روكب اليوم
2026-10-21 15:09:00

وتأتي المقترحات في وقت يسعى فيه رئيس الاحتياطي الفيدرالي الجديد، كيفن وورش، إلى تقليص حجم الميزانية العمومية للبنك المركزي، إذ شكّل فريق عمل لدراسة الخيارات المتاحة لتحقيق هذا الهدف.
«احتياطيات مرنة» بدلاً من النظام الحالي
تتمثل الفكرة الأساسية في الانتقال من نظام «الاحتياطيات الوفيرة» (Ample Reserves)، الذي يعتمد على إبقاء كميات كبيرة من السيولة داخل النظام المالي، إلى نظام جديد أطلق عليه هيوز اسم «الاحتياطيات المرنة» (Elastic Reserves).
ويهدف النظام المقترح إلى جعل توفير السيولة أكثر استجابة للطلب الفعلي في الأسواق، بدلاً من الاعتماد على مخزون كبير وثابت من الاحتياطيات لدى البنوك، مع الحفاظ على قدرة الاحتياطي الفيدرالي على التحكم في أسعار الفائدة قصيرة الأجل وضمان استقرار الأسواق المالية.
وقال هيوز في الدراسة إن وجود مخزون كبير وثابت من الاحتياطيات ليس شرطاً ضرورياً لتنفيذ السياسة النقدية بفاعلية، مشيراً إلى أن البنك المركزي يستطيع تحقيق ذلك من خلال مستوى هيكلي أقل من الاحتياطيات، تدعمه قدرة مرنة على الإقراض عند الحاجة.
وأضاف أن الفرص لإعادة ضبط أنظمة عمل الاحتياطي الفيدرالي لا تتكرر كثيراً، داعياً إلى استغلال المرحلة الحالية لإجراء تغييرات جوهرية بدلاً من الاكتفاء بدراسة الخيارات النظرية.
خفض تكلفة الفائدة على البنوك بنحو الثلثين
بحسب الدراسة، فإن تقليص الميزانية العمومية إلى المستوى المقترح سيؤدي إلى خفض حجم الاحتياطي الفيدرالي مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي إلى مستوى أدنى مما شهده منذ عام 2008، كما سيقلص مدفوعات الفائدة التي يحصل عليها القطاع المصرفي بنحو الثلثين.
وتأتي هذه النقطة في ظل التكاليف التي يتحملها الاحتياطي الفيدرالي مقابل الفائدة المدفوعة على أرصدة البنوك لديه، والتي أسهمت في دخوله فترة غير مسبوقة من تسجيل الخسائر.
وتضخمت الميزانية العمومية للبنك المركزي خلال السنوات الماضية، بعدما لجأ إلى شراء كميات كبيرة من السندات لتحفيز الاقتصاد ودعم استقرار الأسواق. وبدأ هذا التوجه في أعقاب الأزمة المالية العالمية، عندما خفض الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة إلى مستويات قريبة من الصفر، ثم تعزز مجدداً خلال جائحة كوفيد-19.
ودفعت عمليات شراء الأصول إجمالي حيازات البنك المركزي من مستويات تقل قليلاً عن تريليون دولار إلى ذروة بلغت نحو 9 تريليونات دولار في عام 2022، قبل أن يبدأ لاحقاً في تقليص حيازاته من السندات بصورة تدريجية من دون إعادة استثمار كامل عائداتها.
تعديلات مقترحة على أدوات توفير السيولة
يقترح هيوز إجراء مجموعة من التغييرات في أدوات السياسة النقدية لضمان قدرة الاحتياطي الفيدرالي على إدارة أسعار الفائدة مع الاحتفاظ بمخزون أقل من الاحتياطيات.
وتشمل أبرز المقترحات:
توسيع عمليات إعادة الشراء الدائمة: تعديل أداة عمليات إعادة الشراء، التي تتيح للمؤسسات المؤهلة الحصول على النقد سريعاً مقابل ضمانات، بحيث لا تخضع لسقف محدد، مع تحديد سعرها عند مستوى أعلى من الفائدة المدفوعة على الاحتياطيات.
إنشاء تسهيل جديد للسيولة لأجل: إطلاق آلية تتيح للبنك المركزي طرح تمويل لأجل أربعة أشهر عبر مزادات، مقابل مجموعة واسعة من الضمانات.
الإبقاء على نافذة الخصم: مواصلة استخدام هذه الأداة لتوفير التمويل الطارئ للمؤسسات المالية عند الحاجة.
تغيير هيكل حيازات السندات: توجيه الحيازات نحو أذون الخزانة قصيرة الأجل، وتقليل الاعتماد على السندات ذات آجال الاستحقاق الأطول.
