





روكب اليوم
“نضع خططا لزيادة مخزوننا من الصواريخ متوسطة وبعيدة المدى. وفي وقت قصير، سنصل إلى القدرة الدفاعية التي لن يجرؤ أحد على ابتزازنا بعدها”
كشفت تركيا خلال معرض “ساها 2026” للصناعات الدفاعية عن الصاروخ الباليستي العابر للقارات “يلدريم خان”، بمدى يصل إلى 6000 كيلومتر، وسرعة تصل إلى 25 ماخ، لتجسد ذروة الطموح الذي ترنو إليه الصناعات الصاروخية التركية. فأنقرة التي اعتمدت بعد الحرب العالمية الثانية على مظلة الحماية الغربية، وعلى القوة الصاروخية لحلف الناتو، باتت ترى أن البيئة الإقليمية المحيطة بها تفرض امتلاك أدوات ردع نوعية.
وفي الوقت الذي يكرر فيه الرئيس أردوغان الحديث عن “القرن التركي”، وأن بلاده ستصبح واحدة من أكبر 10 دول في العالم سياسيا واقتصاديا وتكنولوجيا، تتحرك أنقرة لترجمة هذه الرؤية إلى واقع عبر بناء قدرات عسكرية قادرة على حماية حضورها في الحزام الممتد من آسيا الوسطى والقوقاز إلى شرق المتوسط والبحر الأحمر، فضلا عن حماية أراضيها وأمنها القومي، في ضوء دروس الحرب الروسية الأوكرانية، والحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية، وما أظهرته من دور الصواريخ بعيدة المدى والطائرات المُسيَّرة والحرب متعددة المجالات في رسم موازين القوة.
“اختبرت أنقرة حدود الاعتماد على الحلفاء الغربيين، سواء عبر أزمات حظر السلاح، أو القيود المفروضة على نقل التكنولوجيا العسكرية”
وتعود جذور هذا المسار إلى عقود سابقة بدأت خلالها أنقرة تكتشف حدود الاعتماد على الحلفاء الغربيين، سواء عبر أزمات حظر السلاح، أو القيود المفروضة على نقل التكنولوجيا العسكرية، أو التباينات السياسية مع الولايات المتحدة وأوروبا حول ملفات إقليمية متعددة. فقد أدركت تركيا أن امتلاك قرار سياسي مستقل يتطلب امتلاك قاعدة صناعية عسكرية مستقلة. ومن هنا تحوَّلت الصناعات الصاروخية من قطاع دفاعي ناشئ إلى أحد أعمدة التصور التركي للقوة، في مسار بات يلفت انتباه مراكز الدراسات الغربية، حتى إن المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية في لندن نشر عام 2026 دراسة بعنوان “من الصواريخ الباليستية إلى الصواريخ الجوالة: تطورات الصواريخ في تركيا”.
اقرأ أيضا
list of 2 itemsend of listمظلة الحماية الغربية
خلال الحرب الباردة، لم تخطط تركيا لتطوير برنامج صاروخي محلي رغم موقعها الحرج على حدود الاتحاد السوفياتي، إذ اعتمدت آنذاك على مظلة الردع الجماعي لحلف الناتو منذ انضمامها إليه عام 1952، وعلى الضمانة النووية الأمريكية، والتي تجسدت في نشر صواريخ “جوبيتر” الباليستية متوسطة المدى المزودة برؤوس نووية فوق الأراضي التركية، والتي كانت في قلب المساومات السرية بين واشنطن وموسكو لإنهاء أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962.
غير أن الأزمات المتلاحقة دفعت أنقرة إلى مراجعة هذا المسار. فقد مثَّلت رسالة الرئيس الأمريكي ليندون جونسون بشأن قبرص عام 1964 صدمة للقيادة التركية، بعدما ألمحت واشنطن إلى احتمال عدم دعم تركيا إذا أدى تدخلها العسكري في قبرص إلى مواجهة مع الاتحاد السوفياتي. ثم جاء الحظر العسكري الأمريكي عقب التدخل التركي في قبرص عام 1974، والذي استمر 3 سنوات، ليُعمِّق الشكوك تجاه مظلة الحماية الأمريكية، ويدفع أنقرة إلى التفكير بصورة أكثر جدية في بناء صناعة دفاعية محلية.
