
باستثناء استعادة القوات الحكومية لمضيق باب المندب بعد أقل من شهر على سيطرة ميليشيات الحوثيين عليه، ورغم اشتداد ضراوة الحرب، خصوصاً في محافظة صعدة، لم تتغير خرائط السيطرة كثيراً بشكلٍ حاسم؛ إذ لا يزال أسلوب “الكر والفر” هو سيد الموقف في أغلب محاور القتال، عدا عن تراجع الميليشيات من مناطق صحراوية في شرق محافظة الجوف وجنوب محافظة مأرب المجاورتين للعاصمة اليمنية صنعاء.
مع هذا يمكن ترجيح ارتفاع الخسائر البشرية في صفوف الميليشيات وجزءٍ من عتادها نتيجة التفوق الجوي لقوات الحكومة والغطاء الناري من قبل مقاتلات التحالف بقيادة السعودية، لكن المعركة بالشكل الواسع الذي أعلن عنه رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي في الخامس من أكتوبر الجاري تحت اسم “فجر اليمن”، قد تكون تخطت قليلاً بدايتها باتجاه دحر سيطرة الميليشيات على أجزاء من البلاد واستعادة العاصمة بعد أكثر من اثني عشر عاماً على اجتياح مسلحي الجماعة لها.
أحد أسباب هذه “المراوحة” في الحسم يكمن في اختلاف الأساليب والتكتيكات غير المتماثلة التي ينتهجها كلٌ من طرفي الصراع؛ فالجيش اليمني يخوض معارك نظامية تقليدية وفق قوانين الحرب وقواعد الاشتباك المتعارف عليها، لاسيما لتفادي المزيد من المخاطر على حياة المدنيين في المناطق التي تحاصرها الميليشيات أو تتخندق فيها، بينما تدير الأخيرة هجماتها باتباع أساليب حرب العصابات، أي من خلال الدفع بمجموعات صغيرة من المسلحين لتنفيذ هجمات صغيرة ومحدودة ثم الانسحاب والاختفاء، رغم استخدام الميليشيات لدبابات وآليات عسكرية لا تتوقف عن تبديل مواقعها ومرابضها خشية الانكشاف أمام كاميرات الاستطلاع والرصد من قبل الطائرات المسيرة الحكومية ومن ثم استهدافها.
في جانب الحوثيين، تهيمن ميليشياتهم على ما يقرب من ثلث مساحة البلاد، وتوفر لهم الطبيعة الجغرافية المتنوعة بين الجبال الوعرة التضاريس والسهول التي يؤمن غطاؤها النباتي مجالاً للتمويه والتخفي، والسواحل والجزر الصغيرة التي يسهل استخدامها كحلقات وصل بين البحر واليابسة لتهريب وتخزين الأسلحة، واستغلالها كمنطلق لهجمات الزوارق السريعة الانتحارية والمسيرة عن بُعد.
بشرياً، يقطن تلك المساحة من الأرض ملايين من السكان الذين باتوا يشكلون مستودعاً أو مخزوناً من المسلحين الذين يتم حشدهم وتجنيدهم للقتال بالترغيب والترهيب، وهذا بالتأكيد ما يفسر عدم اكتراث الميليشيات بأي كلفة بشرية تتكبدها في جبهات وميادين القتال لدرجة أن ظهرت الميليشيات غير عابئة بسحب وإخلاء المئات من جثث قتلاها، إذ يتعرض الكثير من مسلحي الميليشيات للاستهداف عند محاولاتهم الاقتراب من ضحاياهم وفق ما تؤكده مصادر عسكرية وقبلية محلية متطابقة.
من ناحية العتاد والذخائر وغيرها من أدوات ومتطلبات الحرب، فعلاوة على نهبها واستخدامها غير المشروع لمقدرات الجيش اليمني عند انقلابها على الدولة يوم 21 سبتمبر 2014، توفر للجماعة الحوثية المدعومة من قبل إيران المزيد من الأسلحة الجديدة، ومن بينها الصواريخ البالستية والطيران المسير وغير ذلك من تقنيات الاتصالات الحديثة.
