
روكب اليوم
Published On 9/7/2026
لم يكن نجم المنتخب الأمريكي فولارين بالوغون يعلم أن ولادته بالصدفة في أحد مستشفيات حي بروكلين في نيويورك عام 2001، أثناء زيارة عابرة لوالديه النيجيريين المقيمين في بريطانيا، ستتحول بعد ربع قرن إلى محور واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في كأس العالم 2026، بعدما جمعت بين كرة القدم والسياسة والهجرة والدستور الأمريكي في قصة تجاوزت حدود المستطيل الأخضر.
ميلاد بالصدفة
وتعود بداية الحكاية إلى زيارة قصيرة قامت بها عائلة بالوغون إلى الولايات المتحدة، قبل أن تمنع شركة الطيران والدته من السفر بسبب تقدمها في الحمل، لتجد الأسرة نفسها مضطرة للبقاء في نيويورك حتى وضعت مولودها. وبعد أسابيع قليلة عادت العائلة إلى لندن، حيث نشأ الطفل وترعرع بعيدا عن الولايات المتحدة التي لم يعرفها إلا بوصفها مكان ميلاده.
اقرأ أيضا
list of 2 itemsend of listلكن تلك الأسابيع القليلة كانت كافية لمنحه الجنسية الأمريكية تلقائيا، استنادا إلى التعديل الرابع عشر للدستور الأمريكي، الذي يمنح حق المواطنة لكل من يولد على الأراضي الأمريكية، بغض النظر عن جنسية والديه أو وضعهما القانوني.
وفي العاصمة البريطانية، بدأ بالوغون رحلته الكروية داخل أكاديمية أرسنال، في سن الثامنة، وتألق في صفوف الناشئين حتى وقع عقده الاحترافي الأول عام 2019.بوابة الدوري الفرنسي: بعد فترة إعارة قصيرة إلى ميدلزبره، انتقل معاراً إلى ستاد ريمس الفرنسي حيث تفجرت موهبته التهديفية بتسجيله 21 هدفاً خلال موسم واحد.
دفع هذا التألق اللافت بنادي موناكو إلى شراء بطاقة اللاعب بالكامل من أرسنال في أغسطس 2023 مقابل 40 مليون يورو (نحو 43.5 مليون دولار)، ليصبح ركيزة أساسية في هجوم الفريق.
يذكر أن بالوغون تدرج في المنتخبات الإنجليزية للفئات السنية، قبل أن يتخذ في عام 2023 قرارا غيّر مسار مسيرته الدولية باختيار تمثيل الولايات المتحدة، مستندا إلى جنسيته الأمريكية التي اكتسبها لحظة ولادته. ممهدا الطريق لقصة نجاح مونديالي أبهرت الجماهير الأمريكية وجعلت منه الركيزة الهجومية الأولى لمنتخبها.
تألق مونديالي
ومع انطلاق نهائيات كأس العالم الحالية، خطف بالوغون الأضواء بأهدافه الثلاثة الحاسمة، متجاوزا في بريقه وتأثيره الحضور الإعلامي الجماهيري لقائد الفريق ونجمه التاريخي بوليسيتش، ليقود بلاده بثبات نحو الأدوار الإقصائية ويرفع سقف الطموحات الشعبية الأمريكية إلى مستويات غير مسبوقة.
افتتح بالوغون البطولة بقوة بإحرازه هدفين في شباك باراغواي ليقود بلاده للفوز 4-1. هذا الإنجاز جعله أول لاعب أمريكي يسجل ثنائية في مباراة واحدة بالمونديال منذ النسخة الأولى عام 1930. شارك بعدها في الفوز على أستراليا (2-0) وحصل على بطاقة صفراء.
