روكب اليوم
لا تبدو المواجهة في مخيمات شمال الضفة الغربية مقتصرة على عملية عسكرية، بل تكشف عن إعادة تشكيل المكان وتفكيك المخيمات، بما يحمله ذلك من تداعيات على الوجود الفلسطيني وذاكرة النكبة وحق العودة.
ويقول خبير الخرائط والاستيطان خليل التفكجي إن مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس تقع بالقرب من الخط الأخضر، وهو ما يجعلها، من وجهة نظره، عائقا أمام التمدد الإسرائيلي باتجاه المدن الفلسطينية.
قصص مقترحة
list of 2 itemsend of list
أما الباحث في الشؤون الإسرائيلية سليمان الشاهين، فيرى أن طبيعة المخيمات نفسها، بما تتسم به من كثافة سكانية وأزقة ضيقة، تجعل السيطرة عليها أكثر تعقيدا، مشيرا إلى أن السيطرة على هذه المخيمات يمكن أن تحمل أيضا رسالة ردع لبقية مخيمات الضفة الغربية.
ولا تقتصر أهمية المخيمات على رمزيتها، فموقعها الجغرافي يزيد من حساسية الصراع حولها. ويوضح التفكجي أن مخيم جنين، الذي تبلغ مساحته نحو نصف كيلومتر مربع ويبعد قرابة أربعة كيلومترات عن الخط الأخضر، تحيط به المستوطنات والطرق الالتفافية من جهات عدة، فيما تقع مخيمات نور شمس وطولكرم على مسافات قريبة من الخط الأخضر، وتحاصرها الحواجز والمستوطنات والطرق الالتفافية.
من العمليات العسكرية إلى تغيير شكل المخيم
وتشير المعطيات التي عرضها تقرير “للقصة بقية” ، استنادا إلى صور أقمار صناعية حللها مركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية “يونوسات”، إلى تعرض نسب كبيرة من مباني المخيمات الثلاثة للتدمير أو الأضرار. ففي مخيم جنين تضرر أو دُمر 680 مبنى، أي 53% من إجمالي مباني المخيم، بالتزامن مع شق طرق وتوسعات جديدة تجاوز مجموع أطوالها أربعة كيلومترات.
وفي مخيم طولكرم طال الضرر 407 مبان، بنسبة 37% من منشآت المخيم، فيما امتدت الممرات الجديدة والتوسعات لأكثر من كيلومترين ونصف الكيلومتر. أما مخيم نور شمس، فسجل تضرر أو تدمير 434 مبنى، بنسبة بلغت 55%، بينما وصلت أطوال الطرق المستحدثة والتوسعات إلى نحو كيلومترين ومئتي متر.
ويرى التفكجي أن شق الطرق داخل المخيمات يهدف إلى تسهيل الحركة الأمنية، لكنه يؤدي في الوقت نفسه إلى تفريغ أجزاء منها من سكانها ونقلهم إلى المدن أو مناطق أخرى، بما يفضي إلى تفكيك البنية الاجتماعية للمخيم.
حرب على الأرض والإنسان والرواية
في قراءة سياسية لهذه التطورات، يقول محمد اشتية، رئيس الوزراء الفلسطيني السابق وعضو اللجنة المركزية لحركة فتح، إن ما يجري يمثل حربا على مكونات القضية الفلسطينية، تشمل الأرض والإنسان والمال والرواية، مضيفا أن المخيمات تتعرض لحرب على حق العودة.
ويربط اشتية بين استهداف المخيمات والضغط على وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، قائلا إن الوكالة تمثل الذاكرة التراكمية للاجئ الفلسطيني وسجلات اللاجئين، وإن تجفيف مواردها يأتي، في رأيه، ضمن مسار يستهدف قضية العودة. ويضيف أن ما يجري في مخيمات شمال الضفة يمثل امتدادا لما حدث في غزة، وأشار إلى أن أكثر من 33 ألف فلسطيني هُجّروا من مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، محذرا من أن الاستهداف قد يطال بقية مخيمات الضفة الغربية.
ويرى اشتية أن قضية اللاجئين واحدة من قضايا الحل النهائي إلى جانب المستوطنات والقدس والحدود، مؤكدا أن رفض إسرائيل حق العودة يجعل المخيمات هدفا أساسيا في هذا الصراع. ويصف ما يجري بأنه حلقة في مسلسل يستهدف، بحسب تعبيره، الكيانية الفلسطينية وديموغرافيتها وجغرافيتها ومالها وروايتها.
من غزة إلى الضفة والقدس
ويربط اشتية بين الحرب في غزة والتطورات في الضفة الغربية والقدس، معتبرا أن التدمير والتجويع ومحاولات التهجير تشكل، من وجهة نظره، أجزاء مترابطة من مشروع يستهدف الوجود الفلسطيني. لكنه يؤكد في المقابل أن هذا المشروع يواجه صمودا فلسطينيا وحراكا دوليا، مشيرا إلى تحركات أمام المحاكم الدولية ومواقف دولية رافضة للاستيطان.
