












روكب اليوم
في الرابع من يوليو/تموز 2026، احتفلت الولايات المتحدة بمرور 250 عاما على إعلان استقلالها، وهو الإعلان الذي تبنته 13 مستعمرة عام 1776 معلنة انفصالها عن بريطانيا. وتستدعي تلك المناسبة استحضار قصة بناء القوة العسكرية الأمريكية، وكيف تحولت مجموعة من الميليشيات المتفرقة، التي لا تملك جيشا نظاميا ولا صناعة حربية متطورة، ولا أسطولا بحريا قادرا على حماية سواحلها، إلى القوة العسكرية الأبرز في التاريخ الحديث.
ففي بداية الاستقلال نظر الآباء المؤسسون إلى الجيوش النظامية بعين الريبة، ورأوا فيها أداة قد تمهد للاستبداد مستقبلا. ولهذا سارعت الدولة الجديدة، بعد انتهاء حرب الاستقلال، إلى حل معظم الجيش القاري كما كان يُعرف حينها بعد مواجهته لبريطانيا، وعادت للاعتماد على الميليشيات المحلية، بحجة أن المواطن المسلح هو الضامن الأفضل للجمهورية وليس الجيش المحترف.
“نظر الآباء المؤسسون إلى الجيوش النظامية بعين الريبة، ورأوا فيها أداة قد تمهد للاستبداد مستقبلا”
لكن الدولة التي بدأت رحلتها وهي تخشى بناء جيش دائم أصبحت، بعد قرنين ونصف، تمتلك أكبر مؤسسة عسكرية في العالم؛ وتحتفظ بقوات وقواعد عسكرية منتشرة في عشرات الدول، وتقود شبكة من التحالفات الأمنية تمتد من أوروبا إلى شرق آسيا، فيما أصبحت قواتها البحرية والجوية قادرة على العمل في شتى أنحاء الأرض. وحدثت تلك التطورات نتيجة سلسلة طويلة من الحروب والتجارب والإصلاحات المؤسسية، التي شكلت مفهوم القوة العسكرية الأمريكية وأنضجته.
وكانت العلاقة بين القوة العسكرية وصعود أمريكا بمثابة الخيط الذي انتظم حوله التاريخ الأمريكي الحديث، فقد وُلِد الاستقلال من رحم حرب. ثم أتى التوسع من المحيط الأطلسي إلى الهادئ عبر سلسلة من الحروب ضد السكان الأصليين، ثم الحرب مع المكسيك، إضافة إلى صفقات شراء الأراضي.
اقرأ أيضا
list of 2 itemsend of listوقد صُهِرَت وحدة البلاد في أتون الحرب الأهلية منتصف القرن التاسع عشر، وبعد ذلك خروجت الولايات المتحدة من عزلتها القارية إلى المسرح العالمي عبر حرب مع إسبانيا تخلَّلها غزو الفلبين، ثم عبر الانخراط في الحربيْن العالميتيْن. وكانت هيمنة واشنطن بعد سقوط الاتحاد السوفياتي ثمرة خمسة عقود من الاستثمار والتطوير العسكري، التي تركت أثرها في التحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية الكبرى في أمريكا، من إلغاء العبودية إلى فرض ضريبة الدخل، ومن حق المرأة في التصويت إلى حركة الحقوق المدنية. ولهذا يصعب، فهم التاريخ الأمريكي بمعزل عن تاريخ مؤسسته العسكرية.
“كانت هيمنة واشنطن بعد سقوط الاتحاد السوفياتي ثمرة خمسة عقود من الاستثمار والتطوير العسكري”
ومع ذلك، فإن مسار القوة العسكرية الأمريكية لم يكن خطيا أو ثابتا. فقد انتقلت الولايات المتحدة من جيش صغير يعتمد على التعبئة المؤقتة في أوقات الحرب، إلى قوة بحرية عالمية مع نهاية القرن التاسع عشر، ثم إلى ترسانة صناعية حسمت الحربيْن العالميتيْن، كما امتلكت خلال الحرب الباردة لأول مرة في تاريخها جيشا دائمًا واسع الانتشار. ومع نهاية القرن العشرين، بدا أن الولايات المتحدة بلغت ذروة تفوقها العسكري، غير أن حربي أفغانستان والعراق، ثم صعود الصين بوصفها منافسًا إستراتيجيا، أعادتا طرح أسئلة جديدة حول طبيعة القوة العسكرية الأمريكية وحدودها في القرن الحادي والعشرين.
الجذور الميليشياوية
حمل المستوطنون الأوائل الذين عبروا المحيط الأطلسي قدوما من بريطانيا تقليد “الفيرد الأنجلوسكسوني” (Fyrd) الذي ألزم كل رجل حر قادر على حمل السلاح، بين عُمر السادسة عشرة والستين، بالدفاع عن مجتمعه، وأصبح هذا النظام جزءًا من الثقافة السياسية التي ربطت الحرية الفردية بحق حمل السلاح والخدمة العسكرية. ووفقا لذلك أسسوا نظام الميليشيات الذي شكَّل، لأكثر من قرن ونصف، العمود الفقري للدفاع في المستعمرات الثلاث عشرة على ضفاف المحيط الأطلسي، والذي يُعتبر سلف الحرس الوطني الأمريكي الحالي. وكانت كل مستعمرة تُلزم كل رجل حر بالتدريب الدوري وتوفير سلاحه الخاص والاستعداد للاستدعاء الفوري.