في مواجهة البوسنة والهرسك، سجل بالوغون هدف التقدم لبلاده، لكن في الدقيقة 64 تعرض لبطاقة حمراء مباشرة بعد الاستعانة بتقنية حكم الفيديو المساعد (VAR) إثر تدخل اعتبره المدرب ماوريسيو بوكيتينو “غير مقصود”. ليصبح رابع لاعب فقط في تاريخ المونديال يسجل ويُطرد في مباراة إقصائية
التدخل الرئاسي ومعركة الأوامر التنفيذية
أثار طرد بالوغون غضباً واسعاً تخطى الرياضة؛ حيث تدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصياً، وأجرى 3 اتصالات مع رئيس الفيفا جياني إنفانتينو لمراجعة القرار. في خطوة مذهلة وصادمة للمجتمع الكروي، أصدرت لجنة الانضباط بالفيفا قراراً بتعليق عقوبة الإيقاف التلقائي للاعب لمدة عام مع وقف التنفيذ، مما سمح له باللعب أمام بلجيكا.
فجّر هذا القرار أزمة حادة واعتراضات عنيفة من الاتحادين الأوروبي والبلجيكي لكرة القدم بداعي “التدخل السياسي”.
هذا التدخل الرئاسي المباشر وغير المعتاد للدفاع المستميت عن لاعب ولد بالصدفة لأبوين مهاجرين فتح الباب على مصراعيه أمام سيل جارف من التساؤلات الإعلامية والحقوقية حول مفهوم الاتساق السياسي ونظيره النفعي.
إذ لم يكن موقف ترامب من الجنسية بالولادة جديدا أو عابرا، ففي 30 أكتوبر/تشرين الأول 2018، صرح علانية في مقابلة مع شبكة أكسيوس بأنه يعمل جادا على إصدار أمر تنفيذي ينهي تماما حق الجنسية بالولادة، معتبرا واشتباها بأن الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة في العالم التي تمنح الجنسية تلقائيا لكل مولود على أراضيها.
تصريح فجر آنذاك سجالا دستوريا واسعا، لكون غالبية خبراء القانون أكدوا أن هذا حق محمي تاريخيا بالتعديل الرابع عشر للدستور ولا يمكن بأي حال من الأحوال إلغاؤه أو تقييده بقرار رئاسي منفرد.
وعاد ترامب لاحقا خلال حملته الانتخابية، وتحديدا في 30 مايو/أيار عام 2023، ليتعهد مجددا عبر بيانات حملته الرسمية بأنه في حال عودته للبيت الأبيض، سيصدر أمرا تنفيذيا في اليوم الأول من ولايته الجديدة يقضي بعدم منح الجنسية التلقائية لأبناء المهاجرين غير النظاميين أو الموجودين بصفة مؤقتة، واصفا حق الجنسية بالولادة بأنه بمثابة مغناطيس يغذي الهجرة غير الشرعية ويهدد سيادة البلاد.
الحلم الأمريكي في مرمى التناقض السياسي
تبدو المفارقة السياسية والإنسانية اليوم أكثر وضوحا وجلاء، فالرئيس الذي جعل من الحد من الهجرة، وتشديد قيودها، وإلغاء الجنسية بالولادة أحد أبرز وأقوى عناوين حملاته الانتخابية المتعاقبة، وجد نفسه خلال المونديال الحالي يدافع بشراسة واستماتة عن لاعب ما كان ليصبح مواطنا أمريكيا أصلا، ولا لاعبا في المنتخب الوطني، لو كانت سياساته وأفكاره القانونية مطبقة على أرض الواقع لحظة ولادة اللاعب في نيويورك.
وفي خضم هذه الأزمة، لم يعد السؤال المطروح يتعلق فقط بصحة قرار “الفيفا” أو حدود التدخل السياسي في شؤون الرياضة، بل أيضا بمدى اتساق الخطاب السياسي مع الواقع، حين يصبح أحد أبرز رموز المنتخب الأمريكي نتاجا مباشرا لحق دستوري يسعى بعض الساسة إلى إلغائه.