“خلال الثمانينيات، شرعت تركيا في تنفيذ خطة للتصنيع الدفاعي، وأنشأت مجموعة من المؤسسات التي شكلت لاحقا عماد الصناعات العسكرية التركية”
وخلال الثمانينيات، شرعت تركيا في تنفيذ خطة للتصنيع الدفاعي، وأنشأت مجموعة من المؤسسات التي شكلت لاحقا عماد الصناعات العسكرية التركية. ورسَّخت الحرب العراقية الإيرانية بين عامي 1980-1988 هذا المسار، خاصة مع استخدام العراق صواريخ “سكود” ضد المدن الإيرانية، وما رافق ذلك من خلافات داخل حلف الناتو بشأن نشر منظومات دفاع صاروخي فوق الأراضي التركية، في وقت شعرت فيه أنقرة بتزايد المخاطر في محيطها، مع تنامي خطر الترسانات الصاروخية لدى جيرانها (العراق وسوريا وإيران) مقارنة بتركيا آنذاك.
وتعزَّزت هذه المخاوف بعد نهاية الحرب الباردة، فمع تراجع التهديد السوفياتي، وجدت تركيا نفسها محاطة ببيئة إقليمية مضطربة، من حروب البلقان والتطهير العرقي في البوسنة، إلى النزاعات بين أرمينيا وأذربيجان في جنوب القوقاز، مرورا بتداعيات الغزو العراقي للكويت ثم الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، فضلا عن التوتر مع اليونان وقبرص، وتصاعد تهديد حزب العمال الكردستاني داخليا.
وبحلول التسعينيات، بدأ يتبلور داخل المؤسسة العسكرية التركية تصور يقوم على مسارين متوازيين: الأول هو بناء قاعدة صناعية محلية لتطوير الصواريخ، والثاني هو سد الاحتياجات العاجلة عبر استيراد صواريخ باليستية قصيرة المدى، ما بين 150-300 كيلومتر، بحيث تمنح أنقرة قدرة هجومية تسمح بفرض كلفة على الخصوم في حال تعرضها لهجمات صاروخية.
“شكل شراء تركيا 72 صاروخا أمريكيا من طراز أتاكمز عام 1996 خطوة مهمة في مسار توظيف الصواريخ ضمن عقيدة الردع التركية”
وفي هذا السياق، شكل شراء تركيا 72 صاروخا أمريكيا من طراز “أتاكمز” عام 1996، بمدى يصل إلى 165 كيلومترا، خطوة مهمة في مسار توظيف الصواريخ ضمن عقيدة الردع التركية. وقد ظهر ذلك بوضوح خلال أزمة عام 1998 مع سوريا، حين نقلت أنقرة هذه الصواريخ إلى الحدود للضغط على دمشق ودفعها إلى طرد عبد الله أوجلان، زعيم حزب العمال الكردستاني، وهي خطوة عزَّزت داخل المؤسسة العسكرية التركية القناعة بأن الصواريخ تمثل أداة ضغط وإكراه فعالة.
صعود روكيتسان
شكَّل الإنتاج المُرخَّص للصواريخ الباليستية قصيرة المدى جزءا من خطة تركيا لبناء قدرات صاروخية محلية، في إطار مساعٍ للحصول على دعم فني من موردين أجانب يسمح بتأسيس قاعدة تصنيعية وطنية. ومع الوقت، سعت أنقرة إلى بناء منظومة صناعية متكاملة تشمل التصميم والإنتاج والتوجيه والمحركات والإلكترونيات والتكامل العملياتي، وهو ما جعل الصناعات الصاروخية تتحول إلى أحد أعمدة مشروع الاستقلال الدفاعي التركي.
“تأسست شركة روكيتسان عام 1988 لتلبية احتياجات تركيا من الصواريخ والذخائر”
وفي قلب هذه المنظومة برزت شركة روكيتسان، التي تأسست عام 1988 لتلبية احتياجات تركيا من الصواريخ والذخائر. وقد بدأت الشركة عملها بالمشاركة في مشروع أوروبي لإنتاج صواريخ “ستينغر”، قبل أن تنخرط خلال التسعينيات في تطوير أنظمة صواريخ مدفعية بالتعاون مع شركة الصناعات الميكانيكية والكيميائية التركية الحكومية (MKE) .