تشير التقديرات إلى أن عدد السكان الأصليين كان يناهز 4 ملايين نسمة عند اكتشاف كولومبوس للقارة الأمريكية، مُوزعين على 3 آلاف قبيلة، ويتحدثون أكثر من 2200 لغة ولهجة مختلفة، ومن ثم حدثت حروب بين المستوطنين الوافدين من أوروبا وبين السكان الأصليين الذين اعتمدوا التخفي والمباغتة، بدلًا من صفوف المشاة المفتوحة التي اعتادت عليها الجيوش الأوروبية آنذاك، ما دفع المستوطنين إلى تكييف تكتيكاتهم. وقد وُلِد لاحقا من هذا الاحتكاك أسلوب قتال أمريكي لا يزال أثره حاضرًا في مدرسة “الرينجرز” بالجيش، التي تستلهم تقاليدها من الضابط الاستعماري روبرت روجرز الذي شكَّل وحدات تحاكي تكتيكات الشعوب الأصلية.
“انخرطت المستعمرات الأمريكية في سلسلة من الحروب الإمبريالية بين بريطانيا وفرنسا وإسبانيا”
بالتوازي مع الحروب ضد الشعوب الأصلية، انخرطت المستعمرات في سلسلة من “الحروب الإمبريالية” بين بريطانيا وفرنسا وإسبانيا، امتدادًا للصراعات الأوروبية حول السيطرة على القارة الجديدة. ومنحت هذه الحروب المتعاقبة -من حرب الملك ويليام إلى حرب السنوات السبع المعروفة أمريكيًا باسم “الحرب الفرنسية والهندية”- خبرة قتالية لجيل من القادة الأمريكيين المستقبليين، ومن بينهم جورج واشنطن، قبل أن تندلع شرارة حرب الاستقلال في مواجهة التاج البريطاني.
حرب الاستقلال وتشكيل الجيش القاري
وُلِدَت الثورة الأمريكية من رحم صراع مع الإمبراطورية البريطانية، وكانت إحدى الشكاوى الرئيسة للمستوطنين أن لندن أبقت قوات بريطانية نظامية داخل المستعمرات بعد انتهاء الحرب مع الهنود ومع فرنسا التي كان لها وجود في كندا الفرنسية (كيبيك اليوم)، واستخدمت تلك القوات لتنفيذ السياسات الضريبية التي فرضها البرلمان البريطاني على الأمريكيين بحجة المساهمة في تحمل تكاليف الحرب، ما أسهم في إشعال حرب الاستقلال.
ومن هنا نشأت إحدى مفارقات التاريخ الأمريكي. فقادة الثورة رأوا في الجيش الدائم تهديدا للحريات، لكنهم اكتشفوا أنهم لا يستطيعون هزيمة أقوى إمبراطورية في عصرهم بالاعتماد على ميليشيات المتطوعين التابعة للولايات. ولذلك قرر المؤتمر القاري في يونيو/حزيران 1775 إنشاء الجيش القاري، وأسند قيادته إلى جورج واشنطن، لتوضع أول لبنة في مسار بناء مؤسسة عسكرية نظامية أمريكية.
“قادة الثورة رأوا في الجيش الدائم تهديدا للحريات، لكنهم اكتشفوا أنهم لا يستطيعون هزيمة أقوى إمبراطورية في عصرهم بالاعتماد على ميليشيات المتطوعين”
ضم الجيش القاري خليطا من الفارين من صفوف الجيش البريطاني، والعاطلين عن العمل، والعمال المتعاقدين، والسود الأحرار، وآخرين مُنحوا حريتهم مقابل الخدمة، وصولا إلى بعض المحكوم عليهم الذين مُنحوا فرصة الخدمة العسكرية بدلا من قضاء العقوبة. ولتعويض النقص المزمن في المجندين، اضطر الكونغرس إلى تقديم حوافز مالية ومنح أراضٍ للمقاتلين، كما رفع قيمة المكافآت مع اشتداد الحرب.
وفي تلك الآونة برز الافتقار إلى مصانع السلاح، وإلى جهاز إداري قادر على تموين جيش كبير، فضلًا عن نقص وسائل النقل. ولهذا ظل الاعتماد على ميليشيات الولايات ضرورة لا غنى عنها، إذ كان استدعاؤها لأسابيع قليلة أسهل من تمويل جيش نظامي يتحرك باستمرار في الميدان. ومع ذلك، أصبح الجيش القاري مركز المقاومة الأمريكية، بينما صار جورج واشنطن رمزا للوحدة الوطنية في مواجهة بريطانيا.
ولأن الجيش كان أول مؤسسة اتحادية حقيقية، حرص الكونغرس على بناء الأجهزة التي تديره، فأنشأ عام 1776 مجلس الحرب والذخائر للإشراف على التنظيم والتسليح والتمويل، ثم استبدله بمنصب وزير الحرب عام 1781، في خطوة مثلت البداية الفعلية لبناء جهاز عسكري فيدرالي مستقل عن حكومات الولايات، وهي بذرة تطورت لاحقًا إلى وزارة الحرب، ثم وزارة الدفاع الأمريكية، قبل أن تعود إلى اسم وزارة الحرب مجددا عام 2025.
من جانبه، خرج جورج واشنطن من تجربته في القتال مقتنعًا بأن “الانضباط هو روح الجيش؛ فهو يجعل الأعداد القليلة قوة هائلة، ويحقق النصر للضعفاء، ويُكسب الجميع الاحترام”. وانطلاقًا من هذه القناعة، عمل على تحويل تجمع غير متجانس من المتطوعين إلى جيش منظم، فأرسى نظامًا دقيقًا لسجلات القوات ونظم القيادة ولوائح الخدمة، وسعى إلى الحد من التنقل العشوائي للضباط والجنود، واضعًا بذلك الأسس المهنية للمؤسسة العسكرية الأمريكية.
“جاء نجاح الثورة الأمريكية نتيجة عملية قاسية من التعلم والتكيف”
وجاء نجاح الثورة نتيجة عملية قاسية من التعلم والتكيف. فقد حاول البريطانيون في البداية حصر التمرد داخل مستعمرة “نيو إنجلاند”، ثم انتقلوا إلى إستراتيجية أكثر طموحًا تقوم على تدمير جيش جورج واشنطن واحتلال المراكز السياسية الرئيسة. وكادت هذه الخطة تنجح خلال حملة نيويورك عام 1776، عندما سعى الجنرال ويليام هاو إلى تطويق الجيش القاري والقضاء عليه.
