روكب اليوم
Published On 18/5/2026
مع تصاعد التوترات في واحد من أهم الشرايين المائية في العالم؛ مضيق هرمز، تشهد أسواق الطاقة العالمية حالة من الغليان، فقد قفزت أسعار خام برنت لتلامس مستويات 112 دولارا للبرميل، كما تشير المعطيات الميدانية وتحليلات خبراء للجزيرة إلى أن العالم لم يعد يواجه مجرد طفرة سعرية مؤقتة، بل سيعاني من “أزمة استنزاف” قد تعيد تشكيل خارطة الاقتصاد العالمي وتدفع الأسعار نحو حدود غير مسبوقة.
وتؤكد البيانات الملاحية الأخيرة، وفقا لما رصده محمود الكن على الشاشة التفاعلية على الجزيرة، أن حركة السفن في مضيق هرمز لا تزال في أدنى مستوياتها، رغم رصد دخول 3 ناقلات فقط عبر المسار الدولي خلال الـ 24 ساعة الماضية.
لكن الأمر الأكثر إثارة للقلق يتجاوز مجرد حركة المرور؛ إذ كشفت صور الأقمار الصناعية (سنتينل 1 و2) عن تجمع نحو 20 سفينة حول جزيرة “خارك” الإيرانية دون القدرة على تحميل الشحنات.
وبحسب تقارير وكالة بلومبيرغ، فإن هذا المشهد يمثل مؤشرا خطيرا على حالة “اختناق” ناتجة عن امتلاء الخزانات تدريجيا وعدم القدرة على تصريف الإنتاج، مما يضع سلاسل الإمداد العالمية في مواجهة حائط مسدود.
نقطة الاستنزاف الخطيرة
في قراءة تحليلية لهذا المشهد، يحذر خبير أسواق النفط والطاقة عامر الشوبكي من أن العالم قد يكون على بعد أسابيع قليلة من وصول الأسعار لحدود غير مسبوقة، إذ قد يصل خام برنت إلى حاجز 130 دولارا للبرميل، وهي مستويات كفيلة بـ”هدم الطلب” العالمي، لكن ما قد يخففها هو مرور بعض السفن من مضيق هرمز خاصة سفن الطاقة والنفط.
غير أن الشوبكي لفت إلى تداعيات التصعيد الأخير، بعد استهداف محطة براكة النووية في الإمارات، على تأجيج الموقع وقدرة الدول على تحمل دعم الأسعار إلى جانب تناقص المخزونات العالمية.
فقد أعلنت وزارة الدفاع الإماراتية أمس الأحد أنها تعاملت مع 3 مسيرات دخلت البلاد من الحدود الغربية، وأصابت إحداها مولدا كهربائيا خارج المحيط الداخلي لمحطة براكة للطاقة النووية في منطقة الظفرة، بينما تم التصدي بنجاح لمسيرتين.
ويجيب الشوبكي بالإيجاب عن السؤال الجوهري: هل نحن أمام نقطة استنزاف خطيرة؟ مؤكدا أن المخزونات العالمية تعاني من تآكل حاد؛ حيث تم استنفاد أكثر من 60% من المخزون العالمي، ولم يتبقَّ سوى ما يقارب 800 مليون برميل فقط.
ويستطرد الخبير الاقتصادي إلى أن هذا النقص الحاد ناتج عن تعويض العجز في إمدادات هرمز (الذي تجاوز المليار برميل) من المخزونات الإستراتيجية والتجارية، مما يضع أمن الطاقة العالمي في مهب الريح ويجبر البنوك المركزية على الاستمرار في رفع أسعار الفائدة لمواجهة التضخم، وهو ما قد يولد أزمات سياسية ومالية حادة.
ووفق الشوبكي، فإن أعباء هذه الأزمة لا تتوزع بالتساوي بين الدول في التأثير، إذ يرى أن آسيا هي المتضرر الأكبر، لكونها تعتمد بنسبة تفوق 60% على إمدادات الطاقة المارة عبر هرمز، مشيرا إلى اقتصاد اليابان، بوصفها أحد أقوى اقتصادات القارة، التي بدأت تئن تحت وطأة هذه التكاليف.
اليابان نموذجا للألم الآسيوي
وينقل مراسل الجزيرة في طوكيو فادي سلامة صورة قاتمة للاقتصاد الياباني؛ حيث اضطرت حكومة اليابان لطلب ميزانية تكميلية لعام 2026 لمواجهة فواتير الطاقة الباهظة.
وتُنفق الحكومة اليابانية حاليا نحو مليار دولار شهريا فقط لدعم أسعار البنزين والحفاظ على سقف سعري عند 170 ينا للتر. وقد وضع هذا الضغط المالي رئيسة الوزراء سناء تاكايتشي في مأزق سياسي، حيث تلاشت وعودها بتخفيض الضرائب وفواتير الكهرباء والغاز أمام حتمية الإنفاق على تأمين الوقود.
بينما تأتي آسيا في مقدمة المتضررين، تتبعها أوروبا في المرتبة الثانية، يبقى التحذير الأخير للخبير الاقتصادي الشوبكي هو الأكثر قسوة؛ إذ يرى أن الدول الفقيرة هي من سيدفع الثمن الأغلى.
فهذه الدول، التي لا تملك الرفاهية المالية لدعم الأسعار كما تفعل اليابان، ستواجه ضغوطا معيشية قد تخرج عن السيطرة، مما يحول أزمة الطاقة من مجرد أرقام في البورصات العالمية إلى اضطرابات تمس مناحي الحياة الأساسية في مجمل دول العالم.