حين يصبح الثراء موضع سؤال : روكب اليوم الاقتصادية


روكب اليوم
2026-09-02 17:43:00

1704955

كان موظفًا عاديًا، راتبه معروف، ونمط حياته معروف، والتزاماته لا تختلف كثيرًا عن التزامات آلاف الموظفين.

ينتظر الراتب، ويحسب مصروفه، ويستفيد من بعض برامج الدعم، ويؤجل كثيرًا من رغباته لأن دخله ببساطة لا يسمح بأكثر.
ثم، خلال فترة قصيرة، تغيّرت الصورة بالكامل.

سيارات فارهة، ومنزل كبير، وسفر متكرر، وإنفاق بلا حساب، وهدايا للأصدقاء، ومجالس لا تخلو من الضيوف.


لم يكن الغريب أنه أصبح ثريًا.

الغريب هو سرعة التحول.

فالثراء في ذاته ليس تهمة، والنجاح ليس موضع شك، والتجارة قد تفتح أبوابًا واسعة لمن يحسن اقتناص الفرص.

لكن حين تكون نقطة البداية معروفة، ويكون الدخل معروفًا، ثم تظهر ثروة ضخمة في زمن قصير، يصبح السؤال مشروعًا:

ما الذي تغيّر؟

هل كانت تجارة لم يعرفها الناس؟

هل كان استثمارًا استثنائيًا؟

هل كانت أرضًا تضاعفت قيمتها؟

هل شراكة نجحت؟

أم أن هناك قصة أخرى لا يعرفها أحد؟

كان الرجل يرد على كل الأسئلة بجملة قصيرة:

«الله رزقنا».

وبمرور الوقت، توقف كثيرون عن السؤال.

فالمال يملك قدرة غريبة على تحويل الفضول إلى إعجاب، والشك إلى مجاملة.

كبر مجلسه، وكثر أصدقاؤه، وأصبح من لم يكن يعرفه يبحث عن قربه.

وصار الرجل نفسه يتحدث عن الاستثمار والنجاح وصناعة الثروة وكأنه قضى عمره في بناء الإمبراطوريات.

والمفارقة أن المال لم يغير فقط مستوى معيشته، بل غيّر أيضًا الطريقة التي ينظر بها الناس إليه.

فالرجل الذي لم يكن رأيه مهمًا حين كان محدود الدخل، أصبح فجأة صاحب رؤية.

والذي لم تكن كلمته مسموعة، صار الجميع ينصت إليه.

وكأن المجتمع أحيانًا لا يسأل: ماذا تعرف؟

بل يسأل أولًا: كم تملك؟

ثم جاءت الأيام التي لا تجامل أحدًا.

تعثر مشروع.

اختفى شريك.

ظهرت أخبار.

وتراجعت الثروة التي صعدت سريعًا بالسرعة نفسها تقريبًا.

اختفت السيارات واحدة تلو الأخرى.

هدأ المجلس.

قلّت الدعوات.

والأصدقاء الذين تكاثروا مع المال بدؤوا يتناقصون معه.

عندها فقط عاد الرجل إلى بعض أصدقائه القدامى.

قال لأحدهم:

– الناس تغيروا.

فأجابه:

– ربما لم يتغيروا… ربما أنت فقط لم ترهم من قبل.

الحكاية هنا ليست عن رجل ثري ولا عن رجل خسر أمواله.

الحكاية عن شيء أعمق.

عن مجتمع قد ينبهر بالنتيجة قبل أن يسأل عن الطريق.

وعن ثروة قد تمنح صاحبها احترامًا لم يكن يملكه قبلها، حتى لو لم يعرف أحد كيف تكوّنت.

وعن أصدقاء يزدادون كلما ازداد الرصيد، ثم يختفون عندما يبدأ الرصيد في التراجع.

ليس كل ثراء مفاجئ موضع شبهة.

لكن ليس كل ثراء مفاجئ أيضًا قصة نجاح تستحق التصفيق قبل أن نفهم تفاصيلها.

فالمال قد يكون ثمرة عمل، وقد يكون ثمرة فرصة، وقد يكون ثمرة حظ.

وقد تكون خلفه حكاية أخرى تمامًا.

ولهذا، أحيانًا لا يكون السؤال الأهم:

كم أصبح يملك؟

بل:

كيف انتقل من هناك إلى هنا بهذه السرعة؟

تم إعداد هذه المقالة لصالح روكب اليوم الاقتصادية، والآراء الواردة فيها تمثّل آراء الكاتب فقط ولا تعكس أو تمثّل بأي شكل من الأشكال آراء أو وجهات نظر أو مواقف شبكة روكب اليوم الاقتصادية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enable Notifications OK No thanks