لكن واشنطن نجح في الحفاظ على قواته، وتبنى إستراتيجية تقوم على تجنب القتال في معارك كبيرة وجهًا لوجه، والاعتماد على الصمود، واستنزاف الإرادة البريطانية، واستثمار المسافة الشاسعة والجغرافيا الوعرة لصالح الثوار. وأخيرا شكَّل الانتصار في معركة ساراتوغا عام 1777 نقطة تحول أقنعت فرنسا بالدخول إلى الحرب إلى جانب الأمريكيين في ظل قناعتها بإمكانية المراهنة عليهم، وهو تدخل غيَّر ميزان القوى وساهم في هزيمة القوات البريطانية.
وقد حمل الاستقلال معه وعيًا مبكرًا بأهمية بناء قاعدة صناعية عسكرية وطنية. فقد حثَّ ألكسندر هامِلتون منذ عام 1783 على “التصنيع الحكومي للأسلحة والبارود”، إيمانًا منه بأن استقلال أمريكا الحقيقي مشروط باستقلالها في تصنيع سلاحها. واستجاب الكونغرس بإنشاء أول ترسانة أسلحة وطنية في سبرينغفيلد بولاية ماساتشوستس عام 1794 واضعا البذرة الأولى لما سيصبح في القرن العشرين أضخم مجمع صناعي عسكري عالميًا.
ومع انتهاء حرب الاستقلال، تجلت سمة تلازم المؤسسة العسكرية الأمريكية حتى يومنا هذا، وهي التوسع الكبير في زمن الحرب، والانكماش السريع بعد انتهائها. فبمجرد توقيع معاهدة السلام، سُرِّح الجيش القاري في ظل قناعة الآباء المؤسسين بأن الجيوش الدائمة الكبيرة تهدد الحرية بقدر ما تحميها.
ولكن بعد 3 عقود فقط من الاستقلال دفعت أمريكا ثمن اعتمادها المفرط على الميليشيات المحلية وضعف جيشها النظامي في حرب عام 1812 مع بريطانيا، حيث أحرقت القوات البريطانية المباني الحكومية في واشنطن، بما فيها البيت الأبيض ومبنى الكابيتول عام 1814. وكانت تلك الحرب، رغم انتهائها بتعادل عسكري، درسًا قاسيًا في خطأ الاعتماد على قوة عسكرية مرتجلة، ودفعت الكونغرس إلى تعزيز الجيش النظامي الدائم بدلًا من الاتكال على متطوعي الولايات.
التوسُّع القاري
بين عامي 1775 و1898، لعبت المؤسسة العسكرية الأمريكية، ممثلة في الميليشيات ثم الجيش النظامي، دورا محوريا في ثلاث مهام رئيسة: تأمين الاستقلال وترسيخه، وتوسيع حدود البلاد من المحيط الأطلسي إلى الهادئ، والحفاظ على وحدة الاتحاد في أخطر أزماته الداخلية أثناء الحرب الأهلية.
قدر توماس جيفرسون أن استيطان القارة الأمريكية سيستغرق 100 جيل، لكنه استغرق 5 أجيال فقط، بفضل موجات متلاحقة من الحروب مع الشعوب الأصلية امتدت من سواحل نيو إنجلاند إلى جبال روكي. ويُنظر عادة إلى مذبحة “الركبة الجريحة” (Wounded Knee) عام 1890 بوصفها نهاية حروب الهنود الأمريكيين. في هذه الأثناء، خاضت أمريكا حربا مع المكسيك بين عامي 1846 و1848 انتهت باحتلال العاصمة المكسيكية، وانتزعت بها أمريكا مساحات شاسعة من الجنوب الغربي منها ولاية كاليفورنيا، ورسَّخت وجودها بين ساحلي المحيطين الأطلسي والهادئ.
لكن الاختبار الأخطر جاء من الداخل، حين اندلعت الحرب الأهلية بين عامي 1861 و1865 بسبب قضية العبودية والوحدة، وكانت تلك أول حرب صناعية واسعة النطاق في التاريخ الأمريكي، حيث شملت تعبئة جماهيرية واسعة، وشهدت استخدام السكك الحديدية لنقل الجيوش، والصناعة الثقيلة لتغذية آلة الحرب، مع حصيلة بشرية هائلة تجاوزت كل ما شهدته القارة من قبل، حيث أودت بحياة 750 ألف شخص.
نقل الجنوبيون الكونفدراليون عاصمتهم إلى ريتشموند بولاية فرجينيا، حيث كانت أهم مركز صناعي في مناطق سيطرتهم، بينما حاز الشماليون الاتحاديون تفوقا كبيرا منذ البداية من حيث القدرة الإنتاجية والقوى العاملة والإمكانات الصناعية. وكان هذا التفاوت الصناعي عاملا حاسما في نهاية المطاف، لذا رسَّخت الحرب لدى النخب الأمريكية قناعة بأن القوة العسكرية قادرة على تحقيق الأهداف الوطنية الكبرى. ومنذ ذلك الحين، تشكَّلت الثقافة الإستراتيجية الأمريكية حول فكرة النصر الكامل، مع تفضيل إنهاء الحروب بسرعة.
