


روكب اليوم
حين تُصاغ المداهمات الأمنية بلغة الموسيقى واللقطات السريعة والزي التكتيكي، قد تتحول من مادة تستدعي المساءلة إلى محتوى مصمم للمشاهدة. مادة مستوحاة من حلقة “غاليريتا” تبحث في حدود التوثيق والاستعراض.
لا تنقل الكاميرا العملية الأمنية فقط، بل قد تصبح جزءا من صناعتها البصرية. من الزي التكتيكي والموسيقى إلى المونتاج السريع، تبحث هذه المادة في الحد الفاصل بين توثيق القوة العامة وتحويلها إلى محتوى مصمم للمشاهدة.
لقطة قصيرة، موسيقى صاخبة، خوذات وستر واقية، ثم أوامر وحركة سريعة في الشارع. في هذا النوع من الفيديوهات، لا يكون السؤال عن العملية الأمنية وحدها، بل عن الصورة التي يراد لها أن تبقى بعد انتهائها: من اختار زاوية التصوير؟ ما الذي حذفه المونتاج؟ ومن يتحول في اللقطة إلى بطل، ومن يغيب عنها؟
تناقش حلقة 13 سبتمبر/أيلول 2026 من برنامج “غاليريتّا” تسليع العنف وصناعة صورة القوة الأمنية. ويمكنكم مشاهدة الحلقة كاملة على الرابط.
تنطلق الحلقة من صور رجل حرس الحدود الأمريكي غريغوري بوفينو، ومن تشابهها البصري مع عالم أفلام الحركة، لتطرح سؤالا أوسع: كيف انتقلت صورة القوة من الشاشة إلى المنصات، ثم عادت لتؤثر في الطريقة التي تقدم بها المؤسسات الأمنية نفسها؟
صورة القوة
وجود الكاميرا في موقع أمني ليس دليلا في ذاته على الاستعراض. فقد تكون أداة توثيق، أو دليلا على انتهاك، أو وسيلة تتيح للجمهور معرفة ما جرى. لكن الفرق يبدأ عند بناء الفيديو: حين تنتقى لحظة الاقتحام، وتضاف الموسيقى، وتسرع اللقطات، ويغيب ما قبل العملية وما بعدها، تتغير وظيفة الصورة.
التوثيق الصحفي أو القانوني يبحث عن سياق يمكن التحقق منه: أين وقع الحدث؟ متى؟ من هم المشاركون؟ ما الذي سبق استخدام القوة؟ وما الذي جرى للشخص المستهدف؟ أما الفيديو الترويجي فيبحث غالبا عن لحظة الذروة: باب يفتح، عنصر يتحرك، شخص يقاد بعيدا، ثم نهاية سريعة تترك الانطباع المقصود.
هنا لا تعود القوة مجرد ممارسة تخضع للسؤال، بل تصبح صورة قابلة للاستهلاك. والمشكلة ليست في أن يرى الناس ما تفعله المؤسسات العامة، بل في أن تصمم الرؤية نفسها كي تجعل المتلقي يمر فوق الأسئلة الأصعب: هل كانت العملية متناسبة؟ هل احترمت الحقوق؟ ومن سيدقق رواية من ظهر في الفيديو؟
خيال السلطة
تضع الحلقة بوفينو إلى جوار شخصية العقيد ستيفن لوكجو، التي يؤديها شون بن في فيلم “معركة تلو الأخرى” (One Battle After Another). والمقارنة ليست إثباتا بأن الواقع يقلد فيلما بعينه، بل مدخل لفهم لغة بصرية مشتركة: الزي العسكري، النظرة الجامدة، القيادة الصارمة، والخصم الذي يظهر بوصفه تهديدا لا إنسانا له سياق وحقوق.
أفلام الحركة لا تخلق هذه اللغة وحدها، لكنها تمنحها قاموسا جاهزا: البطل الذي يحسم، والجماعة التي تطيعه، والخطر الذي يبرر كل شيء. وحين تستعير مؤسسة أمنية هذه الرموز في فيديو قصير، فهي لا تقدم معلومات عن عملية فقط، بل تقترح على الجمهور كيف يقرأها.