وبرز التعاون مع الصين بعدما تعثرت محاولات الحصول على دعم تقني من الولايات المتحدة، بينما لم تسفر المحادثات مع روسيا وباكستان عن نتائج ملموسة. وفي عام 1997، وقَّعت وزارة الدفاع التركية عقدا مع “شركة الصين لاستيراد وتصدير الآلات الدقيقة” (CPMIEC) لتوريد 200 صاروخ من طراز “دايبو إس-1” (WS-1)، إلى جانب تقديم الدعم الفني والمادي لشركة روكيتسان لإنتاج دفعة أخرى محليا تصل إلى 1300 صاروخ. وكان الصاروخ يعمل بالوقود الصلب، ويبلغ مداه 100 كيلومتر، لكنه اتسم بانخفاض الدقة، إذ تجاوز معدل الخطأ الدائري المُحتمل فيه ألف متر.
أطلقت روكيتسان على النسخة المنتجة محليا اسم “تي آر-300 كاسيرغا” (TR-300 Kasirga)، ومعناه العاصفة، وبدأ الإنتاج المحلي عام 1998، ثم طوَّرت الشركة نسخا أكثر تقدما، من بينها النسخة التصديرية “تي آر-300 إي” (TR-300E) التي يصل مداها إلى 120 كيلومترا. كما تحسَّنت دقة الإصابة إلى أقل من 10 أمتار بفضل إضافة نظام ملاحة بالقصور الذاتي مدعوم بالأقمار الصناعية، ودخل هذا الإصدار الخدمة في تركيا عام 2016، قبل تصديره لاحقا إلى أذربيجان وبنغلاديش.
وبعدها بعام، وقَّعت أنقرة اتفاقا جديدا لإنتاج الصاروخ الباليستي “بي-611” (B-611) تحت اسم “يلدريم”. ونص الاتفاق على نقل البنية التحتية للتصنيع والمعرفة الفنية الخاصة بالصاروخ، الذي يعمل بالوقود الصلب ويبلغ مداه 150 كيلومترا، إلى شركة روكيتسان. وفي عام 2007، استعرض الجيش التركي النسخة المنتجة محليا لأول مرة تحت اسم “جيه-600 تي يلدرم” (J-600T Yıldırım)، ومعناه البرق.
“في عام 2019، استخدم الجيش التركي صاروخ بورا ضد هدف تابع لحزب العمال الكردستاني في شمال العراق، في أول استخدام قتالي لصاروخ باليستي تركي”
وفي عام 2009، وقعت هيئة الصناعات الدفاعية التركية عقدا مع روكيتسان لزيادة مدى “يلدريم”، إلى 300 كيلومتر وتحسين دقته، وهو ما أسفر عن تطوير صاروخ “بورا” أي العاصفة. واعتمد الصاروخ الجديد على كمية أكبر من الوقود، ورأس حربي أخف، وهيكل منخفض الوزن، مع تحسين دقة الإصابة من 150 مترا إلى نحو 10 أمتار، عبر نظام ملاحة بالقصور الذاتي مدعوم بالأقمار الصناعية الأمريكية، وأجري أول اختبار علني له عام 2014. وفي عام 2019، استخدم الجيش التركي صاروخ “بورا” ضد هدف تابع لحزب العمال الكردستاني في شمال العراق، في أول استخدام قتالي لصاروخ باليستي تركي.
وسوَّقت روكيتسان صاروخ “بورا” للتصدير تحت اسم “خان”، فيما أصبحت إندونيسيا أول زبون يشتريه عام 2022. وقد مثَّل دخول الصاروخ الخدمة خطوة مهمة في مسار بناء قدرة هجومية أرض-أرض بعيدة المدى ومرتفعة الدقة، بما أتاح للقوات البرية التركية امتلاك قدرات هجومية كانت حكرا في السابق على القوات الجوية.
ومع بدء تسليم “بورا”، اتجهت روكيتسان إلى تطوير الجيل التالي من الصواريخ الباليستية، الذي ظهر تحت اسم “تايفون”. وخضع الصاروخ لأول اختبار عام 2022، حيث قطع مسافة تجاوزت 560 كيلومتراً فوق البحر الأسود، بينما تجاوزت سرعته 5 ماخ. وبعد عدة تجارب ناجحة، منحت هيئة الصناعات الدفاعية التركية الشركة عقد الإنتاج التسلسلي عام 2024، قبل أن تبدأ عمليات التسليم إلى القوات البحرية التركية في العام التالي.
