روكب اليوم
2026-10-22 10:12:00
(روكب اليوم) — في زمن أصبحت فيه تطبيقات المواعدة مصدرًا للإرهاق والإحباط لكثيرين، تذكّرنا قصة حقيقية من عالم الحيوان بأنّ البحث عن شريك قد يدفع صاحبه إلى خوض رحلة صعبة. فقد غادرت ثلاثة كلاب برية إفريقية من الذكور قطيعها في زامبيا، وانطلقت في رحلة طويلة وخطيرة امتدت نحو 4،125 كيلومترًا، بحثًا عن إناث للتزاوج وتأسيس مجموعة جديدة.
وقد واجهت الكلاب خلال الرحلة أنهارًا مليئة بالتماسيح، ومناطق تنتشر فيها الأسود، إضافة إلى مخاطر البشر. وفي أقل من تسعة أشهر قطعت مسافة هائلة انتهت في أبريل/ نيسان الماضي، مسجلة أطول رحلة برية موثقة لحيوان على القارة الإفريقية.

ولم تكن الرحلة مهمة من حيث طولها فقط، بل كشفت أيضًا عن قدرة مدهشة لدى هذه الحيوانات الاجتماعية جدًا على الربط بين مجموعات متباعدة جغرافيًا.
وتابع عالم الأحياء والمحافظة على البيئة سكوت كريل، من جامعة ولاية مونتانا، حركة الكلاب الثلاثة يومًا بعد آخر، من خلال أطواق مزوّدة بنظام تحديد المواقع العالمي (GPS).

قال كريل، الذي شارك في إعداد دراسة حول رحلتهم، التي نُشرت في دورية “The Scientific Naturalist” الشهر الماضي، لـ روكب اليوم، إنّ مراقبة تحرّكاتها يوميًا كانت تجربة استثنائية.
وتُعرف الكلاب البرية الإفريقية بروابطها الاجتماعية القوية. وبحسب الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة، تصنّف الكلاب البرية الأفريقية ضمن الأنواع المهددة بالانقراض، إذ لم يتبقّ منها سوى أقل من 700 مجموعة وأقل من 1700 فرد بالغ على مستوى العالم، كما يواجه الباحثون صعوبة متزايدة في العثور عليها.

وتعيش هذه الكلاب ضمن مساحات واسعة جدًا، كما أنّ التكاثر داخل القطيع يقتصر عادة على ذكر وأنثى مهيمنين فقط.
ولهذا يواجه الأفراد الآخرون، بعد بلوغهم، خيارًا صعبًا: إما البقاء في المجموعة وانتظار فرصة للوصول إلى موقع الهيمنة، أو مغادرة القطيع بحثًا عن شريك وتأسيس أسرة جديدة، وهي عملية تُسمّى “التشتت”.
وفي 6 أغسطس/آب عام 2025، اختارت الكلاب الثلاثة، وكانت تبلغ من العمر ثلاث سنوات، الخيار الثاني. وكانت قد نشأت ضمن قطيع “Mayukuyuku” في حديقة كافوي الوطنية غربي زامبيا.

ولم يكن رحيلها مفاجئًا، لأنّ فرصها في التكاثر داخل القطيع الكبير كانت محدودة، خصوصًا أنّ أربعًا من شقيقاتها في العمر ذاته كانت قد غادرت قبلها بأسبوعين.
لكن ما حدث بعد ذلك كان غير مسبوق. خلال شهر واحد فقط، تحركت الكلاب مئات الكيلومترات باتجاه مناطق أكثر حضرية، وكانت تتراجع بسرعة كلما اقتربت من مدن كبيرة مثل كابوي. وعندما دخلت مناطق ذات كثافة بشرية أعلى، تغير أسلوب حركتها بشكل ملحوظ؛ فعوض التوازن المعتاد بين الصيد والراحة والتنقل، بدأت تتحرّك بسرعة وعلى خطوط أكثر مباشرة لتقليل الوقت الذي تقضيه قرب مصادر الخطر.