مظهر الحرب
الزي ليس تفصيلا محايدا في المشهد. الخوذة والقناع والسترة الثقيلة واللون العسكري تشكل رسالة بصرية قبل أن يبدأ أي خطاب رسمي: هناك تهديد، وهناك قوة جاءت للتعامل معه. لكن اختزال معنى الزي في تفسير واحد سيكون مبالغة، فاللباس قد يرتبط أيضا بمتطلبات حماية وسلامة ميدانية.
في دراسة نشرها باحثان من جامعة نورث وسترن الأمريكية عام 2012، ظهر مفهوم “الإدراك المرتدي”، الذي يفيد بأن الملابس ودلالاتها الرمزية قد تؤثر في بعض عمليات الانتباه والإدراك ضمن تجارب محددة. لكن الدراسة لم تبحث عناصر الشرطة في الميدان، ولا تثبت أن الزي التكتيكي يحول رجل الأمن تلقائيا إلى مقاتل.
القيمة التحريرية للفكرة تقع في مكان آخر: كيف يصبح الزي جزءا من سردية القوة؟ ومتى تتحول أدوات الحماية المشروعة إلى لغة عرض تجعل وجود السلاح والقناع والخوذة بحد ذاته رسالة موجهة للجمهور؟
“ثقافة الريلز”
لا يمكن الجزم من لقطة واحدة بمن صور الفيديو أو ما غايته. لكن الهاتف المثبت داخل العملية يحول الكاميرا من شاهد بعيد إلى عنصر في المشهد، ويكشف ما تسميه الحلقة “ثقافة الريلز”: إيقاع سريع يراهن على الحركة والصدمة ويجعل المداهمة قابلة للتداول كما لو كانت محتوى مصمما لجذب الانتباه.
وهنا يظهر الفارق بين المساءلة والتسويق. المساءلة تحتاج صورا تكشف ما حدث وتحفظ سياقه، بما في ذلك ما قد يحرج المؤسسة. أما التسويق فينتقي من الحدث ما يعزز الهيبة، ويستبعد ما قد يعقد الرواية أو يفتح سؤال المسؤولية.
خلف الشاشة
ليست العلاقة بين مؤسسات القوة والصناعة البصرية جديدة. فوزارة الحرب الأمريكية تعلن رسميا أنها تقدم مساعدات إنتاجية لمشاريع سينمائية وتلفزيونية وألعاب فيديو، سواء كانت مكتوبة أو غير مكتوبة، وفق إجراءات ومعايير خاصة بها.
ولا يثبت هذا، بمفرده، أن كل فيلم حربي دعاية، أو أن كل مشهد صمم بإملاء رسمي. لكنه يثبت أن المؤسسة العسكرية ليست بعيدة عن عالم الإنتاج الترفيهي، وأن الوصول إلى المعدات والمواقع والخبرة العسكرية يمكن أن يكون جزءا من صناعة الصورة التي يراها الجمهور. وتوضح وزارة الحرب في مادة تعريفية أن جهات الاتصال العسكرية تعمل أيضا مع مشروعات غير روائية وتساعد في تنسيق مشاركة الأفراد والمعدات عند الطلب.
لهذا لا تتعلق المسألة بموسيقى خلفية أو بلقطة خوذة وحدها. ما يتغير هو موقع العنف في المشهد: هل يظهر بوصفه فعلا عاما يستوجب الشرح والتدقيق؟ أم بوصفه عرضا يطلب من المتلقي أن ينبهر به قبل أن يسأل عنه؟
عندما تتحول المداهمة إلى محتوى، تصبح الكاميرا طرفا في توزيع القوة لا مجرد شاهد عليها. وعندها لا يكون التحدي في رؤية الصورة فقط، بل في مقاومة الرواية التي تريدها الصورة: رواية تجعل الهيبة أسرع من السؤال، والمشاهدة أسهل من المساءلة.
Published On 13/9/2026