روكب اليوم – متابعات
2026-10-31 08:14:00
تستعد مدينة القطن بمحافظة حضرموت لاستقبال زوار موسم زيارة الهدّار السنوية، التي تمثل واحدة من أبرز المناسبات الدينية والاجتماعية والتجارية في وادي حضرموت، وتحمل في طياتها إرثاً تاريخياً عريقاً يمتد، بحسب روايات متداولة، إلى ما يقارب مائتي عام، ارتبطت خلالها الزيارة بحياة المجتمع الحضرمي، وأسهمت في تعزيز أواصر التواصل والتآخي والتصالح بين القبائل، إلى جانب دورها التجاري والثقافي.
وتُعد زيارة الهدّار، المعروفة أيضاً بزيارة السيد عمر، من الزيارات التاريخية التي احتفظت بمكانتها في الذاكرة الحضرمية، إذ تقام سنوياً في الثاني عشر من شهر جمادى الآخرة، وتستمر أسبوعاً أو أكثر، مستقطبة زواراً من مختلف مديريات حضرموت ومحافظات الجمهورية.
تختلف الروايات حول التاريخ الدقيق لنشأة الزيارة؛ فهناك من يرجع بدايتها إلى نحو مائتي عام، فيما تذهب رواية أخرى إلى أنها نشأت عقب وفاة مؤسسها العلامة والمصلح الاجتماعي السيد عمر بن محمد بن محسن الهدّار العلوي، غير أن بعض المهتمين بتاريخ الزيارة يرون أن هذه الرواية لا تتفق مع الشواهد التاريخية المتداولة، التي تشير إلى أن الزيارة كانت قائمة في عهد السيد عمر الهدّار، وشهدت آنذاك دوراً اجتماعياً بارزاً في معالجة الخلافات القبلية.
فقد كانت أيام الزيارة الثلاثة تمثل هدنة اجتماعية بين القبائل المتنازعة، وتُستثمر المناسبة لعقد الصلح وإنهاء الخصومات، الأمر الذي أكسبها مكانة تتجاوز الطابع الديني، لتصبح محطة مهمة في تعزيز السلم الاجتماعي والتقارب بين أبناء المجتمع الحضرمي.
وتأتي زيارة الهدّار ضمن منظومة الزيارات الدينية والتاريخية الاثنتي عشرة المعروفة في محافظة حضرموت، وتُعد، من حيث كثافة الحضور والزوار، الثانية بعد زيارة النبي هود عليه السلام، وفق ما يتداوله المهتمون بتاريخ هذه المناسبات.
لم تقتصر أهمية الزيارة في الماضي على الجانب الديني والاجتماعي، بل كانت تمثل موسماً اقتصادياً وتجارياً واسعاً، ينتظره التجار والمواطنون على حد سواء.
فقد اعتاد الزوار استغلال أيام الزيارة للتزود باحتياجاتهم ومؤنهم التي تكفيهم لعام كامل، إلى جانب شراء مستلزمات المنازل والملابس والمقتنيات المختلفة، وتجهيز العرسان، وهو ما جعلها سوقاً موسمية كبرى تستقطب التجار والحرفيين من مناطق متعددة.
وكانت أسواق الذهب والفضة والأقمشة والمطاعم تشهد حركة تجارية نشطة، فيما تمتلئ أروقة السوق بالزوار والمتسوقين، حتى تجاوز عدد الحاضرين في بعض السنوات مائة ألف زائر من مختلف المحافظات، وفق تقديرات متداولة.
ومنذ سبعينيات القرن الماضي، شهدت الزيارة تحولاً في موقع إقامتها؛ إذ انتقلت من محيط قباب الهدّار وسط مدينة القطن إلى موقعها الحالي أسفل جبل الريضة، حيث بدأ تنظيم السوق التجاري بصورة أوسع، واستمر هذا الموقع محتضناً فعاليات الموسم حتى اليوم.
وكانت الطقوس الدينية في مراحل سابقة تنطلق من بيوت الهدّار بمنطقة المرقدة وصولاً إلى قباب الهدّار وسط المدينة، بمصاحبة فرق الطيالة، في مشهد شعبي وديني كان يعكس طبيعة المناسبة وارتباطها بالموروث الحضرمي.
كما لم تكن الزيارة مجرد تجمع ديني أو سوق تجاري، بل كانت تظاهرة اجتماعية وثقافية وفنية متكاملة، شهدت تنظيم حفلات فنية وسهرات غنائية شارك فيها عدد من أبرز الفنانين والمطربين من المحافظات الجنوبية، إلى جانب فرق المسرح الوطني، فضلاً عن الأنشطة الرياضية والألعاب الشعبية، وفي مقدمتها لعبة الشبواني التي ارتبطت بموسم الزيارة وأضفت عليه طابعاً تراثياً مميزاً.