بحلول نهاية القرن التاسع عشر، أنجزت أمريكا مشروعها القاري، وشهدت تطورات اقتصادية وصناعية هائلة. فقد أصبحت المصانع الأمريكية تنتج أكثر مما يستوعبه السوق المحلي، وبدأت النخب السياسية والاقتصادية تنظر إلى البحار بوصفها طريقا إلى الأسواق العالمية، لا حاجزا يحمي القارة. ومن ثم اكتسبت أفكار الضابط البحري ألفرد ثاير ماهان تأثيرا هائلا، إذ جادل بأن السيطرة على البحار هي مفتاح القوة العالمية، وأن الدولة التي تريد حماية تجارتها ومصالحها الخارجية تحتاج إلى أسطول قوي وقواعد بحرية منتشرة عبر المحيطات. ولم تمض سنوات حتى تحولت هذه الأفكار إلى واقع.
“رأي ألفرد ثاير ماهان أن السيطرة على البحار هي مفتاح القوة العالمية”
كانت الولايات المتحدة آنذاك، من الناحية العسكرية، لاعبا غير فاعل على المسرح الدولي. لكن الحرب مع إسبانيا، التي كانت تحتل كوبا حينها، عقب انفجار البارجة الأمريكية “يو إس إس مين” (USS Maine) في ميناء هافانا، الذي اتهمت الصحافة الأمريكية إسبانيا بالمسؤولية عنه، غيَّر هذه المعادلة. وقد قام المخطط الأمريكي للحرب على استخدام البحرية، فقد رأت واشنطن أن فرض حصار على كوبا، مع استمرار ضغط الثوار الكوبيين على القوات الإسبانية، كفيل بإجبار مدريد على التراجع، ولم يكن متوقعًا في البداية أن يخوض الجيش الأمريكي عمليات برية كبيرة.
في الأول من مايو/أيار 1898، قاد الضابط جورج ديوي سربًا أمريكيًا صغيرًا إلى خليج مانيلا في الفلبين، حيث دمر الأسطول الإسباني من دون أن يفقد أي بحار أمريكي حياته أثناء الاشتباك. وأصبح هذا الانتصار حدثا سياسيًا ونفسيًا ضخمًا داخل الولايات المتحدة؛ إذ أشعل الحماسة الشعبية للحرب، وأظهر للمرة الأولى قدرة البحرية الأمريكية على خوض عمليات قتالية بعيدا عن السواحل الأمريكية.
ونظرا لأن الجيش لم يكن مجهزًا لنقل قوات كبيرة عبر المحيط أو لإدارة حملة استعمارية بعيدة، حيث اقتصر حجمه على 28 ألف جندي ينتشر معظمهم على الحدود الغربية، فقد اضطر الرئيس ويليام ماكينلي إلى تعبئة مئات الآلاف من المتطوعين، حتى ارتفع عدد القوات إلى نحو 275 ألف جندي، بينهم 59 ألفا من القوات النظامية و216 ألفا من المتطوعين، وافتقر معظم هؤلاء إلى أي خبرة عسكرية تذكر.
واجه هذا الجيش صعوبات كبيرة في الإمداد والتموين، حتى إن كثيرًا من الجنود افتقروا إلى احتياجات أساسية مثل الأحذية والجوارب والملابس الداخلية، كما عانت المعسكرات من سوء التغذية وتردي الأوضاع الصحية، فقد مرض آلاف المتطوعين ومات المئات منهم قبل أن يخوضوا معركة واحدة.
ومع ذلك، انتهت الحرب بانتصار أمريكي حيث تخلت إسبانيا عن سيادتها على كوبا، التي أصبحت تحت الاحتلال الأمريكي المؤقت قبل إعلان استقلالها لاحقا. كما تنازلت إسبانيا عن بورتوريكو وغوام لأمريكا، وباعت الفلبين بعد حرب دامية بعشرين مليون دولار. وهكذا تحولت الولايات المتحدة من جمهورية قارية إلى قوة استعمارية لها ممتلكات في الكاريبي والمحيط الهادئ.
“بعد الحرب مع إسبانيا، تحولت الولايات المتحدة من جمهورية قارية إلى قوة استعمارية لها ممتلكات في الكاريبي والمحيط الهادئ”
وفي الفلبين، استولى الأمريكيون على مانيلا، لكنهم سرعان ما دخلوا في مواجهة مع الحركة الوطنية الفلبينية بقيادة إميليو أغينالدو، التي أعلنت استقلال البلاد بعد انهيار السلطة الإسبانية. وقد خاض الجيش الأمريكي حرب عصابات مريرة ضد الثوار الفلبينيين الذين شاركوه سابقا القتال ضد الإسبان، واستخدم الأمريكيون أساليب قاسية في مكافحة التمرد، شملت إعادة توطين السكان، والعقاب الجماعي، وسياسات الأرض المحروقة في بعض المناطق، وهي تكتيكات طُبقت لاحقًا في فيتنام والعراق.
لكن الأهم في نتائج الحرب الفلبينية أن أمريكا، منذ عام 1898، أصبحت قوة لها مصالح ومسؤوليات تتجاوز القارة الأمريكية، ولم يعد الجيش الأمريكي مؤسسة مكرسة للدفاع عن القارة وتوسيع حدودها الداخلية، بل انتقل دوره ليصبح أداة لحماية المصالح الأمريكية عبر البحار، ما سيدفع واشنطن، على مدار العقود التالية، إلى بناء أسطول عالمي، وتشييد قواعد خارجية، وربط القوة العسكرية بالسياسة الخارجية على نحو لم تعرفه الولايات المتحدة من قبل.
الحرب العالمية الأولى
رغم أن الحرب الإسبانية الأمريكية وضعت الولايات المتحدة على طريق القوة العالمية، فإن جيشها ظل، حتى مطلع القرن العشرين، صغيرا مقارنة بالجيوش الأوروبية، فقد بلغ قوام الجيش النظامي الأمريكي عام 1914 نحو 100 ألف جندي فقط، فضلا عن 15 ألفا من مشاة البحرية. ولم يكن الأمريكيون يرون ضرورة للاحتفاظ بقوات ضخمة في زمن السلم، وظل الاعتقاد السائد هو أن البلاد تستطيع تعبئة جيشها متى اندلعت الحرب، ثم تعود إلى تسريحه بمجرد انتهائها.
