طفلك يبكي أمام الواجبات؟.. المشكلة قد لا تكون في الكسل | أسرة


روكب اليوم

أثار مقطع فيديو لطفل في الصف الأول الدراسي يبكي ويستعطف والديه لتقليل عدد الدروس، تفاعلا واسعا. وبينما رأى فيه متابعون تعبيرا عن معاناة أطفال مع الواجبات، أعاد المقطع طرح سؤال يتجاوز قصته وهو متى يتحول الضغط الدراسي من تحد يساعد الطفل على التعلم إلى عبء يفوق قدرته على التحمل؟

فالأطفال لا يملكون القدرة نفسها على التركيز وتنظيم مشاعرهم والتعامل مع الخطأ. وقد لا يكون الطفل الذي يرفض فتح كتابه كسولا، بل عاجزا عن التعامل مع مهمة أصبحت أكبر من قدرته الحالية.

قصص مقترحة

list of 2 itemsend of list

ماذا يفعل الضغط بالطفل؟

قد يظهر الضغط في صورة بكاء أو غضب أو رفض للواجب، لكنه قد يؤثر أيضا في القدرات التي يحتاج إليها الطفل للتعلم.

وفي دراسة حديثة، أراد باحثون معرفة ما يحدث لقدرات الطفل الذهنية عندما يوضع تحت ضغط دراسي. لذلك اختبروا أطفالا تتراوح أعمارهم بين 7 و8 سنوات في مدرسة بمقاطعة شاندونغ الصينية، وطلبوا منهم حل مسائل رياضيات في ظروف ضاغطة، بينها ضيق الوقت والشعور بأن أداءهم يخضع للتقييم والمقارنة.

وقبل المهمة وبعدها، خضع الأطفال لاختبار آخر يقيس قدرتهم على التركيز ومنع الاستجابة المتسرعة أو الخاطئة. وأظهرت النتائج أن أداءهم في هذه المهارة تراجع بعد التعرض للضغط.

بمعنى آخر، قد لا يقتصر أثر الضغط على جعل الطفل قلقا أو باكيا، فعندما يشتد، يمكن أن يجعل التركيز وضبط الاستجابة أكثر صعوبة، وهما من القدرات التي يحتاج إليها الطفل أصلا كي يتعلم وينجز واجباته.

قلق الاختبارات يرتبط بتراجع التحصيل في الرياضيات والقراءة (غيتي)

لكن هل يمتد أثر هذا الضغط إلى التحصيل الدراسي؟

للإجابة عن ذلك، جمع باحثون نتائج 76 دراسة سابقة شملت 53 ألفا و617 طفلا في المرحلة الابتدائية، وأعادوا تحليل نتائجها معا. وشارك في الدراسة باحثون من جامعة وولونغونغ الأسترالية، وجامعة ليفربول جون مورز وأكسفورد البريطانية.

وأظهرت النتائج وجود ارتباط بين قلق الاختبارات وانخفاض التحصيل في الرياضيات والقراءة، إلى جانب انخفاض شعور الطفل بكفاءته وقدرته على النجاح دراسيا. كما ارتبط قلق الاختبارات بمستويات أعلى من القلق الاجتماعي وأعراض الاكتئاب.

ولا تثبت هذه النتائج أن القلق وحده هو الذي يسبب تراجع التحصيل، لكنها تشير إلى أن القلق المتكرر أثناء الدراسة والاختبارات قد يكون علامة على أن الطفل يواجه صعوبة حقيقية في التعامل مع الضغط الدراسي.

اختلاف الأطفال يغيّر طريقة استجابتهم للضغط الدراسي (غيتي)

لماذا ينهار طفل بينما يتحمل آخر؟

الواجب نفسه لا يعني التجربة نفسها لكل الأطفال. فعمر الطفل وقدرته على تنظيم انفعالاته وشعوره بقدرته على النجاح وخبراته السابقة مع الخطأ والفشل، إلى جانب علاقته بالمعلم والبيئة المنزلية، كلها عوامل قد تؤثر في الطريقة التي يستجيب بها للضغط الدراسي.

وتبدأ بعض هذه الفروق منذ السنوات الأولى لدخول المدرسة، عندما يواجه الطفل بيئة جديدة ومتطلبات لم يعتد عليها من قبل.

ففي دراسة أمريكية، حللت الباحثتان بريانا لوبيز وأبريل بينر من جامعة تكساس في أوستن بيانات وطنية شملت 13 ألفا و390 طفلا في الولايات المتحدة، وتابعتهم من مرحلة رياض الأطفال حتى الصف الخامس.

ووجدت الدراسة أن الأطفال الذين واجهوا صعوبات أكبر في التأقلم مع بداية المدرسة ظهرت لديهم لاحقا نتائج أضعف في بعض مؤشرات التعلم والتحصيل، إلى جانب مشكلات انفعالية وسلوكية أكثر.

في المقابل، ساعد الدعم الذي قدمته المدارس في هذه المرحلة على تقليل صعوبات التأقلم، وارتبط بنتائج أفضل لدى الأطفال في عدد من المؤشرات.

