عقد على بريكست.. ما خسائر اقتصاد بريطانيا جراء مغادرة الاتحاد الأوروبي؟ | اقتصاد


روكب اليوم

بعد 10 سنوات من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، أو ما يعرف بالبريكست، يتصاعد الجدل حول عودة لندن إلى الاتحاد وسط خسائر اقتصادية واسعة أقر بها كبار المسؤولين في الحكومة البريطانية.

وللمرة الأولى أعلن وزير في الحكومة البريطانية، وهو وزير الخزانة اللورد سبنسر ليفرمور، دعمه للتراجع عن نتيجة الاستفتاء الذي أُجري في 23 يونيو/حزيران 2016، والذي أسفر عن تأييد الخروج من الاتحاد الأوروبي بأغلبية بسيطة، بلغت 52% تقريبا من أصوات الناخبين.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

وأوضح اللورد ليفرمور أمام مجلس اللوردات الاثنين الماضي أنه يرى بأن العودة إلى الاتحاد الأوروبي “أمر حتمي”، مضيفا “بالطبع ستعود المملكة المتحدة إلى الاتحاد الأوروبي لأن ذلك يصب تماما في مصلحتنا الاقتصادية القومية”، وفق ما نقلته صحيفة فايننشال تايمز البريطانية.

وكان رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر قال في مؤتمر صحفي في مايو/أيار الماضي إنه يعمل على “إعادة ضبط” العلاقة بين بلاده وأوروبا لتصبح أفضل وأوسع نطاقا، وأكد أن الخروج من الاتحاد الأوروبي تسبب في أضرار بالغة للاقتصاد البريطاني.

لكن ستارمر تجنب الحديث عن التراجع بالكامل عن نتيجة الاستفتاء والعودة إلى الاتحاد الأوروبي خشية إغضاب قطاع من الناخبين يرفض هذه العودة، ويخشى أن تؤدي إلى فتح أبواب بريطانيا أمام العمالة الأوروبية المهاجرة.

ستارمر يسعى لعلاقات أوسع مع الاتحاد الأووربي لكنه يخشى غضب من صوتوا للبريكست (رويترز)

وتمثل قضية الهجرة ورقة ضغط مهمة على ستارمر، خاصة بعد المكاسب التي حققها حزب الإصلاح اليميني المتشدد بزعامة نايجل فاراج، في انتخابات المجالس المحلية في إنجلترا في مايو/أيار الماضي، والذي يرفض تماما العودة للاتحاد الأوروبي بأي صورة، بعد أن كان أحد أبرز الداعين لمغادرته.

خسائر اقتصادية واسعة

وأوضح اللورد ليفرمور أن خسائر خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي تُقدَّر بما بين 6% و8% من الناتج المحلي الإجمالي وفقا لدراسة لمكتب مسؤولية الموازنة، وهو جهة بحثية تجري تقييمات لتأثير القرارات التي تتخذها الحكومة على النشاط الاقتصادي.

وأشارت صحيفة “إندبندنت” البريطانية إلى الخلاف في مجلس اللوردات بين اللورد ليفرمور واللورد ماكينلي، وهو نائب سابق عن حزب المحافظين ومؤيد للبريكست، حيث قال الأخير إن الحكومة الحالية لحزب العمال تستفيد من المرونة التي تحققت بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي في تقديم الدعم لقطاعات مختلفة مثل قطاع الزراعة لدفع النمو.

غير أن اللورد ليفرمور أكد أن هذه الفوائد المحدودة لا تعادل الخسائر الضخمة التي تسبب فيها بريكست لاقتصاد بريطانيا، والتي تعمل الحكومة حاليا على التخفيف منها.

يذكر أن الناتج المحلي الإجمالي لبريطانيا بلغ فاق 4 تريليونات دولار في عام 2025، حسب بيانات نشرها البرلمان البريطاني، مما يعني أن خسارة 6% على الأقل منه تعني خسائر تتجاوز 240 مليار دولار.

نايجل فاراج (وسط) زعيم حزب الإصلاح يرفض العودة للاتحاد الأوروبي بأي صورة (رويترز)

خسائر متراكمة وتدريجية

وأوضحت دراسة للمكتب القومي للبحوث الاقتصادية نُشِرت في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 أن الخسائر الاقتصادية منذ خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي شملت ما يلي:

  • تراجع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في بريطانيا بنسبة تتراوح بين 6% و8% مقارنة، مقارنة بما كان سيتحقق لو بقيت بريطانيا في الاتحاد.
  • انخفاض الاستثمار بنسبة تتراوح بين 12% و18%، نظرا لأن القطاع الخاص البريطاني تضرر بشدة نتيجة البريكست.
  • تراجع فرص العمل بنسبة تتراوح بين 3% و4%.
  • تراجع الإنتاجية بنسبة تتراوح بين 3% و4%.

وأوضحت الدراسة أن الخسائر التي لحقت بالاقتصاد البريطاني نتيجة البريكست كانت تدريجية، ولم تكن ظاهرة في الفترة من 2017 إلى 2018 عقب الاستفتاء مباشرة، لكنها تراكمت عبر 10 سنوات، نتيجة اتساع الحواجز التجارية مع الاتحاد الأوروبي الذي يمثل أكبر شريك تجاري لبريطانيا.

