روكب اليوم
بين هذين التاريخين لم يحظ جمال حمدان، فيلسوف الجغرافيا وشاعرها وعالمها المقتدر، بما يستحقه من اهتمام، حتى لو تردد اسمه أحيانا على ألسنة بعض من لم يقرؤوا منجزه، ولم يضعوه في المكان الذي يستحقه، كواحد من العقول الفذة في زمننا المعاصر، وواحد ممن ستبقى أسماؤهم، ولو على استحياء.
ظُلم جمال حمدان لعدة أسباب، بعضها هو مسؤول عنه بانطوائه الشديد، الذي جعل هناك من يشخصونه كواحد من أشهر مرضى الاكتئاب، وكرجل رقيق الحاشية، افتقد في لحظة الصدمة جسارة المواجهة، تاركا الجامعة لسبب طال كثيرين غيره، لكنهم صبروا وجالدوا ونازعوا غير قانطين، ولا منسحبين.
هذا الانسحاب المفاجئ حرم حمدان من تلاميذ مباشرين، تقوم علاقتهم مع أساتذتهم على الوجه في الوجه، فيظلون حاملين علمهم وذكراهم زمنا طويلا، مثلما كان حال المؤرخ الشهير شفيق غربال، حيث رفعه تلاميذه، ورددوا أقواله وتصوراته ومفاهيمه الشفاهية، وأبقوا اسمه حيا، حتى مع قلة مؤلفاته، ممتثلين للقاعدة التي رسخها هو حين كان يجيب من يسأله: أين كتبك؟ بالقول: كل تلميذ لي كتاب.
لكنّ كثيرا من الأسباب التي تقف وراء مواراة حمدان في الظل، معلقة في أعناق غيره، وليست من صنع يده، وهي متعددة وموزعة على أشخاص وحالات وظروف عدة. أولها أن كثيرا من الجغرافيين اللاحقين على حمدان، وفي ظل إمعانهم النظر بالمسائل الفرعية في علم الجغرافيا، لم يلتفتوا بالقدر الكافي إلى النظرة الكلية أو التكاملية التي رسخت في إنتاج حمدان، وهي عابرة لأصناف شتى من العلوم، فهو الرجل الذي كان يعرف الجغرافي بأنه “الإخصّائي الذي يضرب بحرية في كل العلوم، يربط الأرض بالناس، والحاضر بالماضي، والمادي باللامادي، والعضوي بغير العضوي، ويكاد يتعامل مع كل ما تحت الشمس، وفوق الأرض”، ويرى الجغرافيا نفسها بأنها “علم تكاملي بالضرورة، بل العلم التكاملي بامتياز”، وأنها هي “الجسر الذي يربط بين العلوم الطبيعية والاجتماعية”.
أما أغلب الجغرافيين يفصلون ما يهتمون به ليس فقط عن سائر العلوم، اجتماعية كانت أو طبيعية، إنما أحيانا عن روافد وفروع بقية علم الجغرافيا، ولذا يضيقون ذرعا بالتصورات الكلية لحمدان، ويجرحونها على أنها نظرة عامة وانطباعية ومتسعة أكثر من اللازم، تفتقد إلى معطيات الميدان، التي حرم الرجل نفسه منها، حين أغلق على نفسه باب بيته، مع أنه قال عن الجغرافيا إنها “ليست علما موسوعيا فضفاضا، أو بحرا لا ساحل له”، وإنها “علم العالم لا علم العلوم”.
لا يبدو أغلب هؤلاء مهتمين بجهد حمدان في توسيع رؤية الجغرافيا، لتطل على العلوم كافة، تنهل منها لكنها لا تنسى مسارها وغاياتها، وهي مسألة يعبر هو عنها بقوله:” الجغرافي الجيد فيلسوف.. قارئ كل شيء لكنه كاتب جعرافيا فقط، يأكل كل شيء غير أن معدته لا تفرز إلا جغرافيّة صرفة”، لكن رؤيته هذه تبدو معيبة في نظر عالم الآثار والتراث فكري حسن؛ لأنها تخلط بين الوصف والتحليل.
الاتهام بالانطباعية والتفلسف
واتهام حمدان بالانطباعية والتفلسف، إنما مرده إلى عجز كثيرين عن فهم منهجه الذي ينظر إلى العلل البعيدة، ويرى التفاعل بين الذوات والأشياء، بين الصامت والناطق، والأرض والناس، والموّار والتاريخ، والثابت والمتغير، يرى ما في كل هذا من علم وفن وفلسفة، فالجغرافيا بالنسبة له “علم بمادتها، فن بمعالجتها، فلسفة بنظرتها”، وكل هذا في نظره ينقلها من مرحلة المعرفة إلى مرحلة الفكر.