واستغلت روكيتسان معرض الصناعات الدفاعية التركي (IDEF 2025) للكشف عن نسخة الصاروخ “تايفون بلوك 4″، الذي يبلغ وزنه 7200 كيلوغرام وطوله 10 أمتار، وتشير مواصفاته إلى دخوله فئة الصواريخ التي يتجاوز مداها 1000 كيلومتر. ويشير ذلك إلى تطور في النظرة التركية إلى الصواريخ الباليستية، من سلاح يرتبط بالجبهات الحدودية والردع التكتيكي، إلى أداة قادرة على نقل المعركة إلى عمق أراضي الخصم وفرض كلفة مرتفعة عليه.
“تطورت نظرة تركيا للصواريخ الباليستية من سلاح يرتبط بالجبهات الحدودية والردع التكتيكي، إلى أداة قادرة على نقل المعركة إلى عمق أراضي الخصم”
وجاء الكشف عن الصاروخ العابر للقارات “يلدريم خان”، بمدى يصل إلى 6000 كيلومتر، ليشير إلى اتجاه تركي نحو بناء قدرة ردع بعيدة المدى. ويتصل هذا التوجه بالأزمات التي واجهتها تركيا مع الغرب في السنوات الأخيرة، خاصة بعد استبعادها من برنامج طائرة “إف-35″، حيث بحثت عن بدائل تقلل اعتمادها على القوة الجوية المأهولة، وهو ما يفسر التوسع في برامج الصواريخ والمُسيَّرات والطائرات غير المأهولة.
ويتسق هذا المسار أيضا مع التصوُّرات الجيوسياسية التركية، والحديث المتزايد عن حماية “الوطن الأزرق” في شرق البحر المتوسط، عبر الاستفادة من الوجود العسكري في شمال قبرص، والاتفاق البحري مع ليبيا، وتطوير القدرات البحرية، فضلا عن تأمين “الممر الأوسط” الرابط بين أوروبا والصين عبر آسيا الوسطى وجنوب القوقاز وتركيا، وحماية خطوط التجارة والطاقة.
وفي خضم انتقال تركيا من مرحلة نقل التكنولوجيا إلى محاولة بناء استقلال تقني، برز دور “توبيتاك ساج” (TÜBİTAK SAGE)، وهو معهد أبحاث وتطوير الصناعات الدفاعية التابع لمؤسسة الأبحاث العلمية والتكنولوجية التركية “توبيتاك”. وقد لعب المعهد دور العقل البحثي الرئيسي للصواريخ التركية.
“تأسس معهد توبيتاك عام 1972 لإجراء أبحاث في مجالي الدفاع والفضاء، ثم انخرط في تطوير أنظمة الصواريخ والقذائف والذخائر الجوية”
تأسس المعهد عام 1972 لإجراء أبحاث وتطوير في مجالي الدفاع والفضاء، ثم انخرط في تطوير قدرات في أنظمة الصواريخ والقذائف والذخائر الجوية، إلى جانب تقنيات النمذجة والمحاكاة والاختبارات الهندسية المتقدمة. وشارك في تطوير أنظمة الدفع النفاث التضاغطي (ramjet) والنفاث الأسرع من الصوت (scramjet). كما كان للمعهد دور أساسي في تطوير أنظمة التوجيه والدفع النفاث للصواريخ التركية، بما ساهم في بناء قاعدة معرفة محلية أتاحت تطوير أجيال أعقد من الصواريخ الدقيقة وفرط الصوتية.
وفي الوقت نفسه، لعبت شركة أسيلسان، التي تأسست عام 1975، دورا محوريا في توفير المكونات الإلكترونية للصواريخ التركية، لتتحول إلى أكبر شركة للإلكترونيات الدفاعية في البلاد. وتشمل مجالات عملها أنظمة التوجيه الدقيق والرادارات والباحثات الحرارية وروابط البيانات وأنظمة الملاحة، وهو ما جعلها تمثل “العين الرقمية” للصواريخ التركية، في ظل الارتباط بين فعالية الصواريخ الحديثة ومنظومات الاستشعار والحرب الإلكترونية والإلكترونيات المتقدمة.
