رأي.. حبيب الملا يكتب عن التهديد الداخلي وأمن الطائرة بعد حادثة “فلاي ” | روكب اليوم Arabic


روكب اليوم
2026-10-06 10:46:00

346127

هذا المقال بقلم المحامي والكاتب الإماراتي، الدكتور حبيب الملا، ‏الشريك المدير، لمكتب “حبيب الملا ومشاركوه”. الآراء الواردة أدناه تعبر عن رأي الكاتب ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة روكب اليوم.

في عالم الطيران، كثير من قواعد الأمن والسلامة لم تُصغ ابتداءً في أروقة التشريع، بل كُتبت بعد أن كشفت كارثة عن ثغرة لم تكن منظومة الطيران تراها بوضوح.

فبعد هجمات 11 سبتمبر، تغيّر مفهوم أمن الطيران جذريًا. لم يعُد الخطر يكمُن في اختطاف الطائرة فحسب، بل في احتمال استخدام الطائرة نفسها كسلاح. وترتّب على ذلك تحصين أبواب قُمرة القيادة ووضع بروتوكولات خاصة لدخولها. إذ يتطلب الملحق 6 لاتفاقية شيكاغو، من طائرات نقل الركاب التي تتجاوز كتلتها القصوى للإقلاع 45,500 كغ أو تزيد سعتها على 60 مقعدا، أن تكون مزوّدة بباب لقمرة القيادة مصمم لمقاومة نيران الأسلحة الخفيفة والشظايا والاقتحام القسري.

ثم جاءت كارثة Germanwings في 2015 لتكشف عن مفارقة خطيرة في الإجراء نفسه الذي صُمم لحماية القُمرة. إذ استغلّ مساعد الطيار وجود قائد الطائرة خارج قُمرة القيادة، وأغلق الباب المحصّن ومنع القائد من العودة، ثم وجّه الطائرة نحو جبال الألب الفرنسية، فقتل جميع من كانوا على متنها وعددهم 150 شخصًا. وأصبح الباب الذي صُمم لمنع المعتدي من الدخول هو ذاته الذي منع القائد من العودة لإنقاذ الطائرة. وبعد هذه الحادثة اعتُمدت قاعدة غير ملزمة تقضي بوجود شخصين مخوّلين في القُمرة أثناء الطيران.

أمّا في واقعة رحلة فلاي FZ1073 فقد أعلن النائب العام الإماراتي أن التحقيقات كشفت أن مساعد قائد الطائرة شرع في تنفيذ عمل إرهابي، واعتدى على القائد داخل قُمرة القيادة باستخدام فأس الطوارئ، وحاول السيطرة على أدوات التحكم بالطائرة، مع استمرار التحقيق لتحديد الدوافع والملابسات والارتباطات المحتملة.

وقد يكون أول ردّ فعل هو السؤال عن فأس الطوارئ، وهل يجب تغيير مكانه أو طريقة تأمينه؟ ومع أن هذه الأسئلة مشروعة، إلا أنها لا تمسّ جوهر المشكلة. فالطيار الجالس أمام أدوات التحكم لا يحتاج إلى فأس حتى يُهدد الطائرة، وقد أثبتت Germanwings هذا الأمر. لذلك فإن الخطر الحقيقي أوسع من مكان حفظ أداة بعينها. إنه يتعلّق بكيفية إدارة التهديد الداخلي عندما يكون مصدر الخطر شخصًا من داخل أكثر الأماكن تحصينًا في الطائرة.

وهذا هو الاتجاه الذي بدأ القانون الدولي للطيران يتجه إليه بالفعل. ففي نوفمبر 2019 اعتمد مجلس الإيكاو التعديل رقم 17 للملحق 17 الخاص بأمن الطيران، وعزّز التعديل الإجراءات المتعلّقة بالتهديد الداخلي، بما في ذلك فحوص الخلفية الأمنية، وتقييم مواطن الضعف، وتبادل المعلومات، وضوابط الدخول، وفحص الأشخاص من غير الركاب.

