حروب ترامب تدفع أوروبا نحو الصين

روكب اليوم
لم يكن هذا المشهد مألوفًا قبل سنوات قليلة: قادة أوروبا يصطفون أمام مكتب الرئيس الصيني شي جين بينغ بحثًا عن فرص النمو والتجارة والاستثمار. بعد عام واحد فقط من عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، أصبح هذا المشهد مرآة للتغيرات في الاقتصاد السياسي العالمي، أوروبا تُدفع نحو الصين لا حبًّا بها، بل نتيجة تآكل الثقة بالحليف الأميركي.

في ديسمبر من العام 2025، زار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بكين، وتلاه في يناير رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر. ومن المتوقع وصول المستشار الألماني فريدريش ميرز في نهاية شهر فبراير الحالي، على أن تختتم رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون ديرلاين هذه الزيارات لاحقًا خلال العام. هذه التحركات ليست بروتوكولية، بل محمّلة برسالة واضحة: أوروبا تبحث عن بدائل.

حتى وقت قريب، كان الخطاب الأوروبي تجاه الصين مشبعًا بلغة القيم: حقوق الإنسان، هونغ كونغ، تايوان، والمنافسة العادلة. اليوم، اختُزل هذا الخطاب في كلمة واحدة، كما وصف مقر رئاسة الوزراء البريطانية قبل زيارة ستارمر: النمو. يعكس هذا التحول إدراك أوروبا أن العلاقة مع الولايات المتحدة لم تعد مستقرة أو قابلة للتنبؤ.

الرسوم الجمركية، التهديدات التجارية، والانسحابات المتكررة من الاتفاقيات والمنظمات الدولية والنزاع على غرينلاند جعلت القارة تشعر بأنها شريك ثانوي في نظام تقوده واشنطن وفق حسابات داخلية متقلّبة. لا تخفي أوروبا إدراكها لمخاطر العلاقة مع الصين: عجز تجاري ضخم، دعم حكومي واسع للصناعات، وهيمنة على سلاسل التوريد المرتبطة بالتحول الأخضر. ومع ذلك، ترى بروكسل أن بكين قابلة للتفاوض، بينما باتت السياسة الأميركية مصدر عدم يقين دائم. تجلّى هذا المنطق بوضوح عندما ألغى الاتحاد الأوروبي الرسوم العقابية على السيارات الكهربائية الصينية مقابل التزام بحد أدنى للأسعار.

لم يكن ذلك تراجعًا أوروبيًّا، بل انعكاسًا لحاجة ملحّة لخفض كلفة التحول الأخضر والحفاظ على النمو الصناعي. في 2024، بلغ حجم التجارة بين الاتحاد الأوروبي والصين مستويات غير مسبوقة، حيث ارتفعت واردات الاتحاد الأوروبي من الصين إلى نحو 519 مليار يورو، والصادرات إلى 213.3 مليار يورو، ما أسفر عن عجز تجاري يقارب 306 مليارات يورو لصالح الصين. تمثل الصين اليوم أكبر مصدر لواردات الاتحاد الأوروبي، بحصة تزيد على 21 % من إجمالي وارداته من خارج التكتل، في حين تحتل المرتبة الثالثة فقط بوصفها وجهة للصادرات الأوروبية.

حتى تجارة الخدمات تسجل فائضًا طفيفًا بنحو 21.7 مليار يورو، لكنها لا تغيّر الصورة العامة للهيمنة الصينية على تجارة السلع. كما أن رئيسة الحكومة الدنماركية ميتا فريدركسن قالت في رأس السنة الماضية: “الولايات المتحدة تبتكر، الصين تقلد، وأوروبا تنظّم (التجارة)، وهذا يكشف أن طريقة تفكيرنا أصبحت قديمة”.

تؤكد الأرقام أن الصين ليست شريكًا تجاريًّا هامشيًّا، بل ركيزة أساسية في الاقتصاد الأوروبي. مع سعي أوروبا لتقليل اعتمادها على الولايات المتحدة نتيجة تراجع الثقة، تضطر للتعامل براغماتيًّا مع الصين، حتى وإن حمل ذلك مخاطر هيكلية طويلة الأمد. وقد سبق ذلك توقيع رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون ديرلاين اتفاقيات مع الهند من بوابة البحث عن بدائل براغماتية.

ويكشف هذا الاعتماد أن بروكسل تفاوض من موقع الحاجة أكثر من القوة، خصوصًا في قطاعات استراتيجية مثل الإلكترونيات والطاقة الخضراء، حيث تواجه الصناعات الأوروبية منافسة صينية شرسة. فمثلًا، تفقد ألمانيا بين 10 آلاف و14 ألف وظيفة صناعية شهريًّا بسبب الواردات الصينية الرخيصة، التي قد تقلّص الناتج المحلي الإجمالي على المدى الطويل، كما أشار تقرير حديث لبنك الاستثمار الأميركي غولدمان ساكس، مؤكدا أن استيراد السلع الصينية الرخيصة سيؤدي إلى انخفاض الناتج المحلي الإجمالي الأوروبي على المدى الطويل. لم تمر الاندفاعة الأوروبية نحو بكين دون صدى في واشنطن.

المثال الكندي كان كاشفًا: اتفاق تجاري مع الصين خفّض الرسوم على السيارات الكهربائية من 100 % إلى 6.1 %، على أول 49 ألف سيارة، قابله رد أميركي غاضب وتهديد بعقوبات. الرسالة الأميركية واضحة: الاقتراب من الصين له ثمن. لكن أوروبا، بحجمها الاقتصادي وتشابكها العميق مع الصين، تجعل معادلة الضغط أكثر تعقيدًا. وقد يؤدي استمرار هذا المسار إلى تآكل التنسيق الاقتصادي عبر الأطلسي، خصوصًا في سلاسل التوريد والتكنولوجيا المتقدمة.

وتجد أوروبا نفسها بين قوتين عظميين: الولايات المتحدة حليف أمني لا غنى عنه لكنه شريك اقتصادي متقلّب، والصين منافس استراتيجي لكنها شريك تجاري لا يمكن تجاهله. هذا التناقض دفع بروكسل لتبني نهج مزدوج: الانفتاح الاقتصادي المحسوب على الصين، مع تشديد القيود على استثماراتها في القطاعات الحيوية.

نهج يُوصف بـ”إدارة المخاطر”، لكنه اعتراف بعدم وجود بدائل سهلة. المفارقة أن أوروبا، التي انتقدت النموذج الصيني القائم على ربط السوق بنقل التكنولوجيا إلى أرضها، بدأت تفكّر في تبني نسخة منه. إذ تدرس المفوضية الأوروبية ربط الوصول إلى السوق الأوروبية بالاستثمار المحلي ونقل المعرفة، مع منع الشركات الصينية من امتلاك حصص مسيطرة داخل السوق الأوروبية. يعكس هذا التحول قناعة متزايدة بأن قواعد العولمة القديمة لم تعد تعمل، وأن الاعتماد على الحليف الأميركي لم يعد كافيًّا لضمان الاستقرار والنمو.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enable Notifications OK No thanks