وزيادة على ذلك، فقد كشف تحقيق استقصائي لوكالة “أسوشييتدبرس” عن استخدام روسيا أقماراً صناعية استطلاعية لمساعدة ميليشيات الحوثيين وفصائل عراقية موالية لإيران على تحديد أهداف داخل السعودية، شملت 40 هجوماً بالصواريخ والمسيّرات نُفذت بين الأول من يوليو و19 أكتوبر الجاري، وذلك بما يجعل المواجهة الدائرة تتحول من صراع مع جماعات مسلحة إلى اختبار لقدرات استطلاع تملكها دول كبرى.
تسيطر الحكومة اليمنية الشرعية على نحو ثلثي مساحة البلاد، وهي غنية بالموارد الطبيعية والمعدنية، وتملك أطول سواحل مفتوحة على البحر الأحمر وخليج عدن، وعشرات من الجزر ذات الأهمية الاستراتيجية البالغة، بما يمنحها مجالاً كبيراً للحركة والمناورة براً وبحراً وجواً، ويجعل هذه المساحة تشكل مركز الثقل الرئيس في الموقع الجغرافي لليمن في منطقةٍ حيوية مهمة لمتطلبات الأمن والسلم الدوليين، لاسيما عند مضيق باب المندب الخاضع على نحوٍ شبه كلي لسيطرة قوات الحكومة اليمنية.
بشرياً، يعيش في مناطق سيطرة الحكومة عدد أقل نسبياً من مثله على الجانب الآخر، لكن الحكومة تحظى بتأييد كتلةٍ بشرية هائلةٍ من اليمنيين في الخارج الذين يربو عددهم على ستة ملايين مغترب ومهاجر يمني، تفيد عوائدهم من النقد الأجنبي المقدرة بمئات الملايين من الدولارات شهرياً في دعم وتحسين معيشة عائلاتهم، بما في ذلك القاطنة في مناطق سيطرة الميليشيات.
عسكرياً، كشف الاستخدام الواسع والفعال من قبل الجيش اليمني والتشكيلات العسكرية الموالية له للطيران الحربي والطائرات المسيرة وبطاريات المدفعية الحديثة وغيرها من العتاد العسكري المتنوع، عن فارق واضحٍ في أداء الجيش والقوات المناهضة للحوثيين، الأمر الذي ما كان له أن يحدث لولا أنه أمكن الحصول عليه إلى جانب إعادة بناء وتنظيم مؤسسات الجيش والأمن والاستعداد للمعركة القائمة مع الميليشيات الحوثية.
لا يبدو في ضوء مؤشرات ووقائع النزاع المسلح المحتدم بين الطرفين أن أياً منهما لا يزال في وارد القبول أو التفاؤل بأي وساطة أو جهود دبلوماسية لخفض التصعيد، على الأقل، في هذا النزاع المرير وشبه الميئوس من تسويته سلمياً وسياسياً.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فمن الواضح أن العالم أحجم عن التوسط في هذا الملف بعد تعثر الكثير من الجهود الدبلوماسية والمفاوضات السابقة التي أنحى الكثيرون باللائمة في تعثرها على الجماعة الحوثية بسبب تعنتها وشروطها وارتفاع سقف مطالبها.
ومن اللافت أن إيران التي تدعم الحوثيين هي وحدها من قدم عرضاً للحوار، ولد ميتاً، ليس بين وكلائها الحوثيين وخصومهم اليمنيين أصحاب الشأن، ولكن بين الرياض والميليشيات التي بدا من هذا العرض أن طهران أرادت أن تجعل منها حكومة، لا بل دولة تود أن تصنع منها نداً للند مع دولة محورية كالسعودية.
إلى جانب هذا، لا يعلق غالبية اليمنيين أي أمل بتجاوب إيران مع مبادرة السعودية للاجتماع معها وقادة “تحالف مكة” في طهران، رغم قناعة اليمنيين التامة بحسن نوايا الرياض، فطهران لا تريد سوى تأجيل المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل من خلال صفقة مقبولة وليس منعها، فهي في رأي كثيرين لن تلبث أن تعود إلى سابق عهدها.
عن “المجلة”