المُسيَّرات وصواريخ كروز
لا يتحرَّك المشروع الصاروخي التركي بمعزل عن بقية التغيُّرات العسكرية التي شهدتها أنقرة في العقد الأخير، إذ يتداخل مع جهود بناء نموذج حرب جديد قائم على المُسيَّرات والضربات الدقيقة والحرب الشبكية وتقليص الاعتماد على المنصات التقليدية الثقيلة.
وقد ظهر هذا الترابط مع نجاح المُسيَّرات التركية في سوريا وليبيا وناغورني قره باغ (أذربيجان)، حيث أثبتت مُسيَّرات بيرقدار “تي بي 2” أن الجمع بين الاستطلاع الفوري والضربات الدقيقة منخفضة الكلفة يؤثر في طبيعة العمليات العسكرية. غير أن هذه التجارب كشفت أيضا حدود الذخائر الصغيرة المحمولة على المُسيَّرات، خصوصا في مواجهة الأهداف المُحصَّنة أو بعيدة المدى، ما دفع أنقرة إلى بدء تطوير صواريخ كروز والذخائر الجوالة الأكثر تطورا.
“أصبح كيه تي جيه-3200 أول محرك نفاث توربيني محلي الصنع لصواريخ كروز التركية”
في هذا السياق، بدأت تركيا في العقد الأول من الألفية الثانية العمل على مشروع صاروخ كروز هجومي أرضي عُرف باسم “غِزغين”، بهدف تطوير صاروخ بمدى يتجاوز ألف كيلومتر، في مشروع قادته وزارة الدفاع. ولكن الاجتماعات مع شركات الصناعات الدفاعية أظهرت آنذاك أن القطاع التركي لم يبلغ بعد مستوى النضج التقني اللازم لتطوير هذا النوع من الصواريخ، فضلا عن القيود التي فرضتها ضوابط تصدير تكنولوجيا الصواريخ على حصول تركيا على المكونات الحيوية، مثل المحركات النفاثة الصغيرة، ما أدى إلى تجميد المشروع فعليا لسنوات.
وكانت أنقرة تخطط في البداية لاستخدام محرك نفاث فرنسي من طراز “سافران تي آر إي-40” (Safran TRI-40) في مشروع “غِزغين”، غير أن التوترات السياسية والدفاعية مع فرنسا دفعتها إلى البحث عن بديل، لتتجه لاحقا إلى أوكرانيا ومحرك “إيه أي-35” (AI-35)، الذي تنتجه شركة “إفتشينكو بروغرِس” (Ivchenko-Progress).
وفي الوقت نفسه، بدأت شركة كالي جيت للهندسة العمل على تطوير محركات محلية لصواريخ كروز. وبعد سنوات من البحث والتطوير، نجحت الشركة في إنتاج المحرك النفاث “كيه تي جيه-3200” (KTJ-3200)، الذي أصبح أول محرك نفاث توربيني محلي الصنع لصواريخ كروز التركية.
وبالتوازي مع مشروع “غِزغين”، برز صاروخ “صوم” (SOM) باعتباره ثاني مشروع تركي لصواريخ كروز. وقد طوَّر معهد “توبيتاك ساج” الصاروخ ليكون قادرا على تنفيذ ضربات دقيقة بعيدة المدى عبر الطيران المنخفض وتغيير المسار وضرب الأهداف بدقة عالية، سواء من الطائرات المأهولة أو غير المأهولة. واستخدمت النسخ الأولى من الصاروخ مُحرِّكا فرنسيا، قبل أن تنتقل تركيا إلى استخدام المحرك المحلي “كيه تي جيه-3200” الذي طورته شركة كالي.
كما بدأت تركيا اختبارات الطيران لصاروخ “صوم-جيه” (SOM-J) في مارس/آذار 2025، في وقت تخطط فيه القوات الجوية التركية لدمجه ضمن حزمة تسليح مقاتلة “قآن”، إلى جانب دراسة استخدامه على متن المُسيَّرات القتالية “قيزل إلما” أي “التفاحة الحمراء” و”العنقاء-3″. ومع الوقت، تطوُّر هذا المسار ليشمل مشاريع مثل “غِزغين”، وصواريخ بحرية مثل “أتماجا”، وذخائر جوالة مثل “كِمانْكش”، بما يشير إلى سعي تركيا لبناء منظومة ضربات دقيقة متعددة المنصات، تسمح بتنفيذ هجمات متزامنة من البر والبحر والجو والمُسيَّرات في وقت واحد.
