صانع الأرابيسك الأخير.. ورشة تقاوم الزمن وتحمي الحرفة من الانقراض | أسلوب حياة


روكب اليوم

بين أزقة أحياء بنيت منذ ألف عام، تبقى القاهرة القديمة كما أسسها جوهر الصقلي، ومشى فيها المعز لدين الله الفاطمي. وفي الدرب الأحمر الذي اكتسب اسمه من لون الدم الذي صبغه محمد علي باشا في محيط القلعة، لا تزال ورش الحرف القديمة جزءا من ملامح المكان، ومن بينها ورشة المهندس عبد الله للأرابيسك التي تقاوم اندثار الفن المصري القديم مثل كل جميل مر من هنا يوما ما.

ضريح مملوكي وضريح ولي وبينهما الورشة

يمتد الطريق المؤدي إلى ورشة المهندس محمد عبد الله طويلا، لكنه ليس طريقا عاديا؛ ففي كل خطوة تستقبلك ذكرى أمير مملوكي عاش قبل قرون، أو ولي من آل البيت عرفه المصريون وأجلّوا مقامه.

قصص مقترحة

list of 2 itemsend of list

تقع ورشة الأرابيسك الوحيدة في الدرب الأحمر داخل “سكة أبو حريبة “، وهو شارع استمد اسمه من المسجد الذي يحتضن ضريح الأمير المملوكي قجماس، إلى جانب سبيل ومدرسة.

يتوسط المسجد قلب الدرب الأحمر، ويطل من ناحية على القلعة، ومن ناحية أخرى على باب زويلة، بينما تفتح بوابته الرئيسية على شارع الدرب الأحمر. وهناك تقع ورشة الأرابيسك؛ تطل على الجامع المملوكي العتيق، ويواجه مدخلها مقام الشيخ “عبد الله الريحاني “، وهو الاسم الذي أطلقه المصريون على حفيد الحسن بن علي بن أبي طالب.

بين الضريح المملوكي، ومقام الوليّ، وورشة عبد الله للأرابيسك، تتشكل صورة لقاهرة خفية لا تكشف عن نفسها إلا لمن يعبر ذلك الطريق.

تقع ورشة الأرابيسك الوحيدة في الدرب الأحمر في “سكة أبو حريبة ” (الجزيرة)

ورشة عبد الله.. من “القويمة ” إلى الأرابيسك

في ثمانينيات القرن الماضي، كانت ورشة الحاج عبد الله الورشة الوحيدة لصناعة الأثاث في حي الدرب الأحمر، لكنها لم تكن متخصصة في الأرابيسك آنذاك.

كان الأب الحرفي الوحيد في الحي الذي يصنع “القويمة ” المذهبة، ويعاونه ولداه في أعمال النجارة. ومع ذلك، ظل مؤمنا بأن التعليم ضرورة لا غنى عنها، فلم يسمح لأي من أبنائه بترك المدرسة أو الانشغال بالورشة قبل إتمام دراسته الجامعية.

كان ابنه الأصغر “محمد ” استثناء؛ فقد تعلق بالخشب منذ طفولته، يصنع منه أشكالا صغيرة، وينظم بقايا النجارة في خيوط تحاكي تعشيقات الأرابيسك. وعندما لم يحصل في المرحلة الإعدادية على مجموع يؤهله للالتحاق بالثانوية العامة، قرر الاكتفاء بما ناله من التعليم، واستكمال حياته في الورشة إلى جوار أبيه.

لكن صفعة من الأب أعادته عن قراره، وأعقبتها دفعة نحو المدرسة العسكرية، لتكونا سببا في حصوله على شهادة تليق بما كان والده يرجوه له. ولا يزال محمد يتذكر كلماته: “الورشة هتفضل موجودة، لكن التعليم لو مخدتوش دلوقتي، عمرك ما هتحصله “.

في ثمانينيات القرن الماضي، كانت ورشة الحاج عبد الله هي ورشة الأثاث الوحيدة في حي الدرب الأحمر (الجزيرة)

درس العمر بـ 300 جنيه وقصة لا تنسى

كان محمد يدرس في الشتاء، ويقضي عطلته الصيفية عاملا في الورشة. ويحكي للجزيرة نت عن محاولته الأولى لصناعة الأرابيسك: “قررت أن أشتري أخشابا من دون علم والدي، وأجرب العمل بها، لكنني لم أنجح وأهدرت 300 جنيه (نحو 6 دولارات)، كانت كل ما أملك آنذاك، ولم أكن قد أكملت 15 عاما “.

وبعينين اغرورقتا بالدموع، يستعيد محمد رد فعل والده: “سألني: إنت صرفت كام؟ قلت له: 300 جنيه يا حاج “. فأخرج الأب المبلغ من جيبه ببساطة، وردد معه عبارة ما زال صداها يرافقه حتى اليوم: “الفشل مش إنك ما تنجحش.. الفشل إنك توقف المحاولة “.

تحولت كلمات الأب إلى نهج سار عليه محمد، حتى كبرت الورشة الصغيرة وأصبحت مجمعا كبيرا. وظلت صورته إلى جوار أول كرسي أرابيسك أنجزه معلقة داخل مكتب أبيه الملاصق للورشة، بجوار نماذج من “القويمة ” القديمة التي اشتهر الأب بصناعتها.

ومع ازدهار الأرابيسك خلال الثمانينيات والتسعينيات وحتى مطلع الألفية الثانية، تراجعت “القويمة ” إلى الهامش، قبل أن تتبدل أذواق الأثاث بدورها، ويبدأ الطراز “المودرن ” في غزو منازل المصريين.

لم يعد الأرابيسك مبهرا سوى لسائح يمر مصادفة، أو زبون يهوى الحرف القديمة (الجزيرة)

زمن لم يعد يتسع للأرابيسك

لم تمنح الحياة صانع الأرابيسك الأخير كل ما تمناه. رزقته بابنتين وولد، ونجح في أن يصل بهم جميعا إلى التعليم الجامعي، لكن ابنه الوحيد لم يكرر تجربته؛ فلم يتعلق بالورشة وفنونها، ولم يتمكن بعد تخرجه من الاستقرار في عمل دائم.

ولم يتغير الزمن داخل بيته فحسب، بل تبدلت أحوال الحرفة نفسها. لم يعد الأرابيسك يثير الإعجاب إلا لدى سائح يعبر المكان مصادفة، أو زبون شغوف بالحرف القديمة. كما غاب الصبية الذين كانوا يتعلمون أسراره، بعدما جذبتهم أعمال أخرى في المقاهي وعلى مركبات “التوك توك “، فتراجعت الحرفة ولم تعد تجد من يقدر فنها ويحفظ إرثها.

ومع انحسار الطلب، أصبحت الساعات التي يقضيها محمد في الورشة أطول من الوقت الذي يمضيه عاملا بالخشب. عندئذ، صار القلم والورق رفيقي يومه؛ يكتب الشعر والخواطر، أو يسجلها أولا على هاتفه المحمول، ثم يذهب إلى المكتبة القريبة ليطبعها ويراها أمامه على الورق.

يحن الرجل الستيني إلى كل ما هو أصيل، ولا تستميله البدائل الحديثة؛ فكما لا يعترف بالأثاث “المودرن “، لا يرى في الكتابة على الهاتف بديلا حقيقيا عن القلم والورق. يقول: “الورق له ريحة بتفكرني بكل حاجة حلوة عشتها مع أبويا في يوم من الأيام “.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enable Notifications OK No thanks