روكب اليوم
Published On 18/9/2026
|آخر تحديث: 05:47 (توقيت مكة)
عند الحدود الكندية الأمريكية، لا تبدو التجارة خطا يفصل سوقين، بل شبكة حركة يومية من الشاحنات والمصانع والطاقة ورؤوس الأموال. لهذا لا تبدو محاولة أوتاوا فتح باب أوروبي مجرد انعطاف دبلوماسي نحو ضفة أخرى من الأطلسي، بل محاولة أصعب: كيف تخفف دولة اعتمادها على جار يجاور اقتصادها، من دون أن تصدم البنية التي قامت عليها هذه العلاقة؟
القصة ليست أن كندا وجدت أوروبا فجأة، ولا أن أوروبا اكتشفت ما لدى كندا من معادن وطاقة. الجديد أن العلاقة مع الولايات المتحدة، التي كانت لعقود مصدر قوة لكندا بسبب القرب والتكامل، صارت تحمل كلفة سياسية وتجارية أعلى. لذلك تحاول أوتاوا أن تمنح نفسها هامش حركة: لا عبر استبدال بروكسل بواشنطن، بل عبر بناء شريك آخر يجعل الضغط من جهة واحدة أقل قدرة على تقييد قرارها.
حين يتحول القرب إلى ضغط
تشرح الأرقام لماذا لا يمكن التعامل مع انفتاح كندا على أوروبا بوصفه هروبا سهلا من الولايات المتحدة، فقد ذهبت 76% من صادرات السلع الكندية إلى السوق الأمريكية في عام 2024، وفق هيئة الإحصاء الكندية.
قصص مقترحة
list of 2 itemsend of listومع تصاعد النزاع التجاري في عام 2025، انخفضت الحصة إلى أقل من 70% في أبريل/نيسان ومايو/أيار قبل أن ترتفع إلى 73% في يوليو/تموز. لا تعني هذه الحركة أن كندا تحررت من السوق الأمريكية، بل تكشف مدى حساسية اقتصادها لكل توتر على الحدود.
تكشف هذه الأرقام أن المشكلة ليست في حجم التجارة وحده، بل في تركيزها. فالاعتماد على السوق الأمريكية كان ميزة كندية ناتجة عن القرب والتكامل، لكنه يصبح مصدر هشاشة حين يمكن أن تتأثر شروطه بقرار جمركي أو خلاف تنظيمي. لذلك لا يبدو تنويع الشركاء شعارا عن الاستقلال، بل محاولة لتوسيع قدرة الاقتصاد الكندي على التحمل.
ولا يقتصر التشابك على التجارة العامة. فبحسب إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، جاءت 60% من واردات الولايات المتحدة من النفط الخام من كندا في عام 2023. كما أن عددا كبيرا من المصافي الأمريكية مهيأ لمعالجة النفط الثقيل، مثل النفط المستخرج من الرمال النفطية الكندية. ويظهر ذلك أن العلاقة ليست تجارة يمكن إعادة توجيهها بقرار سريع، بل بنية طاقة وإنتاج تشكلت عبر عقود.
أوروبا ليست علاقة تبدأ من الصفر
في المقابل، لا تتحرك كندا نحو فراغ. اتفاقية التجارة الاقتصادية الشاملة بين كندا والاتحاد الأوروبي، المعروفة باسم “سيتا”، دخلت حيز التطبيق المؤقت في سبتمبر/أيلول 2017. وبحلول عام 2024، ألغى الطرفان الرسوم عن 99% من خطوط التعرفة.
لكن القاعدة التجارية لم تعد وحدها ما يحدد العلاقة، فقد أطلق الجانبان التحالف الأخضر في عام 2023، ثم الشراكة الرقمية التي تشمل مجالات منها الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والاتصال الآمن. وفي يوليو/تموز 2024، وقّعا اتفاقا يتيح لكندا المشاركة في الركيزة الثانية من برنامج “هورايزن أوروبا” للبحث والابتكار.
لذلك لا تختصر قيمة أوروبا بالنسبة إلى كندا في العثور على مشترين جدد، فأوتاوا تبحث أيضا عن شبكات تعاون في الطاقة النظيفة والتقنية والمعايير الرقمية والبحث والصناعات الدفاعية. وفي المقابل، ترى أوروبا في كندا شريكا مستقرا للطاقة والمواد الخام وسلاسل الإمداد، لا مجرد قائمة موارد.
