عصر فوكوياما.. حين انطفأت نبوءة “نهاية التاريخ” |



روكب اليوم

في مذكراته الجديدة، يعود المفكر الأمريكي فرانسيس فوكوياما إلى اللحظة التي صنعت شهرته، حين طرح عام 1989 أطروحته الشهيرة عن “نهاية التاريخ”، معتبرا أن انتشار الديمقراطية الليبرالية وانهيار الشيوعية أظهرا غياب بديل أيديولوجي قابل للحياة.

وفي مقال تحليلي بمجلة “فورين بوليسي”، يوضح الأكاديمي الأمريكي جيريمي سوري أن نبوءة فوكوياما كانت أكثر تعقيدا مما اشتهرت به، حيث رأى في انتصار الغرب “نقطة النهاية للتطور الأيديولوجي للبشرية” وتعميم الديمقراطية الليبرالية باعتبارها الشكل النهائي للحكم. وبعد سقوط جدار برلين بدا الطرح تنبؤا لافتا، وأصبح صاحبه نجما فكريا عالميا.

قصص مقترحة

list of 2 itemsend of list

غير أن فوكوياما يؤكد في مذكراته الصادرة حديثا بعنوان “في مملكة الإنسان الأخير” أن قراءته لمسار التاريخ لم تكن احتفالية بالكامل، فقد حذر من استمرار الصراعات القومية والإرهاب، وتحدث عن فراغ قد ينشأ حين تختفي القضايا الكبرى التي تستحق التضحية.

الرجل الأخير وقضايا أخرى

ويشير سوري إلى أن فوكوياما استند لاحقا إلى فريدريك نيتشه في تصوير “الرجل الأخير”، ذلك الإنسان الذي يعيش في سلام ورفاه، لكنه يفتقر إلى الطموح والمخاطرة والمعنى. وينقل عنه أن المجتمعات الليبرالية أنتجت “السلام والازدهار على نطاق لم يسبق له مثيل”، لكنها أزالت الحاجة إلى المخاطرة الشخصية.

ومن هنا، قد تتحول الرغبة في الصراع إلى بديل عن غياب القضايا الكبرى، بما يفسر، في نظر فوكوياما، بعض مظاهر التطرف على اليمين واليسار.

وتكشف المذكرات أيضا تحولا في موقف فوكوياما بعد “هجمات 11 سبتمبر”، فقد أيد في البداية إسقاط نظام الرئيس العراقي صدام حسين، قبل أن ينفر من احتفاء المحافظين الجدد بحرب العراق. ويصف لقاء جرى عام 2004 في “معهد أمريكان إنتربرايز” ذي التوجه المحافظ بأنه لحظة انفصال، بعدما رأى أصدقاءه يحتفلون بانتصار بينما كانت البلاد تنزلق إلى حرب أهلية.

حصل تحول في موقف فوكوياما بعد هجمات 11 سبتمبر 2001، فقد أيد في البداية الغزو الأمريكي للعراق وإسقاط نظام الرئيس صدام حسين، قبل أن ينفر من احتفاء المحافظين الجدد بحرب العراق

ومنذ ذلك الحين، ركز على أهمية الدولة الحديثة والمؤسسات المهنية، محذرا من “إعادة التوريث” السياسي حين تستولي العائلات والجماعات على الموارد والمؤسسات.

لكن سوري يرى تناقضا جوهريا في هذا التحليل. فالديمقراطيات الليبرالية ازدهرت بفضل بيروقراطيات وخبرات ومؤسسات قوية، غير أن هذه المؤسسات قد تبدو باردة وبعيدة عن الناس. ويقول فوكوياما إن انقساما يتشكل بين أصحاب النفوذ والسلطة وبين من يشعرون بالتهميش والإهانة.

ويربط صعود السلطوية بهذا الشعور، مستشهدا باقتحام أنصار الرئيس دونالد ترمب مبنى الكابيتول في 2021، باعتباره تعبيرا عن غضب مواطنين شعروا بأنهم غير مسموعين.

تبدو مذكرات فوكوياما شهادة على نهاية عصر أكثر منها تأكيدا لنبوءته؛ وربما يكون القرن الحادي والعشرون بداية جديدة للتاريخ، حيث ستضطر الديمقراطيات الحرة إلى إعادة تشكيل نفسها إذا أرادت البقاء

عودة التاريخ لا نهايته

غير أن سوري يرفض تفسير الاضطراب السياسي باعتباره نتيجة للملل وحده. ففي رأيه، أزمات الإرهاب وحروب الشرق الأوسط والأزمة المالية العالمية جميعها، غذتها أيضا آثار العولمة والأسواق الأقل تنظيما، ما دفع ملايين الناس إلى الاعتقاد بأن الديمقراطية الليبرالية لم تعد تحميهم.

ومن هنا برز قادة مثل فيكتور أوربان ونايجل فاراج ومارين لوبان وجايير بولسونارو وترمب، الذين قدموا بدائل قومية وحمائية وسلطوية. ويضيف أن سقوط الشيوعية لم يكن ضمانا لانتصار دائم لليبرالية، إذ تكيفت أنظمة مثل روسيا والصين مع الأسواق الدولية لأسباب تتعلق بالبقاء والمصلحة.

كما أن تراجع شرعية بعض السلطويين بعد الحروب والأزمات الاقتصادية يثبت، في نظره، أن البحث عن بديل لم يتوقف، وأن التاريخ ما زال مفتوحا على احتمالات متعددة بين قوى تسعى إلى الانفتاح وأخرى إلى الحماية والهوية الوطنية.

ويخلص سوري إلى أن الصراع الحقيقي لم يكن يوما بين التاريخ ونهايته، بل على الشرعية السياسية. فالمجتمعات ليست “رجالا أخيرين” يشعرون بالملل، بل شعوبا تبحث عن وظائف وحياة صحية ومجتمعات نابضة وأفكار سياسية جديدة.

لذلك تبدو مذكرات فوكوياما، في قراءة سوري، شهادة على نهاية عصر أكثر منها تأكيدا لنبوءته؛ وربما يكون القرن الحادي والعشرون بداية جديدة للتاريخ، حيث ستضطر الديمقراطيات الحرة إلى إعادة تشكيل نفسها إذا أرادت البقاء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enable Notifications OK No thanks