“يجري تطوير المسيرة قيزل إلما للعمل كمنصة حاملة لصواريخ كروز والذخائر الذكية ضمن بيئة عملياتية شبكية”
يتداخل هذا التوجه أيضا مع مشاريع الطائرات القتالية غير المأهولة، وعلى رأسها مشروع “قيزل إلما” التابع لشركة بايكار، التي يجري تطويرها للعمل كمنصات حاملة لصواريخ كروز والذخائر الذكية ضمن بيئة عملياتية شبكية تربط المُسيَّرات والصواريخ وأجهزة الاستشعار وأنظمة القيادة والسيطرة في بنية واحدة.
وتكشف الحرب في أوكرانيا، ثم الحرب بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، أهمية هذا النموذج، بعدما أظهرت أن كثافة الضربات، وتوزيع المنصات، والقدرة على استنزاف الدفاعات الجوية عبر موجات متتابعة من المُسيَّرات والصواريخ، أصبحت عناصر حاسمة في الحروب الحديثة. كما أظهرت أن امتلاك عدد محدود من المنصات المتقدمة لا يكفي لتحقيق التفوق، ما لم يكن مصحوبا بقدرة على إنتاج الذخائر الدقيقة والصواريخ بأعداد كبيرة وبكلفة يمكن تحملها. ولذلك، تسعى تركيا إلى بناء نموذج يجمع بين الإنتاج الكمي منخفض الكلفة نسبيا، والقدرة على تنفيذ ضربات دقيقة متعددة الاتجاهات.
الطريق الصعب
رغم التقدُّم الذي حققته تركيا في الصناعات الصاروخية، فإن الطريق نحو امتلاك قوة صاروخية وازنة يواجه مجموعة من التحديات التقنية والاقتصادية. فأنقرة تتبنَّى في صناعاتها الدفاعية نهجا من أعلى إلى أسفل يهدف إلى إنتاج المنصة القتالية أولا ثم توطين الأنظمة الفرعية لاحقا، ما يرفع مستوى الاعتماد على سلاسل التوريد الأجنبية.
وتبرز المحركات بوصفها إحدى أبرز نقاط الضعف، نظرا لأن تكنولوجيا الدفع تُعد من أكثر المجالات التي تحتكرها الدول الكبرى وتفرض عليها قيودا صارمة. وقد واجهت تركيا أزمات متكررة مرتبطة بالمحركات الغربية، سواء بسبب العقوبات أو قيود التصدير. وظهر ذلك مثلا في تعثر صفقة بيع مروحيات “أتاك” إلى باكستان، بعدما رفضت الولايات المتحدة منح ترخيص تصدير المحركات المستخدمة فيها.
“تعد المحركات أبرز نقاط ضعف مشروع تركيا الصاروخي، نظرا لأن تكنولوجيا الدفع تُعد من أكثر المجالات التي تحتكرها الدول الكبرى وتفرض عليها قيودا صارمة”
كما واجهت أنقرة ضغوطاً غربية بعد اختيار شركة الصين لاستيراد وتصدير الآلات الدقيقة عام 2013 للفوز بمناقصة تطوير منظومة الدفاع الصاروخي بعيدة المدى “تي لوراميدز” (T-LORAMIDS)، في مشروع بلغت قيمته نحو 3.4 مليارات دولار، إذ أثار التعاون مع بكين اعتراضات داخل الناتو والولايات المتحدة بسبب مخاوف تتعلق بالتوافق التقني ونقل التكنولوجيا.
وفي نهاية المطاف، تراجعت تركيا عن المشروع عام 2015، معلنة التوجه نحو تطوير منظومة محلية، وبرَّرت الخطوة بتردُّد الصين في نقل التكنولوجيا التي يمكن أن تمنح تركيا المعرفة اللازمة لتشغيل النظام. ودفعت هذه التجارب أنقرة إلى التركيز على تطوير محركات محلية، غير أن الوصول إلى مستوى مرتفع من الاكتفاء الذاتي في هذا المجال ما يزال يحتاج إلى سنوات من التطوير والاستثمار وتراكم الخبرة.