وحادثة فلاي FZ1073 تضيف بُعداً أكثر صعوبة. التهديد هنا لم يأتِ من موظف يحاول تجاوز حاجز أمني للوصول إلى القُمرة، بل من شخص كان وجوده داخلها مشروعًا ومطلوبًا أصلًا. ولذلك فإن أية مراجعة جادة بعد الحادث ينبغي ألا تتوقف عند فأس الطوارئ، بل يجب أن تشمل التقييم النفسي والأمني لأطقم القيادة، وبرامج الدعم والإبلاغ، وآليات اكتشاف التغيرات السلوكية الخطرة، وإجراءات السيطرة داخل القُمرة إذا أصبح أحد أفراد الطاقم نفسه مصدر الخطر.

وهناك أيضاً جانب قانوني اتفاقي مُهمّ لا ينبغي اختزاله في قواعد السلامة التشغيلية. اتفاقية طوكيو لعام 1963 تجعل دولة تسجيل الطائرة صاحبة أساس رئيسي للاختصاص بالجرائم التي تقع على متنها. والطائرة في هذه الواقعة مسجلة في دولة الإمارات، ولهذا أكدت النيابة العامة الإماراتية اختصاص السلطات القضائية الإماراتية بالتحقيق، حتى مع وقوع الواقعة خارج الإقليم الوطني. أمّا اتفاقية مونتريال لعام 1971 فتُجرِّم أعمال العنف ضد شخص على متن طائرة في حالة طيران عندما يكون من شأن الفعل تعريض سلامة الطائرة للخطر، كما تضع إطارًا للاختصاص والتعاون الدولي في مُلاحقة هذه الجرائم. والإمارات طرف في الاتفاقية منذ عام 1981. وإذا ثبتت محاولة السيطرة على الطائرة، فإن اتفاقية لاهاي لعام 1970 بشأن الاستيلاء غير المشروع على الطائرات تصبح أيضًا ذات صلة مباشرة، لأنها تتعامل مع الاستيلاء أو ممارسة السيطرة على الطائرة بالقوة أو التهديد. 

ويجب كذلك التفريق بين التحقيق الجنائي والتحقيق الفني. فالأول يبحث في الجريمة والمسؤولية والعقوبة، أمّا التحقيق الفني فيخضع لمنظومة الملحق 13 لاتفاقية شيكاغو، وهدفه منع تكرار الحادث لا تحديد المسؤولية الجنائية. وبحسب مكان وقوع الحادث تتحدد الدولة صاحبة الدور الرئيسي في التحقيق الفني، مع حقوق مشاركة لدولة التسجيل ودولة المُشغِّل ودولة التصميم ودولة الصُنع.

المغزى الأعمق هنا هو أن سلامة الطيران تتطور دائمًا عبر مفارقة مؤلمة. كل حاجز أمني يحلّ مشكلة قد يكشف مشكلة أخرى. بعد 11 سبتمبر حُصَّن باب القُمرة لمنع المعتدي من الدخول، وفي Germanwings منع الباب نفسه القائد من العودة. ثم قيل إنّ وجود شخصين داخل القُمرة يَحدّ من خطر الانفراد، وها نحن أمام واقعة تُذكِّرنا بأن الخطر قد يُوجد داخل القُمرة نفسها. ولهذا فالتحدي الحقيقي للقانون ليس أن يبني نظامًا يفترض أن الإنسان لن يُخطئ أو لن ينحرف، بل أن يبني نظامًا يحتمل الخطأ والانحراف دون أن ينهار.

الأمن الكامل وهم، لأنَّ كل منظومة تحتاج في نهايتها إلى قدر من الثقة في الإنسان. لكنَّ وظيفة القانون ليست أن يلغي الثقة، بل أن يمنع تحول خيانتها إلى كارثة. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enable Notifications OK No thanks