وفي مراحل لاحقة، شهد تنظيم الموسم تجارب متعددة، إذ تشير روايات مهتمين بتاريخ الزيارة إلى أن مسؤولية تنظيمه أُسندت إلى المرحوم عمر كرامة باحرز، بعد خلافات حول اتفاقية سابقة مع مكتب الفواز ومؤسسة هينن، كانت تستهدف تنظيم الموسم واستقدام فرق فنية وطنية والتنسيق مع القناة الفضائية اليمنية، وذلك في منتصف عام 1996م.
واستمرت تلك التجربة لعدة سنوات قبل أن تتوقف نتيجة خلافات بين الشركاء.
ورغم ما شهدته تلك المرحلة من محاولات لإضفاء طابع تنظيمي وفني أوسع على الموسم، فإن الزيارة لم تستثمر بالشكل الأمثل، ولم يُستفد بصورة كافية من مقومات مديرية القطن وإمكاناتها، أو من الخبرات والتجارب السابقة لتطوير الفعاليات ومواكبة المتغيرات.
ومع مرور السنوات، أخذت الزيارة تميل بصورة أكبر إلى كونها سوقاً تجارياً، مع استمرار بعض الأنشطة المصاحبة، ومنها الألعاب الشعبية الشبوانية والفعاليات الرياضية والمسرحية، فيما تراجعت بعض المظاهر التي كانت تشكل جزءاً أساسياً من هويتها، وتقلصت بعض الأسواق التقليدية، ومنها أسواق الذهب والفضة والأقمشة، كما تراجع النشاط في عدد من المطاعم والمرافق التجارية.
لقد كانت زيارة الهدّار في سنوات ازدهارها نموذجاً يحتذى به في التنظيم وحجم المشاركة وتنوع الأنشطة المصاحبة، وكانت تحظى بحضور شخصيات رسمية وقيادات من الدولة والسلطة المحلية، إلى جانب كبار الشخصيات الاجتماعية والقبلية، فضلاً عن مشاركة نخبة من الفنانين والمطربين وفرق المسرح الوطني.
غير أن هذا الحضور والزخم لم يستمرا بالمستوى ذاته، نتيجة جملة من العوامل، من بينها ضعف استثمار المقومات التاريخية والسياحية والتجارية للمديرية، وتراجع بعض الفعاليات المصاحبة، فضلاً عن محاولات سابقة لم تنجح في إلغاء الموسم أو النيل من استمراريته.
إن زيارة الهدّار ليست مجرد سوق موسمي أو مناسبة عابرة، بل هي ذاكرة تاريخية واجتماعية حية، تختزن صفحات من تاريخ حضرموت، وتجسد الدور الإصلاحي والاجتماعي الذي اضطلع به مؤسسها العلامة السيد عمر بن محمد بن محسن الهدّار العلوي، الذي ارتبط اسمه بهذه المناسبة، حتى أصبحت تعرف باسمه وتُخلّد ذكراه عبر الأجيال.
ومن هنا تبرز أهمية الحفاظ على هذا الإرث وتطويره، وعدم الاكتفاء بإقامة السوق التجاري، بل العمل على إعادة الاعتبار لمختلف مكونات الزيارة، الدينية والثقافية والفنية والتراثية والرياضية، وإحياء الأنشطة التي صنعت شهرتها ومكانتها في الماضي.
كما تبرز أهمية إشراك أسرة صاحب الزيارة في الإشراف أو التنظيم، والاستفادة من خبرات المهتمين بتاريخها، إلى جانب دور السلطة المحلية والمكاتب المختصة والقطاع التجاري والمجتمع، للخروج برؤية متكاملة تعيد للموسم ألقه، وتجعله أكثر قدرة على مواكبة متطلبات الحاضر.
إن تطوير زيارة الهدّار لا يعني استنساخ الماضي بكل تفاصيله، وإنما استلهام أفضل تجاربه، والبناء عليها بما يتناسب مع واقع اليوم، وتحويلها إلى مناسبة دينية وتراثية وسياحية واقتصادية متكاملة، تعزز مكانة مدينة القطن وتبرز خصوصيتها الحضارية.
وقد حظيت الزيارات الحضرمية، ومنها زيارة السيد عمر الهدّار بالقطن، باهتمام عدد من المؤلفين والرحالة والمستشرقين الذين تناولوا هذه الظاهرة الاجتماعية والدينية في كتاباتهم، كما سبق أن تناولت بعض الصحف المحلية، ومنها صحيفتا الأيام والطريق، تاريخ الزيارة وأهميتها ومراحل تطورها.
وهو ما يؤكد الحاجة إلى مزيد من التوثيق والبحث في تاريخها، وجمع الروايات والشهادات والصور والوثائق المرتبطة بها، حفاظاً على هذا الموروث من الاندثار، وتعريف الأجيال الجديدة بقيمته ومكانته في تاريخ حضرموت.
ختاما.. زيارة الهدّار حكاية قرنين من الوفاء والتواصل.. وموسم يستحق أن يستعيد مكانته، وأن تستقبل به مدينة القطن زوارها بما يليق بتاريخها وإرثها العريق.