كشف مثير، تحدث القصاب عن معلومات تشير إلى مفاوضات تجريها شخصيات سياسية نافذة، بينها قيادات من الإطار التنسيقي وقوى سياسية سنية، لإعادة مبالغ مالية ضخمة.

وأوضح أن أحد هذه المبالغ قد يصل إلى مليار دولار، يُراد إعادته مقابل عدم إلقاء القبض على شخص من عائلة زعيم سياسي. وعند هذه النقطة، أطلق القصاب وصفًا لاذعًا، معتبرًا أن أغلب هؤلاء “زعماء صدفة”، على حد تعبيره، مستثنيًا اثنين أو ثلاثة فقط، لأن “الزعيم لا يصبح زعيمًا إلا بثوراته، والقائد الناجح والراسخ ينجح بالفطرة، ليس مثلما البعض يعطي لنفسه هذه الصفة”.

تسويات سياسية للتهدئة أم استنساخ لتجارب العفو؟

يذهب القصاب إلى أن هذه الخطوة تمثل، في جوهرها، نوعًا من التهدئة، محذرًا من أن هناك توجهًا لاستنساخ تجارب شهدتها دول أخرى تقوم على مبدأ “أعد الأموال ونعفُ عنك”.

ويفسر ذلك بمعضلة بنيوية، إذ يقدّر أن أكثر من 90 بالمئة ممن تبوؤوا مناصب عامة تجاوزوا على المال العام، الأمر الذي يجعل من المستحيل عمليًا اعتقال جميع هؤلاء المسؤولين أو تنفيذ مذكرات القبض بحقهم دفعة واحدة، لأن ذلك قد يؤدي، بحسب وصفه، إلى “انهيار كل شيء”.

لكنه يؤكد أن هذا الطرح لا ينسجم البتة مع مطالب الشارع العراقي.

ولإبراز أسباب هذا الرفض الشعبي، استشهد بالواقع الخدمي المتردي، متسائلًا بحدة: “صُرفت وأُهدرت مئات مليارات الدولارات على فقط وزارة الكهرباء.

هل تمت محاسبة الوزراء السابقين؟ هل تمت محاسبة الوزراء الحاليين؟ الوكلاء؟” معتبرًا أن غياب المحاسبة هو ما أوصل البلاد إلى واقع تعاني فيه الأسر من انقطاع الكهرباء لست ساعات كاملة مقابل ساعة تشغيل واحدة، في ظل درجات حرارة تتجاوز 49 درجة مئوية، حيث لا يستطيع الأطفال والنساء النوم لا مساءً ولا صباحًا ولا نهارًا.

زعماء الصدفة” ومواجهة الضغوط

يشدد القصاب على ضرورة عدم تراجع السيد الزيدي أو التباطؤ أو الانسحاب من مسار مكافحة الفساد، محذرًا من أن أيًا من هذه السيناريوهات الثلاثة سيؤدي إلى سقوطه أمام القوى السياسية.

ويكشف، في هذا السياق، عن وجود لوبي منظم يشتغل ضده، بالتزامن مع حملة تقوم على “الاستهانة بالزيارة والعمليات”، والاعتراض على تكليف جهاز مكافحة الإرهاب بتنفيذ عمليات اعتقال تطال نوابًا وشخصيات سياسية.

ويرى القصاب أن طبيعة الشخصيات المستهدفة تختلف تمامًا عن المواطنين العاديين، نظرًا لما تمتلكه من حمايات ونفوذ وأجندات، وهو ما يجعل اللجوء إلى القوات الأمنية إجراءً مبررًا، ويشكل رسالة ردع للآخرين بعدم السماح بالتجاوز على المال العام.

ويكشف أن عدد المطلوبين قد يتجاوز 60 شخصية، بينهم أشخاص لم يكونوا يمتلكون شيئًا وأصبحوا يملكون ثروات طائلة، ومنهم، بحسب وصفه، شخصيات استغلت الحشد الشعبي والفصائل وتقوم باستعراضات عبر منصات التواصل الاجتماعي.

ويضرب مثلًا بشخص يظهر بساعة يد يبلغ سعرها 250 ألف دولار وسيارات بملايين الدولارات وأرقام مرورية فردية بمليوني دولار للرقم الواحد، معربًا عن اعتقاده بأن أحد هذه الأسماء سيُعتقل خلال الأيام المقبلة.

تطمينات لقطع الطريق على الاتهامات

يختتم القصاب قراءته بالكشف عن استراتيجية السيد الزيدي في إدارة المعركة مع القوى السياسية، موضحًا أنه وجّه رسائل تطمين واضحة إلى مختلف الأطراف، بما فيها قيادات الإطار التنسيقي، بإعلانه أنه لا يعتزم الترشح لأي منصب، ولا تشكيل حزب، ولا السعي إلى ولاية ثانية.

ويرى القصاب أن الهدف من هذه الرسائل هو نفي أي دوافع سياسية أو طائفية وراء حملة مكافحة الفساد.

وينقل عن الزيدي قوله بنفسه إنه سينفذ القانون حتى لو صدرت مذكرة قبض بحق أحد أفراد عائلته، معتبرًا أن هذا الموقف يجعل من الصعب اتهامه بالطائفية أو الحزبية أو تنفيذ أجندات خارجية، أميركية كانت أم إيرانية.

وفي مواجهة ما وصفه بمحاولات تشويه تقوم بها “جيوش إلكترونية”، يختتم القصاب متسائلًا: “ما هي المشكلة إذا عقدنا علاقات واتفاقات مع أميركا ومع إيران ومع الإمارات ومع السعودية ومع تركيا ومع الأردن.



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enable Notifications OK No thanks