ويقول إن الفلسطينيين لن يتركوا أرضهم، وإن محاولات التهجير واجهت مواقف عربية، مؤكدا أن الصمود الفلسطيني والتحرك الدولي يشكلان، بالنسبة إليه، عاملين أساسيين في مواجهة هذه السياسات.
لكن رئيس الوزراء الفلسطيني السابق يرى أن الخطر لا يتوقف عند المخيمات، بل يتصل بالمشروع الاستيطاني الأوسع. ويشير إلى وجود نحو 881 ألف مستوطن في أكثر من 600 بقعة استيطانية في الضفة الغربية بما فيها القدس المحتلة، إضافة إلى نحو 1200 حاجز عسكري وبوابة، معتبرا أن هذه المعطيات تؤدي إلى تفتيت الجغرافيا الفلسطينية وتحويل المدن والقرى إلى مناطق منفصلة عن بعضها.
ورغم ذلك، يقول اشتية إن قيام الدولة الفلسطينية ما زال ممكنا من الناحية النظرية، لأن المجتمع الدولي والشعب الفلسطيني والدول العربية ما زالوا يؤيدون هذا الخيار. ويؤكد أن الفلسطينيين لن يقبلوا بفرض واقع دولة واحدة على أساس التمييز، وأنهم سيواصلون مقاومة الأمر الواقع، بحسب تعبيره.
هل يتحول الموقف الأوروبي إلى ضغط حقيقي؟
في المقابل، يبرز الموقف الأوروبي بوصفه أحد التحولات التي يحاول الفلسطينيون البناء عليها. ويقول اشتية إن مواقف عدد من الدول الأوروبية، وفي مقدمتها بريطانيا، تمثل خطوة مهمة، مشيرا إلى أن أوروبا هي الشريك التجاري الأهم لإسرائيل، وبالتالي فإن اتخاذ إجراءات اقتصادية تجاه المستوطنات يمكن أن يشكل ضغطا فعليا.
كما يلفت إلى أن عددا من المستوطنين يحملون جنسيات أو جوازات سفر أوروبية، معتبرا أن التعامل الأوروبي مع المستوطنات باعتبارها غير قانونية يمكن أن يحد من قدرتها على استقطاب السكان.
ومن لندن، يرى شوكت آدم، النائب المستقل في مجلس العموم البريطاني، أن الجديد في موقف بريطانيا يتمثل في الانتقال، بحسب وصفه، من الإدانات اللفظية إلى إجراءات ملموسة وعقوبات اقتصادية. ويقر آدم بأن الخطوات جاءت متأخرة، لكنه يرى إمكانية البناء عليها، داعيا إلى تطبيقها سريعا قبل أن تتغير الحكومات أو تتبدل المواقف السياسية.
ويقول إن بريطانيا وحدها لا تستطيع معالجة القضية، لكن تعاونها مع كندا وعدد من الدول الأوروبية، إلى جانب مواقف منسقة في مجلس الأمن الدولي، يمكن أن يحدث فرقا. ولا يحصر آدم المسؤولية في عنف المستوطنين، بل يدعو إلى استهداف البيئة التي تسمح لهم بالعمل، بما في ذلك التخطيط والتمويل والحماية، مشيرا إلى ضرورة تحميل كل من يسهم في هذه المنظومة المسؤولية.
حياة الفلسطينيين تتآكل
ويستند آدم أيضا إلى ما شاهده خلال زيارته الأراضي الفلسطينية، قائلا إن الفلسطينيين يعيشون هذا الواقع يوميا، وإن أجيالا من الأطفال يفقدون فرص التعليم بسبب الحواجز وبعد المسافات، بينما يواجه العمال صعوبات كبيرة في الوصول إلى أماكن عملهم.
ويتحدث عن بلدات تغلق لأيام، وعن مشكلات اجتماعية تتفاقم، معتبرا أن مختلف جوانب حياة الفلسطينيين تتآكل، لكنه يشدد في الوقت نفسه على استمرار صمودهم. ويرى النائب البريطاني أن أوروبا تستطيع قيادة تحرك دولي في ظل اختلاف الموقف الأميركي، داعيا الدول الأوروبية إلى توحيد مواقفها واستخدام ثقلها السياسي والاقتصادي.
ويشير إلى أن ما حدث في غزة، من قتل ودمار طال المستشفيات والمدارس والمنازل والمخيمات، دفع قطاعات من الرأي العام الأوروبي إلى إعادة النظر في مواقفها، معتبرا أن العلاقات التاريخية لبريطانيا بالمنطقة تمنحها مسؤولية خاصة.
Published On 15/9/2026