حين اندلعت الحرب العالمية الأولى في أوروبا عام 1914، حافظت أمريكا على حيادها لثلاث سنوات. وعندما دخلتها في أبريل/نيسان 1917، عقب إغراق الغواصات الألمانية لسفن تجارية أمريكية، ومحاولة ألمانيا دفع المكسيك لشن حرب على الولايات المتحدة، واجهت واشنطن تحديًا غير مسبوق. فقد كان عليها أن تنقل أعدادًا ضخمة من الجنود عبر المحيط الأطلسي، وأن تؤسس جيشًا قادرًا على القتال إلى جانب البريطانيين والفرنسيين في حرب شرسة.
في أقل من عامين، نقلت واشنطن إلى أوروبا أكثر من مليوني جندي، شارك منهم نحو 1.2 مليون في العمليات القتالية، واكتسب ضباطها خبرة في قيادة الجيوش الكبيرة، وأصبحت التعبئة الصناعية واللوجستية جزءًا من التفكير العسكري الأمريكي مع رفع الإنفاق العسكري كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي من 1% إلى ما يقارب 14% خلال السنوات المالية الأربع التي تلت عام 1915. وكانت تلك الحرب مدرسة تعلمت فيها الولايات المتحدة كيف تُنشئ جيشًا يعمل في مسرح عمليات عالمي.
“كانت الحرب العالمية الأولى مدرسة تعلمت فيها الولايات المتحدة كيف تُنشئ جيشا يعمل في مسرح عمليات عالمي”
لكن المفارقة تكررت مرة أخرى بعد انتهاء الحرب. فبدلا من الاحتفاظ بالجيش الذي بنته، سارعت واشنطن إلى تقليص قواتها، وعادت إلى الاقتصاد في الإنفاق العسكري. وبين عاميْ 1921 و1936، تبنَّت الحد من التسلُّح والابتعاد عن الالتزامات المُعقدة مع “العالم القديم”، وقادت مؤتمر واشنطن البحري عام 1922 الذي فرض قيودًا على سباق التسلح البحري.
لكم من جهتها، أدركت المؤسسة العسكرية أن الحرب المقبلة لن تشبه الحرب السابقة، وعكفت طوال عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين على إعداد خطط تعبئة أكثر طموحًا، وتطوير مناهج التدريب، وإعادة تنظيم الوحدات، والربط بين التخطيط العسكري والقدرة الصناعية للدولة. وقد عمل القانون الوطني للدفاع الصادر عام 1920 على إعادة تنظيم الجيش الأمريكي على أساس ثلاثي: الجيش النظامي الدائم، والحرس الوطني، وقوات الاحتياط المنظمة. كما وُلد سلاح الجو كقوة قتالية تابعة للقوات البرية في عام 1926. كما وضعت وزارة الحرب خطة التعبئة الصناعية لعام 1930، ثم خطة التعبئة الوقائية لعام 1937، اللتيْن نظمتا لأول مرة تحويل الاقتصاد الأمريكي إلى اقتصاد حرب، وحدَّدتا مراحل استدعاء الحرس الوطني.
الحرب العالمية الثانية.. ميلاد القوة العظمى
إذا كانت هناك لحظة واحدة يمكن تحديدها بدقة بوصفها نقطة الميلاد الفعلي لأمريكا كقوة عظمى عسكريا، فهي الحرب العالمية الثانية. فقد انتقلت واشنطن من امتلاك جيش قوامه 190 ألف جندي فقط عام 1939، إلى قوة بلغت في ذروتها 8.3 مليون جندي عام 1945؛ أي زيادة بأكثر من 40 ضعفا في ست سنوات. وخدم خلال الحرب نحو 16 مليون أمريكي في صفوف القوات المسلحة، ونُقل ملايين منهم إلى ساحات القتال في أوروبا وشمال أفريقيا والمحيط الهادئ في آن واحد في إنجاز لوجستي نادر.
وقد تخلَّت الولايات المتحدة خلال الحرب عن تنظيم “الفرقة المربعة” (تتألف من 4 ألوية) الضخم الذي ورثته من الحرب العالمية الأولى، واعتمدت عام 1940 “الفرقة المثلثة” (3 ألوية) الأكثر مرونة في الحركة والمناورة، حيث خُفض قوام الفرقة من نحو 25 ألف جندي إلى 15 ألفًا، مع الاعتماد على النقل الآلي، وإتاحة إمكانية إلحاق وحدات مدرعة أو مدفعية بها بحسب طبيعة المهمة. وقد أثبت هذا التنظيم نجاحه في أوروبا والمحيط الهادئ، وظل مُعتَمدا في الجيش الأمريكي بعد الحرب.
“ارتفعت حصة الإنفاق العسكري الأمريكي من الناتج المحلي الإجمالي إلى ما يقارب 40% في ذروة الحرب”
وعلى الصعيد الاقتصادي والصناعي ارتفعت حصة الإنفاق العسكري الأمريكي من الناتج المحلي الإجمالي إلى ما يقارب 40% في ذروة الحرب. وسُخرت مصانع السيارات والصلب والطائرات والإلكترونيات لخدمة المجهود الحربي، ووُلِد في هذه السنوات ما سيُعرف لاحقًا بـ”المجمع الصناعي العسكري” الذي تشكل من شبكة تربط الجيش بالجامعات والصناعات. وأصبح الجيش الأمريكي، بعد 1945 محركا للابتكار العلمي والتقني في البلاد.
انتهت الحرب وأمريكا هي القوة الاقتصادية والعسكرية الوحيدة التي خرجت من الصراع أقوى مما دخلته، بينما كانت أوروبا واليابان أنقاضا، والاتحاد السوفياتي ينزف رغم انتصاره. وكانت هذه المرة الأولى التي واجهت فيها واشنطن المفاضلة بين العودة إلى العزلة أو تولي دور القيادة العالمية، فاختارت الخيار الثاني.