تعديل المؤشر المستهدف لأسعار الفائدة: استهداف سعر التمويل المضمون لليلة واحدة (SOFR) بدلاً من استهداف سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية مباشرة، وفقاً للمقترح.
وتهدف هذه التعديلات إلى توفير السيولة بصورة أكثر مرونة، بحيث يستطيع الاحتياطي الفيدرالي تلبية احتياجات المؤسسات المالية عند ارتفاع الطلب على النقد، من دون الاضطرار إلى الاحتفاظ باحتياطيات ضخمة بصورة دائمة.
تعديل القواعد المصرفية شرط أساسي لنجاح الخطة
تؤكد الدراسة أن تغيير أدوات توفير السيولة وحده لن يكون كافياً لتقليص الميزانية العمومية بصورة مستدامة، إذ يتعين أن تترافق هذه الخطوة مع تعديلات تنظيمية تقلل حاجة البنوك إلى الاحتفاظ باحتياطيات كبيرة.
ويمكن تحقيق ذلك جزئياً من خلال مراجعة القواعد المصرفية التي تؤثر في الطلب الهيكلي على الاحتياطيات، إلى جانب تغيير طريقة إدارة وزارة الخزانة الأميركية لحسابها النقدي الكبير لدى الاحتياطي الفيدرالي.
وكتب هيوز أن تسهيلات السيولة الجديدة والسياسات الرامية إلى خفض الطلب على الاحتياطيات تمثلان عنصرين متكاملين، موضحاً أن أياً منهما لن يكون كافياً بمفرده لضمان تقليص دائم للميزانية العمومية.
وأشار إلى أن النموذج المقترح يستلهم بعض جوانب النهج الذي يتبعه بنك إنجلترا في توفير السيولة للأسواق، مع الاستفادة أيضاً من تسهيلات السيولة التي سبق أن استخدمها الاحتياطي الفيدرالي.
انقسام حول جدوى تقليص الميزانية العمومية
يرى مؤيدو تقليص حيازات الاحتياطي الفيدرالي، ومن بينهم وورش، أن امتلاك البنك المركزي كميات ضخمة من سندات الخزانة والأوراق المالية المدعومة بالرهن العقاري قد يؤدي إلى تشويه آليات التسعير في الأسواق المالية، ويمنحه تأثيراً كبيراً في تحديد تكاليف الاقتراض طويلة الأجل.
لكن هذا التوجه لا يحظى بإجماع داخل الأوساط النقدية. فهناك مسؤولون وخبراء يرون أن نظام الاحتياطيات الوفيرة أثبت فاعليته في الظروف العملية، وأن احتفاظ البنوك بمستويات مرتفعة من السيولة يعزز قدرتها على مواجهة الاضطرابات المالية.
وقال جون ويليامز، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، في مؤتمر عُقد في 22 سبتمبر، إن النظام الحالي أثبت فاعلية كبيرة في ضبط أسعار الفائدة ودعم الأداء السلس للأسواق المالية الأساسية.
كما أقر وورش بأن النظام الحالي تطور على مدى سنوات طويلة، وأن تغييره لا يمكن أن يتم بين ليلة وضحاها.
دعوة إلى خطة تنفيذ واضحة
دعا هيوز فريق العمل الذي شكّله الاحتياطي الفيدرالي لدراسة الميزانية العمومية إلى تقديم خطة تنفيذية محددة لتقليص الحيازات، بدلاً من الاكتفاء بعرض قائمة من البدائل الممكنة.
وأكد أن قيادة رئيس الاحتياطي الفيدرالي ستكون حاسمة في هذه العملية، نظراً إلى تداخل الصلاحيات والأدوات النقدية والتنظيمية المطلوبة لإعادة هيكلة نظام إدارة السيولة.
وأشار كذلك إلى أن الكونغرس الأميركي يمكنه التدخل تشريعياً لإقرار التغييرات التي يرى أنها ضرورية.
وتتمثل المعضلة الرئيسية أمام الاحتياطي الفيدرالي في تحقيق التوازن بين تقليص تكاليف ميزانيته العمومية وحجم تدخله في الأسواق، وبين الحفاظ على قدرته على ضبط أسعار الفائدة وتوفير السيولة خلال فترات الضغوط المالية. وترى الدراسة أن نجاح أي إصلاح دائم سيتوقف على الجمع بين أدوات تمويل مرنة عند الحاجة وقواعد تقلل اعتماد النظام المصرفي على الاحتياطيات الكبيرة.
(رويترز)