وتضع المفوضية الأوروبية هذا التقارب في حجمه الواقعي: الاتحاد هو ثاني أكبر شريك تجاري لكندا بعد الولايات المتحدة، لكنه مثل 7.9% من تجارة كندا السلعية مع العالم في عام 2024. لذلك لا تمثل أوروبا بديلا فوريا عن واشنطن، لكنها قاعدة قائمة يمكن لأوتاوا أن توسع عبرها أسواقها وشراكاتها من دون البدء من الصفر.
أكبر من اتفاق تجاري وأقل من عضوية
في 23 يونيو/حزيران 2025، وقّع الاتحاد الأوروبي وكندا شراكة أمنية ودفاعية خلال قمتهما في بروكسل، ما منح العلاقة سقفا سياسيا يتجاوز التجارة.
وأضاف تقرير للزميل كريم الأسيوطي بعدا آخر إلى هذا التقارب، إذ أبرز أن مقترح منح كندا صفة “عضو مشارك” في الاتحاد الأوروبي يتصل أيضا بسلاسل الإمداد والطاقة والمعادن الحيوية، في وقت تسعى فيه أوتاوا إلى تخفيف انكشافها على الضغوط التجارية الأمريكية.
وقد رحب رئيس الوزراء الكندي مارك كارني بالمقترح، مؤكدا التطلع إلى تحالف أمني واقتصادي أوثق مع أوروبا. لكن هذه الصيغة تحتاج إلى حذر. ففي مداخلة عبر الجزيرة، قال المستشار السابق في دائرة العمل الخارجي للاتحاد الأوروبي، جيمس موران، إنه لا توجد في معاهدات الاتحاد الأوروبي فئة قانونية جاهزة باسم “العضو المشارك”، وأن المصطلح يعبر عن رغبة في علاقة أقرب، لا عن وضع قانوني قائم أو مسار عضوية محدد.
وهذا ما يمنع تضخيم الخبر، فالطرح لا يعني عضوية كندية في الاتحاد الأوروبي، ولا قيام اتحاد عابر للأطلسي، بل يعكس سعيا إلى إطار أوسع للتعاون في الدفاع والتقنية والطاقة وسلاسل التوريد، من دون أن يعني انفصال كندا عن الولايات المتحدة.
ويرى موران أن هذا التقارب لا يمثل تهديدا أو بديلا كاملا للعلاقات الكندية الأمريكية، بل محاولة لتطوير شراكة قائمة بين أوتاوا وبروكسل في ظل توترات تجارية وسياسية مع واشنطن. ويضيف أن اتفاقية “سيتا” وفّرت أساسا تجاريا قويا يمكن البناء عليه، لكن عمق التكامل بين الاقتصادين الكندي والأمريكي يجعل استبدال تلك العلاقة غير واقعي.
وبهذا المعنى، تبدو حركة كندا أقرب إلى إعادة توزيع الاعتماد لا نقله من واشنطن إلى بروكسل. فالولايات المتحدة ستظل شريكها الاقتصادي الذي لا يمكن تجاوزه بفعل الجغرافيا وسلاسل الإنتاج واتفاقية التجارة بين كندا والولايات المتحدة والمكسيك. لكن توسيع التعاون مع أوروبا في التجارة والطاقة والتقنية والدفاع يمنح أوتاوا منافذ إضافية، ويقلل قدرة أي شريك واحد على تضييق خياراتها.
ما الذي يجب مراقبته؟
لن تقاس جدية المسار بعدد الاجتماعات أو بعناوين الشراكة، بل بأربعة مؤشرات:
- تحويل الشراكة الأمنية إلى مشاريع صناعية ودفاعية قابلة للتنفيذ، لا إلى تفاهمات سياسية عامة فقط.
- توسيع التجارة غير الأمريكية على نحو مستدام، لا باعتباره قفزة مؤقتة سببها الرسوم.
- الاستثمار في الموانئ والنقل والطاقة والمعالجة الصناعية، لأن تنويع الأسواق يحتاج إلى بنية تحتية لا إلى بيانات سياسية.
- تحديد مضمون الصيغة الاستثنائية مع الاتحاد الأوروبي، حتى لا يبقى حديث “العضو الشريك” عنوانا بلا أدوات قانونية أو اقتصادية واضحة.
كندا لا تملك رفاهية اختيار جغرافيتها، ولا تملك أوروبا القدرة على أن تصبح الولايات المتحدة الأخرى. لكن الطرفين يملكان مصلحة في تقليل كلفة الاعتماد على القوة الكبرى، لذلك لا يعني مسار الشراكة أن أوتاوا تغادر ظل واشنطن، بل إنها تحاول أن تمنع هذا الظل من أن يتحول إلى سقف لا تستطيع تجاوزه.