الحرب الباردة وولادة الجيش العالمي
قبل عام 1945، عاش الجيش الأمريكي دورة متكررة. فعندما تندلع أزمة كبرى، تبادر واشنطن إلى تعبئة ملايين المواطنين، ثم لا تلبث أن تُسرِّح معظمهم مع انتهاء القتال، لتحتفظ بقوات نظامية صغيرة في زمن السلم. واستمر هذا النمط منذ حرب الاستقلال مرورًا بالحرب الأهلية وحتى الحرب العالمية الأولى، وبات جزءا من الثقافة السياسية الأمريكية التي نظرت إلى الجيوش الضخمة الدائمة على أنها عبء مالي، وخطر على الجمهورية. لكن الحرب العالمية الثانية أنهت هذا التقليد الذي استمر قرابة قرنين. فرغم تراجع حجم القوات البرية الأمريكية من 8 ملايين شخص و89 فرقة عام 1945، إلى 591 ألفا و10 فرق فقط عام 1950، احتفظت الولايات المتحدة بشبكة من القواعد والتحالفات والقوات المنتشرة حول العالم: من ألمانيا إلى اليابان وكوريا الجنوبية.
ويصف الدبلوماسي الأمريكي جورج كينان ما حدث بقوله إن “الدولة التي لم يخطر ببالها عام 1900 أن ازدهارها أو أسلوب حياتها يمكن أن يتعرَّضا لأي تهديد من العالم الخارجي، وجدت نفسها بحلول عام 1950 في وضع لم تعد تفكر فيه تقريبًا إلا في هذا الخطر”.
“أصبح الأمن الأمريكي، في ظل التنافس مع الاتحاد السوفياتي، مرتبطا بما يجري في أوروبا وشرق آسيا والشرق الأوسط”
وقد أصبح الأمن الأمريكي، في ظل التنافس مع الاتحاد السوفياتي، مرتبطا بما يجري في أوروبا وشرق آسيا والشرق الأوسط. ولم يكن السبب امتلاك الاتحاد السوفياتي جيشا ضخما فحسب، إذ ظهر عصر جديد من التهديدات العابرة للقارات، بدأ بالسلاح النووي، ثم الصواريخ الباليستية، وانتهى بتنافس عالمي امتد من برلين إلى كوريا وفيتنام. ولهذا تخلت واشنطن عن التعبئة المؤقتة، وقررت الاحتفاظ بقوات برية وبحرية وجوية كبيرة في حالة جاهزية دائمة، قادرة على التدخل الفوري في أي مسرح عمليات حول العالم، والعمل جنبا إلى جنب مع قوات الحلفاء.
ولتحقيق ذلك، أقر الكونغرس في عام 1947 قانون الأمن القومي الذي أعاد تنظيم المؤسسة العسكرية بصورة جذرية. فقد أُنشئت وزارة الدفاع بصيغتها الحديثة، وتأسس مجلس الأمن القومي لتنسيق السياسات وتقديم المشورة إلى الرئيس، كما أُنشئت وكالة الاستخبارات المركزية، وفُصل سلاح الجو عن القوات البرية، وأسست هذه الإصلاحات لنظام يربط التخطيط العسكري بالاستخبارات والسياسة الخارجية والقدرات الصناعية.
وبالتوازي مع إعادة تنظيم المؤسسات الأمريكية، شرعت الولايات المتحدة في بناء شبكة من التحالفات العسكرية. ففي عام 1947، أُقِرَّت “معاهدة ريو” كأول اتفاقية دفاع جماعي إقليمية في نصف الكرة الغربي. وفي عام 1948، خاض الجيش والقوات الجوية الأمريكية عملية النقل الجوي إلى برلين المحاصرة من طرف السوفيات، في أول اختبار للإرادة الأمريكية أمام النفوذ السوفياتي. وفي أبريل/نيسان 1949، رعت الولايات المتحدة تأسيس حلف شمال الأطلسي (الناتو)، في خطوة كسرت تقليدا أمريكيا يقضي بتجنب التحالفات الدائمة مع القوى الأجنبية، كما أبرمت معاهدات دفاعية مع اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ودول أخرى، وانتشرت القواعد الأمريكية في أوروبا وآسيا. وهكذا تشكَّل نظام أمني عالمي، يقوم على الردع، والانتشار المتقدم، والقدرة على خوض الحرب بعيدا عن الأراضي الأمريكية.
“بدلا من انتظار اندلاع القتال ثم استدعاء المجندين، أصبحت الولايات المتحدة تحافظ على قوات كبيرة”
وبدلا من انتظار اندلاع القتال ثم استدعاء المجندين، أصبحت الولايات المتحدة تحافظ على قوات كبيرة، وأساطيل بحرية تجوب المحيطات، وقاذفات إستراتيجية في حالة تأهب، وترسانة نووية قادرة على الرد الفوري. كما أصبحت التكنولوجيا جزءًا لا يتجزأ من مفهوم القوة العسكرية. ففي الحرب العالمية الثانية، نظَّم مركز أبحاث وتطوير الدفاع الوطني تعبئة للعلماء الأمريكيين بلغت نحو 30 ألف فيزيائي وكيميائي ومهندس ورياضي جُنِّدوا بتمويل حكومي. ومن رحم هذا التعاون وُلد مشروع مانهاتن والقنبلة الذرية، ووُلدت معه أيضًا مجالات علمية جديدة مثل بحوث العمليات، ونظرية الألعاب، وعلم الصواريخ الذي قاد لاحقًا إلى برنامج الفضاء الأمريكي.
