
وحوّل هذا التصعيد الممر المائي الدولي الأكثر حيوية إلى ساحة مواجهة عسكرية نشطة، حيث باتت قوارب الصيد التقليدية والسفن التجارية تواجه تهديدات مباشرة بالاعتراض أو الاستهداف بالصواريخ والطائرات المسيّرة، ما حدّ بشكل كبير من حرية الملاحة الآمنة للصيادين الخليجيين الذين باتوا يخشون الإبحار خارج مناطقهم الساحلية الضيقة، حسب تقرير نشرته منصة “سيفود نيوز” (SeafoodNews) المعنية بشؤون وتجارة المأكولات البحرية العالمية في 13 إبريل الماضي.
وأدت تداعيات الحرب إلى شلل شبه كامل في قطاع الصيد التقليدي على جانبي مضيق هرمز، حيث اضطر مئات الصيادين إلى إبقاء قواربهم راسية دون حراك، متأثرين بانهيار الملاحة التقليدية، وأزمة وقود خانقة غير مسبوقة.
كما تسبّب إغلاق المضيق في صدمة طاقة عالمية رفعت أسعار الديزل في الموانئ، بنسب تراوحت بين 40% و70%، ما جعل تكلفة رحلة الصيد اليومية خارج المضيق تتجاوز أي عائد مالي محتمل للصيادين الصغار، حسبما أورد تقرير نشرته “بوليتيكو” الأميركية في 20 مايو الجاري.
- تراجع الدوريات البحرية
كما تحوّلت المياه الإقليمية العمانية ومحيطها الملاحي إلى ممر خاضع لرقابة إدارية وعسكرية مشددة من قبل الحرس الثوري الإيراني، الذي أسس جهازاً تحت مسمى “سلطة مضيق الخليج العربي” لفرض تراخيص مسبقة وجباية رسوم مالية على السفن العابرة.
ورغم مساعي إيران لإشراك مسقط في إدارة هذه الترتيبات لإضفاء شرعية على السيطرة، فإن عسكرة المضيق وفرض رسوم المرور قوبلا برفض دولي تقوده واشنطن، بدعوى أن هذه الإجراءات تنتهك اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار التي تضمن حق “المرور العابر” بحرية ودون قيود مالية.
وزاد ذلك من تعقيد حركة الإبحار اليومية، إذ تضطر السفن إلى إطفاء أجهزة التتبع هرباً من ملاحقة الزوارق الإيرانية السريعة أو الاحتجاز، ما يرفع مخاطر التصادمات البحرية التي تؤثر مباشرة في الصيادين، حسب تقرير نشره موقع “المونيتور” (Al-Monitor) في 18 مايو الجاري.
وانعكست هذه الأزمة الملاحية فوراً على أسواق الأسماك الشعبية في عمان ودول الخليج، فمع تأثر عمليات الصيد وتضاعف تكاليف النقل البحري والبري وتأمين الشحن المبرد، عجز التجار عن تلبية الطلب المتزايد على الأصناف الطازجة، ما أدى إلى تمرير هذه التكاليف المرتفعة مباشرة إلى المستهلكين ورفع أسعار المأكولات البحرية الطازجة والمجمدة، بحسب تقرير نشرته “سيفود نيوز” في 20 مايو الجاري.
وحسب بيانات صادرة عن المركز الإحصائي لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، فإن مساهمة قطاع الزراعة وصيد الأسماك في الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية عام 2024 بلغت نحو 40 مليار دولار خلال عام 2024، محققة نمواً بنسبة 5.1% مقارنة بعام 2023، فيما استقرت مساهمة القطاع عند 1.7% من الناتج المحلي الإجمالي الخليجي.
وواصلت دول الخليج تسجيل نمو ملحوظ للقطاع السمكي، حيث بلغ إجمالي الإنتاج السمكي نحو 1.1 مليون طن في عام 2024، بزيادة قدرها 12.2% مقارنة بعام 2023، ليكون من بين أسرع القطاعات الغذائية نمواً خلال العام.
- الخليج وتأثر غير مباشر
ويضيف الطوقي أن الصيادين العمانيين يفضلون بيع كمياتهم الكبيرة لتاجر واحد يجمع المحصول كاملاً بدلاً من البيع بالتجزئة في الأسواق المحلية، بسبب وجود عقود طويلة الأمد ومضمونة مع تجار في دبي أو الشارقة توفر أسعاراً أفضل واستقراراً تجارياً، بينما يعتبر البيع الفردي مرهقاً وغير مضمون رغم احتمالية تحقيق ربح أكبر.
ويرى الطوقي أن الصياد العماني لا يعاني أثراً مباشراً سلبياً على إنتاجه، بل على العكس، حقق القطاع نمواً كبيراً بفضل امتلاك السلطنة أسطولاً من السفن الضخمة، القادرة على الصيد في أعالي البحار، ما رفع نسبة الأمن الغذائي السمكي إلى نحو 160%.
ويلفت إلى أن قطاع الثروة السمكية في سلطنة عمان انتقل من الاعتماد على الطرق التقليدية والسفن الصغيرة محدودة المدى إلى الاستثمار في سفن عملاقة، تعمل بأساليب علمية مدروسة ومراقبة في أعالي البحار، ما سمح باستغلال الثروة السمكية بصورة أفضل، وتجاوز تحديات هجرة الأسماك التي كانت تعوق الصيادين التقليديين.
كما شهد القطاع قصص نجاح متزايدة، ونسب نمو مرتفعة منذ عام 2020 نتيجة للاستثمار طويل الأمد برؤوس أموال كبيرة، حيث يؤدي نجاح كل سفينة أو ناقلة جديدة إلى تعزيز الثقة، وجذب استثمارات إضافية لشراء سفن أخرى، ما يضمن عوائد اقتصادية متنامية ومستدامة مستقبلاً، حسب الطوقي، الذي أشار في الوقت نفسه إلى أن أغلب هذا الإنتاج يذهب إلى الخارج، وتحديداً إلى دولة الإمارات.
- أزمة النظام الغذائي
وتطرح بيركمان مفهوماً استراتيجياً تصف فيه مضيق هرمز بأنه “ممر ذو تأثيرات متتالية”، إذ لا يتوقف التهديد عند حدوث صدمة أحادية، بل يؤدي تقييد الملاحة فيه إلى سلسلة تفاعلات تمتد من قطاع الطاقة والوقود إلى سلاسل إنتاج الأسمدة والمدخلات الزراعية، وصولاً إلى أسواق الأسماك والمأكولات البحرية والأنظمة الغذائية بصفة عامة.
وتؤكد أن تبعات هذه الصدمة تتوزع بشكل غير متكافئ جغرافياً، إذ تتحمل الدول والمجتمعات الأكثر اعتماداً على الاستيراد، والتي تعاني أساساً من شح المياه، الجزء الأكبر من الضغوط، وعلى رأسها دول الخليج، التي تجد نفسها بين ارتفاع تكاليف الإنتاج والتشغيل محلياً، مثل وقود قوارب الصيد والشحن المبرد، والزيادة الحادة في فواتير استيراد الغذاء من الخارج.
وتخلص بيركمان إلى أنه “لا يمكن فصل الأمن الغذائي عن أمن الطاقة، أو مرونة التجارة الدولية، أو الضغوط المناخية والمخاطر الجيوسياسية”، داعية الحكومات إلى تجاوز سياسة ردات الفعل المؤقتة، والعمل على تنويع مصادر الغذاء وتعزيز مرونة سلاسل الإمداد ضمن أولويات السياسات الوطنية والإقليمية للحد من التداعيات طويلة المدى.
عن”العربي الجديد”