ورغم أن حائزي درجة الدكتوراه في تخصص حمدان، قد سمعوا ممن ناقشوهم ومنحوهم الدرجة عبارة “حصل على دكتوراه الفلسفة في علم الجغرافيا”، فإن أغلبهم لم يرسخ علمه ويفيض، ويراه في إهاب العلوم الأخرى وركابها ورحابها، فيفلسف رؤيته لأي مسألة جغرافية يتناولها، حتى لو كانت صغيرة ومحددة.
ومثل هؤلاء ليس بوسعهم أن يدركوا الدرب الذي سلكه حمدان، وهو درب جغرافي بالأساس، لكن هناك عشرات المسارات والمدقات الفرعية التي تصب فيه، فتصله بكل الأماكن التي تبلغها، وكل البشر الذين تخدمهم، وكل المعاني التي تمثلها. لم يدرك هؤلاء المقولة العميقة لحمدان: “الجغرافيا يجب أن تنقلنا من تشريح جسم الإقليم إلى معرفة روحه”.
وبعض هؤلاء يرون أن فكرة حمدان العامة أو أيديولوجيته أو انتماءه السياسي كانت هي الإطار العام الذي أحال إليه الجغرافيا، ورهنها لصالحه، أو وظفها في خدمته، أو كان النقطة المركزية التي انطلق منها. فعمد إلى إعلاء أشياء، وتخفيض أخرى، من أجل بلورة صورة كلية لـ”شخصية مصر” عمل بها على رفع الروح المعنوية للشعب في لحظة انكسار.
ونسي هؤلاء أن حمدان لم يدرس هذه الشخصية من زاوية تقوم على الينبغيات والتهويمات والتفكير بالتمني، إنما من منطلق إمعانه النظر في الإقليم، باعتباره مجال عمل الجغرافيا الأساسي، ولا يعيبه في هذا النظر إلى الدراسة الإقليمية على أنها “عمل فني بقدر ما هي عمل علمي”. وحتى لو كان محل اهتمامه هو “فلسفة المكان”، فقد رآها وقدرها على أنها “فلسفة عملية واقعية، تحلق وتحدق”، وتعامل مع الشخصية الإقليمية بوصفها تماثل الشخصية الفردية، حيث تنمو وتتطور وتتدهور مثلها.
وحتى لو كان حمدان فيلسوفا أكثر منه جغرافيا ميدانيا، فما الذي يمنع أن يأتي فيلسوف من حقل الجغرافيا، فبعض الفلاسفة الكبار عبر الزمن انحدروا من مساقات معرفية متعددة، إذ جاء بعضهم من مجالات دراسية مختلفة مثل الدين، واللغة، والتاريخ، والاجتماع، وعلم النفس، بل إن أحدهم جاء من إمعان النظر في المسائل الاقتصادية بأرقامها ومعادلاتها، مثل كارل ماركس.
ولأن الفلسفة ذاتية الطبع مثل الأدب، وتتسم أحيانا بالشاعرية أو الغنائية مثلما يميل بعضها إلى التجريد، كان حمدان مولعا بالصياغات التي تنطوي على المجازات أحيانا، وهي حصيلة حضور وجدانه في إحكام صياغاته الكلية بعد أن أمعن التفكير في تفاصيلها الدقيقة وتجريبيتها، سواء مما عرفه هو وقت أن كان جغرافيا محترفا في أول طريقه، أو ما استقاه مما اطلع عليه من علوم شتى، أولها الجغرافيا بالطبع.
لكن حمدان حين فصّل ما أجمل، وانتقل من الكلي إلى الجزئي، مثلما فعل في كتابه: “شخصية مصر” الذي ظهر في ثلاث طبعات مختلفة الأحجام، نراه لم يهمل معطيات الجغرافيا البحتة في تحليله للزراعة، وبصمة النيل، وأحوال السكان، وموارد البلاد، وشكل التضاريس، إذ ضمّن تحليله لكل هذا، جداول ورسوما بيانية وخرائط، وسط تحليل تحل فيه الجغرافيا مكتملة عفيّة.
ولم يكن هناك أبدا ما يمنع من وقفوا رافضين للمضامين التي حواها منتج حمدان أن ينظروا بإنصاف إلى منهجه في معالجة الجغرافيا، ليطوروه على نحو أكثر إحكاما، أو أن يجعلوا من تصوراته افتراضات ينهمك تلاميذ لهم في إثباتها أو دحضها، وتساؤلات يجيبون عنها بشكل مستفيض، أو حتى خلفية عامة للتحليل المنصب على الاهتمامات الصغيرة والفرعية. لهذا غاب نص حمدان أو منتجه عن التدريس في الجامعات، حتى لو كان الثقات خارجها مهتمين به، وعاملين عليه.