هذا الاندماج بين الجيش والعلم والصناعة، إلى جانب التنافس مع الاتحاد السوفياتي، يفسر لماذا ظل الإنفاق العسكري الأمريكي، حتى في فترات الانكماش، محركًا رئيسيا للابتكار المدني: من تطوير أجهزة الحاسب الأولى بتمويل من مكتب البحوث البحرية، إلى شبكات الاتصال التي مهدت لاحقا لظهور الإنترنت.
حدود القوة في كوريا وفيتنام
كانت الحرب الكورية بين عاميْ 1950 و1953 أول اختبار حقيقي للنظام الأمني الذي أنشأته الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، فقد أثبتت أن أمريكا مستعدة لخوض حروب محدودة دفاعًا عن نظام التحالفات الذي بنته، وذلك رغم الخسائر التي تكبدتها وبلغت 34 ألف قتيل، وانتهاء الحرب عند خط العرض 38 الذي بدأت عنده. وأثناء الحرب طوَّرت القوات الجوية قاذفاتها الإستراتيجية العابرة للقارات، وسعت البحرية إلى تطوير صاروخ “بولاريس” النووي، الذي يُطلق من الغواصات، بينما عمل الجيش على دمج الأسلحة النووية التكتيكية في ساحة المعركة. وأصبح الردع النووي العمود الفقري لإستراتيجية أمريكا العالمية طوال عقود الحرب الباردة اللاحقة.
بعد حرب كوريا، أثبتت حرب فيتنام أن التفوق التقني والعددي الأمريكي لا يضمن بالضرورة النصر في حرب طويلة الأمد ضد خصم صلب يقاتل على أرضه. وقد بلغ عدد القوات الأمريكية في فيتنام في ذروته قرابة نصف مليون جندي، لكن الحرب انتهت بانسحاب أمريكي مرير عام 1973، وسقوط سايغون عاصمة فيتنام الجنوبية عام 1975.
وقد مثَّلت فيتنام صدمة مؤسسية عميقة أثرت في تطور الجيش الأمريكي. فقد أُلغي نظام التجنيد الإجباري عام 1973 لصالح جيش تطوعي، ومال استخدام القوة الأمريكية لعقود لاحقة نحو مزيد من الحذر، وترسَّخ في الثقافة الأمريكية ما سُمِّي لاحقًا بـ”متلازمة فيتنام”، ويقصد بها الإحجام عن الانخراط في حروب برية طويلة بلا هدف واضح ونهاية محددة. لكن المفارقة أن هذا الدرس القاسي أنتج، على المدى الطويل، جيشا أمريكيا أكثر احترافية وأفضل تسليحا وتدريبا، وسيظهر تفوقه بعد أقل من عقدين، في حرب الخليج عام 1991.
الهيمنة الأحادية وحدود الاحتلال
مع انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991، لم يعد هناك منافس عسكري للولايات المتحدة، التي أصبحت تمتلك أكبر ميزانية دفاع في العالم، وأقوى بحرية، وأحدث سلاح جو، وأوسع شبكة قواعد وتحالفات، حتى وصف وزير الخارجية الفرنسي الأسبق هوبير فيدرين الولايات المتحدة بأنها “القوة العظمى المفرطة” (Hyperpower) في إشارة إلى أن تفوقها تجاوز المفهوم المعروف للقوة العظمى.
وجاء الإعلان الفعلي عن هذا الواقع الجديد في حرب الخليج الثانية عام 1991، حيث اجتاح تحالف بقيادة أمريكية القوات العراقية في الكويت، بخسائر محدودة للغاية مقارنة بحجم القوات المشاركة، وذلك في استعراض للقوة أبرز التكامل بين الأقمار الصناعية والطائرات الشبحية والأسلحة المُوجَّهة بدقة، وكذلك أنظمة القيادة والسيطرة. وساد الاعتقاد داخل الأوساط العسكرية الغربية بأن العالم دخل عصرًا جديدًا من الحروب، أُطلق عليه “ثورة الشؤون العسكرية”. وبدا أن الولايات المتحدة قادرة على حسم أي حرب بسرعة، مع خسائر بشرية محدودة.
“وصف وزير الخارجية الفرنسي الأسبق هوبير فيدرين الولايات المتحدة بأنها القوة العظمى المفرطة”
لكن العقد التالي كشف أيضًا حدود هذا التفوق التقني. ففي الصومال، انتهت عملية أممية بمشاركة أمريكية بالانسحاب بحلول أوائل عام 1995 بعد أن تكبدت خسائر أهمها مقتل 18 جنديا أمريكيا إثر إسقاط مروحيتين في مقديشيو على يد قوات الجنرال محمد فارح عيديد. وتبين أن أمريكا التي أذهلت العالم في صحراء الخليج، عجزت بعد أعوام معدودة عن فرض الاستقرار في مدينة أفريقية.
ثم أتت هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 وغيَّرت مسار الإستراتيجية الأمريكية جذريا مرة أخرى. فقد شنَّت الولايات المتحدة حربيْن متزامنتيْن طويلتيْ الأمد في أفغانستان والعراق، وسَعَت من خلالهما إلى إبراز قوتها وهيمنتها، فاحتلت أفغانستان في أقل من شهرين ببضع مئات من عناصر القوات الخاصة والاستخبارات الذي عملوا بالتنسيق مع قوات تحالف الشمال، كما سقطت بغداد بعد أقل من شهر في عملية عسكرية سريعة.
ولكن، كما حدث في الفلبين قبل أكثر من قرن، أثبتت المرحلة التالية للانتصار العسكري في الحرب النظامية أنها الجزء الأصعب. فقد تحوَّلت العمليات في العراق وأفغانستان إلى احتلاليْن طويليْن استنزفا القوات الأمريكية لسنوات، أنفقت خلالهما واشنطن تريليونات الدولارات، وفقدت آلاف الجنود، قبل أن تنسحب من أفغانستان عام 2021 بشكل وصفه الجنرال مارك ميلي، رئيس هيئة الأركان المشتركة، أمام الكونغرس في سبتمبر/أيلول 2021، بأنه بهزيمة إستراتيجية للولايات المتحدة، بينما ظل العراق يواجه تحديات أمنية وسياسية.