ومن جانب آخر، أكدت وزيرة المالية البريطانية راشيل ريفز أن الخروج من الاتحاد الأوروبي “ألحق ضررا طويل الأمد” بالإنتاجية في بريطانيا.

ارتفاع تكلفة التجارة وتراجع الاستثمار

وفي هذا السياق، قال زياد الهاشمي، خبير الاقتصاد الدولي المقيم في لندن في تصريح للجزيرة نت، إن من أبرز أسباب الخسائر الواسعة لبريطانيا ارتفاع تكلفة التجارة مع الاتحاد الأوروبي، حيث كانت الشركات البريطانية تبيع وتشتري من السوق الأوروبية بلا عوائق، وكأنها سوق محلية موسعة، عندما كانت بريطانيا عضوا في الاتحاد.

لكن بعد الخروج من هذه السوق/ ظهرت تكاليف جديدة أضيفت إلى المنتجين والمصدرين البريطانيين، كما يوضح الهاشمي، ومنها الإجراءات الجمركية وعمليات الفحص وشهادات المنشأ والرسوم الإضافية للحصول عليها، وفي الوقت نفسه ارتفعت تكلفة سلاسل الإمداد التي تصل من أوروبا، نتيجة فرض رسوم جمركية عليها.

وكانت النتيجة أن الشركات البريطانية صارت أقل تنافسية مقارنة بالشركات الأوروبية، وصار التعامل معها أكثر تعقيدا بعد أن أصبحت بريطانيا خارج السوق الأوروبية المشتركة.

سبب آخر يشير إليه الهاشمي، وهو تراجع الاستثمار في بريطانيا نتيجة خروجها من السوق الأوروبية، إذ تراجع الاستثمار ما بين 12% و18% وفق تقديره، وهو ما أسهم في ضعف الإنتاجية وتراجع تنافسية المنتجين البريطانيين.

كما أن الكثير من المستثمرين من خارج أوروبا باتوا يفضلون ضخ أموالهم في دول السوق للاستفادة من السوق الأوروبية بلا عوائق، بخلاف الحال لو كانت استثماراتهم في بريطانيا، حيث سيواجهون عوائق في الوصول إلى السوق الأوروبية.

راشيل ريفز أكدت أن البريكست ألحق ضررا طويل الأمد باقتصاد بريطانيا (غيتي)

أهم شريك تجاري لبريطانيا

وفقاً لبيانات مجلس العموم البريطاني فإن نسبة 41% من صادرات بريطانيا كانت موجهة لأسواق دول الاتحاد الأوروبي، وهي 27 دولة، في عام 2025، فيما بلغت نسبة واردات بريطانيا من دول الاتحاد نحو 50% من إجمالي وارداتها.

وبلغ إجمالي صادرات بريطانيا من السلع والخدمات 931 مليار جنيه إسترليني (1.25 تريليون دولار) في عام 2025، فيما بلغ إجمالي وارداتها 970 مليار جنيه إسترليني (1.3 تريليون دولار).

ويلاحظ أن بريطانيا تعاني عجزا في الميزان التجاري مع الاتحاد الأوروبي، وهو الخاص بالتجارة في السلع، بلغ 242 مليار جنيه إسترليني (نحو 324 مليار دولار) عام 2025، إذ إن البلاد تستورد سلعا من الاتحاد بأكثر مما تصدر له، وفق بيانات مجلس العموم البريطاني.

لكن بريطانيا لديها فائض في ميزان الخدمات مع الاتحاد الأوروبي بلغ 203 مليارات جنيه إسترليني (نحو 272 مليار دولار) عام 2025، وذلك بسبب قطاع الخدمات المالية الواسع الذي تتمتع به بريطانيا.

وهذا الحجم الهائل من التجارة بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي يفسر الخسائر التي لحقت بالاقتصاد البريطاني نتيجة حرمان البلاد من الاستفادة من السوق الأوروبية المشتركة بعد خروجها من الاتحاد.

كما أن الميزة التي تتمتع بها بريطانيا في قطاع الخدمات المالية تؤكد احتياجها للوصول إلى السوق الأوروبية المشتركة بلا عوائق، لتقديم مختلف المعاملات لهذه السوق العملاقة، وهو ما كان أحد أهم الأسباب التي استند إليها من عارضوا خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

لكن المعضلة التي تواجه من يطالبون بالعودة إلى الاتحاد الأوروبي هي التكلفة السياسية لهذا القرار من جانب، علاوة على اختلاف وجهات النظر داخل المعسكر المؤيد للاتحاد الأوروبي حول أفضل صيغة للشراكة الاقتصادية معه.

ومن بين هذه الصيغ الانضمام إلى الاتحاد الجمركي الأوروبي المقتصر على تجارة السلع، أو الانضمام إلى السوق الأوروبية المشتركة التي تشمل السلع والخدمات وحرية انتقال العمالة ورؤوس الأموال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enable Notifications OK No thanks