لقد أقامت كلية الآداب جامعة القاهرة مدرجا باسمه، وتحوي مكتبتها كل ما أنتج حمدان، وهو الأكثر اطلاعا بين الطلاب، خصوصا في الدراسات العليا إلى الآن، كما أخبرني عالم الجغرافيا النابه الدكتور عاطف معتمد، لكن لم نجد من يسجل أطروحة عن حمدان، على الأقل عن منهجه الكلي، إذ إن الاهتمام منصرف إلى البحوث التجريبية الرقمية والوصفية، ولا نجد تدريسا لكتبه على طلاب المرحلة الجامعية الأولى، إذ إن الأساتذة، ومنهم الذين قرؤوا حمدان ويعرفونه ويقدرونه جيدا، يرون أن إلمام الطالب الأوّلي بتفاصيل علم الجغرافيا وفق الطريقة المألوفة لتدريسه عالميا، هو الأولى بالاتباع.
هل ظلمته “شخصية مصر”؟
وظُلم حمدان عربيا لاختزاله في “شخصية مصر”، إذ وجد كثيرون أنفسهم معنيين في النظر إلى شخصية كل قُطر عربي منفردة، أو للقواسم والخصائص المشتركة لبعض الدول التي تنتمي إلى جغرافيا متشابهة وتاريخ متداخل، أكثر من اهتمامهم بتصور حمدان عن مصر، رغم أن الرجل لم يهمل تعدد أبعاد مصر، ورآها أربعة: الآسيوي، والأفريقي، والنيلي، والمتوسطى، مثلما ذهب في كتابه: “نحن وأبعادنا الأربعة”، عطفا على أن مصر بلد يقع في مثلث القارات، لكنه فرق بين دوائر الانتماء، ودوائر العلاقات، وانتهى إلى أن العروبة فقط هي دائرة الانتماء، والبقية دوائر علاقات.
وقد رأى حمدان أن “مصر أرض وشعب، وحضارة ومكان، ورغم كل الخيوط والخطوط المشتركة، التي تربطها بأبعادها القارية، لا هي أفريقية تماما، وإن وقعت فيها، ولا هي آسيوية تماما وإن لاصقتها، ولا أوروبية تماما وإن واجهتها، إنما تنتمي إلى كل هذه الآفاق دون أن تكون هناك تماما، بل تظل في النهاية، مصرية تأصيلا وتطويرا وانتماء”. ثم قال: “الواقع أن هذه الأبعاد الثلاثة إنما تبدأ على أطراف مصر، وتخومها، فهي مجرد مماسات لجسمها الأساسي، ومن ثم يبقى صلب هذا الجسم مصريا بالدرجة الأولى”. لكنه، ومن منطلق انتمائه السياسي العروبي، فصّل في أهمية العرب لمصر، وبدا مؤمنا بضرورة امتداد الدور التحرري المصري إلى العالم العربي من طنجة إلى صلالة.
وهنا يطل سبب آخر للظلم، فحمدان كان مؤمنا بأن “الناصرية” هي التجسيد الواقعي للشخصية المصرية، أو ما ينبغي أن تكون عليه، وهي قدرها الذي لا فكاك منه، ومع انكسار الناصرية، وأفول أطروحتها، بل الانقضاض عليها في عقر دارها، كان من الطبيعي أن ينسحب هذا على جمال حمدان، فهو محل رفض أو نقد أو مؤاخذة من كل الذين لديهم اختلاف أو رفض للمسلك الناصري، أو أولئك الذين يرون الناصرية لم تتعاف لتشكل أيديولوجية متكاملة.
وحتى من ظلوا مخلصين للناصرية في أرجاء العالم العربي كافة، لا يمثل حمدان بالنسبة لهم مرجعية أولى، قياسا إلى كتابات عصمت سيف الدولة، ومحمد حسنين هيكل، أو ما ورد في الكتاب المنسوب لعبد الناصر نفسه: “فلسفة الثورة”، رغم أن حمدان لم يقصر كتاباته على مصر وشخصيتها، حيث درس القاهرة، وسيناء تفصيلا في كتابين له، إنما درس جغرافيّة ليبيا وأصدر كتابا عنها، ودرس أيضا جغرافية العالم الإسلامي، وأصدر عدة كتب متنوعة عن اليهود.
وقد يكون حمدان هو من حرم نفسه- حسبما يذهب واحد من محبي عبد الناصر وزمنه، وهو السياسي المعارض والعميد المتقاعد محمد بدر- من أن يكون هناك تيار سياسي واجتماعي يحمل أفكاره، ويعتبره منظّره أو مفكره وفيلسوفه، فحمدان وقت أن أنتج أفكاره هذه كان بمعزل عن مجرى الحياة المتدفق، لم يحتك بالناس، ويقف على احتياجاتهم وشواغلهم وطموحاتهم وموقفهم مما يحدث، ويتصدى لمن وما يضنيهم. ورغم أنه قد حرك الجغرافيا برصد تفاعلاتها مع التاريخ، فإنه لم يلتفت بالقدر الكافي إلى أن هذا التاريخ ممتد ومستمر حتى اللحظة التي يعيش فيها هو، وأن على المثقف أو المنظر أن يسهم في صناعة هذا التاريخ ولو بقدر بسيط.