ولا تقتصر التحديات على المحركات، بل تشمل أيضا بعض المكونات الإلكترونية وأنظمة الملاحة الدقيقة وأجهزة الاستشعار والبرمجيات، وهي مجالات ما تزال تركيا تعتمد فيها جزئيا على سلاسل توريد خارجية. ولهذا فإن أي تشديد للعقوبات أو القيود الغربية قد يؤثر على وتيرة بعض البرامج، خصوصا الصواريخ بعيدة المدى وصواريخ كروز المتقدمة، كما حدث سابقا عندما أدى حظر تصدير بعض المكونات إلى تأخير عمليات التطوير والإنتاج.
“لا تزال أنقرة تعمل على تطوير قدراتها الفضائية والاستطلاعية وربطها بمنظومة الصواريخ والمسيرات”
وتواجه تركيا تحديات مرتبطة بالبنية العملياتية اللازمة لبناء قوة صاروخية فعَّالة، إذ يتطلب ذلك امتلاك شبكات استطلاع واستخبارات، وأقمارا صناعية، ومنظومات قيادة وسيطرة، وقدرات استهداف دقيقة بعيدة المدى. وما تزال أنقرة تعمل على تطوير قدراتها الفضائية والاستطلاعية وربطها بالبنية الصاروخية والمُسيَّرات، في محاولة لبناء نموذج عملياتي قادر على إدارة الضربات الدقيقة في بيئات قتالية معقدة.
كما تفرض القيود الجغرافية تحديات إضافية على اختبارات الصواريخ التركية. فميادين الاختبار الواقعة على ساحل البحر الأسود لا توفر مساحة كافية لإجراء تجارب آمنة على الصواريخ بعيدة المدى، إذ تقل المسافة بين أقصى مواقع الاختبار شرق تركيا والطرف الغربي للساحل عن ألف كيلومتر، ما يرفع مخاطر سقوط الحطام في مناطق مأهولة أو قرب دول مجاورة.
ولهذا تتجه أنقرة حاليا إلى الاستثمار في ميناء فضائي بالصومال قرب خط الاستواء، لدعم برامج الإطلاق الفضائي وإجراء اختبارات الصواريخ بعيدة المدى فوق المحيط الهندي. وتشير التقديرات إلى أن المشروع، الذي بدأت أعماله أواخر عام 2024، تبلغ كلفته نحو 350 مليون دولار، وسيتيح إطلاق الصواريخ بكميات وقود أقل وبحمولة أكبر.
إلى جانب ذلك، تفرض البيئة الجيوسياسية قيودا إضافية على المشروع الصاروخي التركي. فالتوسع في تطوير الصواريخ الباليستية بعيدة المدى قد يثير مخاوف داخل حلف الناتو والولايات المتحدة، كما قد يدفع قوى إقليمية، مثل اليونان أو إسرائيل إلى التعامل مع البرنامج التركي على أنه تحدٍ استراتيجي. ولهذا تحاول أنقرة الحفاظ على خطاب يربط هذه البرامج بالدفاع والردع، أكثر من ربطها بأبعاد هجومية.
“رغم الطموح التركي نحو تحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الذاتي الدفاعي، فإن الموارد الاقتصادية المحدودة تظل عاملا مؤثرا في هذا المسار”
ورغم الطموح التركي نحو تحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الذاتي الدفاعي، فإن حدود الموارد الاقتصادية تظل عاملا مؤثرا في هذا المسار. إذ لا تزال الفجوة كبيرة بين امتلاك نماذج أولية لصواريخ بعيدة المدى وإجراء اختبارات ناجحة، وبين بناء قدرة ردع صاروخي قابلة للعمل في بيئة تتطلب إنتاجا كثيفا، وسلاسل إمداد مستقرة، وقدرة على مواصلة التطوير والعمل تحت الضغوط الخارجية.
ورغم تلك التحديات، يُشدِّد المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية في لندن على أن محفظة صواريخ كروز التركية تضع تركيا ضمن مجموعة محدودة من الدول القادرة على تطوير هذا النوع من المنظومات محليا، فيما يعزز امتلاك صواريخ باليستية دخلت بالفعل مرحلة الإنتاج، إلى جانب نماذج أخرى في مراحل متقدمة من التطوير، موقع أنقرة ضمن الدول التي تمتلك قاعدة صناعية صاروخية.
في نهاية المطاف، باتت أنقرة تتعامل مع الصواريخ الباليستية والمجنحة على أنها أسلحة ضرورية لحماية مشروعها الجيوسياسي في بيئة إقليمية تتراجع فيها الثقة بالضمانات الخارجية، وتتزايد فيها أهمية الردع الذاتي.