وقد أعادت التجربتان إحياء الأسئلة التي واجهتها أمريكا في فيتنام والفلبين: هل يمكن للتفوق العسكري وحده أن يبني استقرارًا سياسيًا؟ فالقوة الأمريكية أثبتت مجددا قدرتها على إسقاط الأنظمة، لكنها واجهت صعوبة في بناء أنظمة مستقرة، أو إنهاء الصراعات بالشكل الذي خطط له صانع القرار الأمريكي. وكان ذلك تذكيرًا بأن القوة، مهما بلغت، تظل أداة من أدوات السياسة، وليست بديلًا عنها.
“كانت العراق وأفغانستان تذكيرا بأن القوة، مهما بلغت، تظل أداة من أدوات السياسة، وليست بديلا عنها”
وفي ذات الوقت نفسه، تغيَّرت البيئة الدولية بوتيرة متسارعة. فبينما انشغلت الولايات المتحدة بالحرب على الإرهاب، بنت الصين قوتها العسكرية والاقتصادية بصورة منهجية، فضاعفت إنفاقها الدفاعي، وطوَّرت أسطولا بحريا أصبح الأكبر عددا في العالم، واستثمرت في الصواريخ الفرط صوتية والقدرات الفضائية والحرب السيبرانية والذكاء الاصطناعي، بهدف تقليص الفجوة مع الولايات المتحدة.
ولهذا أعلنت واشنطن في العقد الأخير أن المنافسة مع الصين أصبحت التحدي الإستراتيجي الأول. ومن ثمَّ لم يعد التركيز منصبا على مكافحة التنظيمات الإرهابية وفق التصنيف الأمريكي، وانتقل نحو الاستعداد لاندلاع مواجهة قوة عظمى تمتلك قدرات بحرية وصاروخية وتكنولوجية متقدمة.
وساهم ذلك في إعادة توجيه الإستراتيجية الدفاعية نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وتعزيز التحالفات مع اليابان وأستراليا والفلبين وكوريا الجنوبية، وإنشاء ترتيبات أمنية جديدة مثل أوكوس مع بريطانيا وأستراليا، وتعزيز التعاون ضمن الحوار الأمني الرباعي “كواد” الذي يضم الولايات المتحدة واليابان وأستراليا والهند. وبذلك عادت المنافسة بين القوى الكبرى لتصبح محور التخطيط العسكري الأمريكي بعد عقديْن هيمنت فيهما الحرب على الإرهاب.
تحديات المستقبل
من ميليشيا مزارعين يحملون بنادقهم الخاصة إلى قوة عظمى تنشر جنودها حول العالم، رسمت أمريكا مسارا فريدا لجيشها يرتبط بقصة صعودها. فقد طورت واشنطن مؤسستها العسكرية بناء على دروس الحروب التي خاضتها. فمن حرب الاستقلال تعلمت ضرورة وجود جيش نظامي، ومن الحرب الإسبانية الأمريكية أدركت أن القوة البحرية مفتاح النفوذ العالمي، ومن الحربيْن العالميتيْن اكتشفت أن الانتصار يبدأ من القدرة على الإنتاج الضخم في المصانع والحشد الواسع في مراكز التعبئة، أما الحرب الباردة فمكَّنتها من الاحتفاظ بقوة عسكرية منتشرة على مستوى العالم.
ولعل السر الرئيسي في تفوق المؤسسة العسكرية الأمريكية يرتبط بقدرتها على التكيف والتعلم المؤسسي. فكل حرب دفعت الجيش إلى مراجعة عقيدته، وإعادة تنظيم قواته، وتطوير تعليمه العسكري، وتحديث صناعته الدفاعية، وربط القوة العسكرية بالاقتصاد والبحث العلمي والتكنولوجيا.
“التحدي الأكبر الذي يواجه الولايات المتحدة اليوم هو المحافظة على قدرتها على التكيُّف مع بيئة إستراتيجية تتغير بوتيرة سريعة”
وربما يكون التحدي الأكبر الذي يواجه الولايات المتحدة اليوم هو المحافظة على قدرتها على التكيُّف مع بيئة إستراتيجية تتغير بوتيرة سريعة فضلا عن الإجابة على أسئلة تتعلق بكيفية إدارة تلك القوة، فقد بُني التفوق الأمريكي على مزيج من القوة العسكرية والتحالفات الدولية والانفتاح الاقتصادي والقيادة المؤسسية للنظام الدولي.
وقد شهدت السنوات الأخيرة تصاعد نزعة داخل أمريكا تدعو إلى تقليص الالتزامات الخارجية، وتُشكِّك في جدوى التحالفات، وتربط المظلة الأمنية الأمريكية باعتبارات الكلفة والعائد. وقد تجلت هذه المقاربة في رئاسة ترمب، الذي شكك مرارًا في قيمة حلف الناتو، كما أعاد طرح شعار “أمريكا أولًا”.
إن الإفراط في الثقة بالتفوق العسكري، وغرور القوة، قد يدفع القوى العظمى إلى المبالغة في تقدير قدرتها على فرض إرادتها، ما يدخلها في مغامرات تبدد فيها مقدراتها، كما أثبتت حروب كثيرة مثل فيتنام والعراق وأفغانستان وغيرها. كما أن التدافع الاجتماعي الداخلي يكون له تأثيره في أوقات كثيرة على تصوُّر الدولة لمصالحها الخارجية، والإستراتيجية العسكرية الضرورية لتحقيق تلك المصالح، وهو أمر لعله يتجلَّى بوضوح الآن مع إدارة دونالد ترمب أكثر من أي إدارة سبقتها في تاريخ الولايات المتحدة كدولة مستقلة، بعد 250 عاما كاملة على استقلالها.