وتوضح هذه النتائج أن السنوات الأولى مرحلة حساسة في علاقة الطفل بالمدرسة، وأن تجربته في هذه المرحلة قد تنعكس على طريقة تعامله لاحقا مع التعلم ومتطلباته.

صعوبات الانتقال إلى المدرسة ترتبط بمشكلات لاحقة في التعلم والتكيف (غيتي)

هل تساعدين طفلك في واجباته أم تزيدين ضغطه؟

طريقة تعامل الأهل مع الواجب قد تكون أهم من مقدار المساعدة التي يقدمونها. وهذا ما بحثه تحليل جمع نتائج 28 دراسة، بإجمالي 378 ألفا و222 طالبا.

وأظهرت النتائج أن كثرة تدخل الأهل في الواجبات لم ترتبط بتحصيل دراسي أفضل، بل كانت العلاقة العامة بين مشاركة الأهل والتحصيل ضعيفة وسلبية.

لكن الصورة اختلفت عندما نظر الباحثون المشاركون من جامعة ولاية ميسيسيبي الأمريكية، وجامعة بوهاي وجامعة لياونينغ نورمال في الصين، وجامعة أوفييدو في إسبانيا، إلى طريقة هذه المشاركة.

فمساعدة الأهل للطفل على أن يعمل باستقلالية، ارتبطت بتحصيل أفضل، بينما لم يظهر الأثر نفسه عندما اتخذت المساعدة شكلا من السيطرة أو التدخل المباشر.

بمعنى آخر، هناك فرق بين أم تجلس إلى جانب طفلها وتسأله: “ما الجزء الذي تستطيع أن تبدأ به؟”، وأم تتولى توجيه كل خطوة وتصحح كل خطأ وتطالبه بالإسراع.

فالهدف من مساعدة الطفل ليس أن ينتهي الواجب بأسرع وقت، بل أن يخرج منه وهو أكثر قدرة على إنجازه بنفسه في المرة التالية.

تهدئة الأم للطفل تساعده على استعادة قدرته على التعامل مع الموقف (غيتي)

ماذا تفعل الأم عندما يبكي الطفل؟

لا تبدئي بعبارات مثل “هذا درس سهل” أو “كل الأطفال يدرسون”. ففي لحظة الانفعال قد لا يكون الطفل مستعدا لاستيعاب مزيد من التعليمات، والأفضل أن تبدأ الأم بتهدئة الموقف، ثم تسأل: “ما أكثر شيء أتعبك؟”.

فقد تكون المشكلة كثرة الواجبات أو عدم فهم الدرس أو الخوف من الخطأ أو صعوبة في القراءة أو الحساب أو مجرد الإرهاق بعد يوم دراسي طويل.

وبعد معرفة السبب، يمكن تقسيم المهمة إلى أجزاء صغيرة والبدء بما يستطيع الطفل إنجازه ومنحه خيارات بسيطة: أي سؤال يريد أن يبدأ به؟ هل يحتاج إلى شرح أم إلى استراحة قصيرة؟

وتنسجم هذه الطريقة مع ما خلصت إليه مراجعة منهجية أجراها باحثون من جامعة تيلبورغ الهولندية، إذ وجدت أن مساعدة الطفل على تنظيم مشاعره وسلوكه أثناء المواقف الصعبة ترتبط بقدرة أفضل لديه على تنظيم نفسه.

طريقة الأهل في مساعدة الطفل تؤثر في قدرته على إنجاز واجباته باستقلالية (غيتي)

متى تصبح المشكلة أكبر من واجب؟

إذا تكرر البكاء قبل الدراسة أو المدرسة أو ظهرت شكاوى جسدية متكررة أو اضطراب في النوم أو رفض مستمر للذهاب إلى المدرسة، فلا يكفي اختصار الأمر في عبارة “لا يحب الدراسة”.

هنا يحتاج الأهل إلى معرفة السبب بالتعاون مع المعلم أو المرشد المدرسي: هل المشكلة في حجم المهمة؟ أم طريقة التقييم؟ أم علاقة مع زميل؟ أم مهارة لم يكتسبها الطفل بعد؟

فالتدخل المبكر قد يمنع تحول تجربة دراسية مؤقتة إلى علاقة دائمة بين الطفل والتوتر.

ماذا يحتاج طفل الصف الأول؟

يحتاج إلى تحديات تناسب عمره، وروتين واضح، ووقت للراحة واللعب، وفرصة للخطأ من دون أن يشعر بأن قيمته تتحدد بدرجته.

فالطفل في بداية المدرسة لا يتعلم القراءة والحساب فقط، بل يتعلم أيضا كيف يتعامل مع الصعوبة وكيف يطلب المساعدة وكيف يعود إلى المهمة بعد أن يخطئ.

ولهذا قد يكون السؤال الذي يستحق أن تطرحه الأم بعد يوم دراسي طويل ليس: “هل أنهيت واجبك؟”، بل: “ما الشيء الذي كان سهلا عليك اليوم؟ وما الذي أتعبك؟” فالإجابة قد تكشف أحيانا عن مشكلة لا يظهرها دفتر الواجبات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enable Notifications OK No thanks