ورغم أن حمدان بنزاهته وزهده وإخلاصه للمعرفة يبدو نموذجا مغريا لأي تيار سياسي قد يحيل إليه، سواء كان تيارا يؤمن بالمسار المختلف للأمة المصرية أو حتى التيار العروبي، فإنه لم يكن ذلك المثقف العضوي الذي يرد اسمه على الأذهان في وقت الملمات والمشكلات، فيما تعاملت السلطة السياسية مع منتجه المعرفي منذ ظهور كتابه: “شخصية مصر” وحتى وقتنا الراهن من منطلق دعائي.
فحين يُراد في وقت من الأوقات تمجيد الدولة يُستدعى حمدان كلافتة، وبشكل سطحي عابر يظلمه، باعتباره ذلك المفكر المأمون جانبه؛ لأنه لم يوغل في انتقاد السلطة، بل برر مسلكها في صيغتها الناصرية، ورأى أن المصريين لم ينشغلوا عبر التاريخ بقضية الحرية، وهذه من أخطائه الجسيمة، قياسا إلى عدد الثورات والانتفاضات والهبات والفورات والتمردات والاحتجاجات التي شهدها التاريخ المصري، وكان مطلب الحرية والاستقلال موجودا فيها، إلى جانب العدل الاجتماعي والكرامة.
راجع حمدان بعض أفكاره هذه، لا سيما فيما يتعلق بأهمية الحرية، كما يدل على هذا كتاب نشره أخوه بعد وفاته بعنوان: “جمال حمدان: صفحات من أوراقه الخاصة”، وضم تعليقات وخواطر وتصورات وآراء شجاعة متناثرة بعيدا عن صياغة كتبه العلمية والفكرية، وجدها في كراسة بدرج مكتبه، لكن الحضور الكثيف لنصوصه الأولى، ظل محل إغراء لكل من يستدعيه لخدمة سلطة، زعما بأن نصه عاطفي تمجيدي لا يلتفت لمطالب الناس، رغم أن الرجل لم يقصد هذا أبدا، بل كان هو واحد من ضحايا السلطة في تراتبيتها على المستوى الوسيط المتمثل في البيروقراطية الجامعية.
ولا يمكن في هذا المقام إنكار ظلم مبرر، ولا سبيل لنكرانه، يتعامل مع حمدان على أنه ابن زمنه، إذ إن تصوره الذي منحه كل هذا الاعتماد والرسوخ عن “الشخصية الوطنية” لم يكن سوى صرعة شوفينية الطابع، حيث تبنى كثيرون هذا التصور لأمم أخرى مثلما كتب سيريل فوكس عن “شخصية بريطانيا”، وفرنان بروديل عن “هوية فرنسا”، وكل هذا لا يعدو أن يكون في نظر فكري حسن سوى “مفاهيم لا تتسم بالدقة، أو المعنى القويم؛ لأنها منحوتة من مفاهيم مختلطة عن الخصائص السيكولوجية الثابتة للشعوب، وعن التطابق بين الدولة القومية والشعب بكل أطيافه وفئاته، وعن التجانس الثقافي لكل شعب، مما يؤدي إلى إشكاليات نظرية ومنهجية عويصة”.
لكن حمدان نفسه لم ينكر في مقدمة كتابه كل هذا، بل تحدث عن مصريين مثله سلكوا الدرب نفسه من زوايا مختلفة، مثلما فعل شفيق غربال في “تكوين مصر عبر العصور”، وصبحي وحيدة في كتابه “في أصول المسألة المصرية”، وحسين مؤنس في “مصر ورسالتها”، وحسين فوزي في “سندباد مصري”.
ولم يقف حمدان وقتها عند ما سيقال عن كتابه لاحقا، مثلما ذهب فكري حسن حين قال إن “شيوع المصطلح واستخداماته في مصر يرتبط بعواطف قومية، ونزعات تنبثق من تاريخنا الحديث“، وإن “شخصية مصر” عبارة شعرية بلا معنى، فلا يوجد لأرض ما أو موطن ما، شخصية إلا مجازا”، وأنه “لا يوجد حسم جغرافي يرسم ملامح شخصية دولة أو أمة”. فقد بدا حمدان هنا مثقفا تعنيه المساهمة في إنقاذ بلاده في لحظة يأس، بالنفخ في روحها، أكثر من انشغاله بالحقائق المادية المباشرة، أو التفكير العلمي المجرد، إنما هي الجغرافيّة الحية، أو جغرافية الحياة، حسب تعبيره هو.