وفي منتصف سبتمبر/أيلول الماضي، حدثت مفاجأة لافتة، إذ التقت الكلاب الذكور الثلاثة بشقيقاتها، بعدما قطعت أكثر من 1200 كيلومتر من نقطة انطلاقها.
ويرى الباحثون أنّ هذا اللقاء يوضح مدى قوة حاسة الشم وقدرة الكلاب البرية على تحديد مواقع أفراد مجموعتها حتى عبر مسافات شاسعة.
وبعد قضاء يوم مع شقيقاتها، واصلت الكلاب الثلاثة رحلة متعرّجة استمرت 6 أشهر باتجاه الغرب، حتى وصلت إلى منطقة غابية في وادي لوانغوا شرقي زامبيا، وهي منطقة تضم واحدة من أكبر تجمعات الكلاب البرية الإفريقية.
ويعتقد كريل أنها ربما التقت بالفعل بإناث هناك، لكن بُعد المنطقة وصعوبة الوصول إليها جعلا التأكد من ذلك أمرًا مستحيلًا حتى الآن.
وأثارت هذه الرحلات الطويلة تفاؤل الباحثين، لأنّ بيانات الحيوانات المزودة بالأطواق أظهرت وجود اتصال فعلي بين جميع تجمعات الكلاب البرية المقيمة في زامبيا، عبر سبع حدائق وطنية. كما امتدت بعض الرحلات إلى دول مجاورة مثل موزمبيق وجمهورية الكونغو الديمقراطية ومالاوي. وهذا الترابط مهم لبقاء النوع، لأن المجموعات المعزولة تكون أكثر عرضة للانقراض.
لكن الجانب الآخر من القصة يُعد أكثر قسوة. فبعد أسابيع من لقاء الذكور بشقيقاتها، وقعت إحدى الإناث في فخ سلكي وضعه صيادو لحوم الطرائد. وهذه الفخاخ لا تستهدف الكلاب البرية تحديدًا، لكنها تمسك بأي حيوان يمر في طريقها، وقد تسبب جروحًا عميقة ومميتة.

وتشير بيانات التتبع إلى أن شقيقتين عادتا إلى الأنثى المصابة، وهو سلوك يعكس الروابط القوية داخل المجموعة. إلا أن إحدى الشقيقتين توقفت لاحقًا عن الحركة، وعُثر على طوقها وقد قُطع بسكين، ما دفع الباحثين إلى الاعتقاد بأنها وقعت هي الأخرى في فخ وماتت. أما مصير الشقيقة المتبقية فظل مجهولًا لأنها لم تكن ترتدي طوق تتبّع.
ويرى كريل أن مشكلة الفخاخ لا يمكن حلها بمجرد تطبيق القانون. فالكثير ممن يستخدمونها يعيشون في فقر شديد ويعتمدون على الصيد للحصول على الطعام أو الدخل. لذلك فإن الحل يتطلب أيضًا توفير بدائل اقتصادية تجعل الصيد غير المشروع أقل ضرورة.
والخطر الأكبر لا يتمثل فقط في موت الكلاب بحد ذاتها، بل في تناقص الحيوانات العاشبة التي تشكل فرائسها الطبيعية. فكلما قلّت أعداد الفرائس، اضطرت الكلاب إلى قطع مسافات أطول للعثور على الغذاء، وهو ما يزيد احتمال تعرضها للفخاخ ومخاطر البشر.
وهكذا تبدو رحلة الكلاب الثلاثة مزيجًا من الأمل والخطر. فهي دليل على قوة هذه الحيوانات وقدرتها على البقاء والتواصل بين مناطق شاسعة، لكنها تذكير أيضًا بمدى هشاشة مستقبلها في عالم يزداد فيه تأثير البشر في الطبيعة.