علوم وصحة – الصين ومراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.. هل استغلت غضب الأمريكيين أم أن الغضب أقدم منها؟

روكب اليوم

لم تعد المعركة الأمريكية حول الذكاء الاصطناعي محصورة في المختبرات وشركات التكنولوجيا، بعدما تحولت مراكز البيانات التي تشغّل النماذج والأنظمة الجديدة إلى مصدر خلاف داخل المجتمعات المحلية بسبب استهلاكها للكهرباء والمياه والأراضي.

ومع توسع مشاريع مراكز البيانات في أنحاء الولايات المتحدة، تصاعدت اعتراضات السكان والسياسيين على كلفة هذا التوسع وتأثيراته المحلية، قبل أن تدخل الصين إلى المشهد عبر اتهامات بمحاولة استغلال هذا الغضب وتوظيفه ضمن المنافسة المتصاعدة بين واشنطن وبكين على مستقبل الذكاء الاصطناعي.

وفي أواخر أغسطس/آب، أعلنت منصة إكس أنها رصدت نحو 200 حساب قالت إنها مرتبطة بالصين، وتعمل على نشر رسائل معادية لمراكز البيانات الأمريكية. وسرعان ما تحولت هذه المعلومات إلى مادة سياسية وإعلامية، ووصلت إلى الرئيس دونالد ترمب، الذي حذر من أن الصين لا يمكن أن تكون أكثر سعادة من الحركة المناهضة لمراكز البيانات.

لكن وجود حسابات مرتبطة بالصين لا يجيب بمفرده عن السؤال الأهم: هل صنعت هذه الحسابات حالة الغضب الأمريكية أم حاولت استغلال غضب كان موجودًا بالفعل؟

المعطيات المتاحة حتى الآن لا تقدم دليلًا حاسمًا على أن الصين أنشأت حركة المعارضة الأمريكية لمراكز البيانات. ونقلت وايرد عن شركة غرافيكا أن الجزء الأكبر من المعارضة التي رُصدت عبر الإنترنت كان مصدره داخل الولايات المتحدة، بينما قالت أوبن إيه آي في تقرير سابق إن العملية المرتبطة بالصين كانت تستغل حالة استياء موجودة أصلًا بشأن مراكز البيانات.

حسابات صينية وتأثير غير محسوم

يرى دارن لينفيل، أستاذ الاتصال في جامعة كليمسون الأمريكية والرئيس المشارك لمركز وات فاميلي للابتكار في مجال الأدلة الجنائية الإعلامية، أن الأدلة المتاحة لا تظهر تأثيرًا فعليًا للعمليات المرتبطة بالصين في حركة المعارضة لمراكز البيانات.

وقال لينفيل للجزيرة نت إنه لم ير أي دليل على أن تلك العمليات غيرت مواقف الأمريكيين أو أثرت في الخطاب المرتبط بالحركة المناهضة لمراكز البيانات، مضيفًا أنه بحث في المسألة ولم يجد دليلًا على ذلك.

ويستند الباحث في تقييمه إلى طبيعة القضية نفسها، إذ يرى أن المعارضة لمراكز البيانات واسعة الانتشار على منصات التواصل الاجتماعي، لكنها في الوقت ذاته مرتبطة بقضايا ملموسة تمس حياة الأمريكيين، مثل الكهرباء والمياه والأراضي والبيئة.

وبحسب لينفيل، فإن النقاش الواسع حول هذه القضايا يجعل من الصعب على جهة غير أصيلة تغيير اتجاهه، وشبه محاولة التأثير فيه بمحاولة توجيه ناقلة نفط ضخمة.

ويضع الباحث شرطين لإثبات وجود تأثير صيني حقيقي؛ الأول وجود جهد صيني كبير يمكن إسناده بوضوح إلى الصين، والثاني إثبات أن هذا الجهد أحدث تغييرًا في النقاش الأمريكي.

ويقول إن ما ظهر حتى الآن لا يصل إلى هذا المستوى. فإلى جانب بعض المحتوى الصادر عن وسائل الإعلام الحكومية الصينية، والذي يركز في الغالب على الترويج لمراكز البيانات الصينية، رصدت أوبن إيه آي بضع مئات من حسابات الروبوتات المنسوبة إلى الصين، قبل أن تكشف منصة إكس عنها لاحقًا أيضًا.

ويشير لينفيل إلى أن الحسابات المرتبطة بالعملية التي رصدتها أوبن إيه آي كانت تنشر بصورة محدودة، ولم تكن تتمتع بمتابعات كبيرة، ما يرجح، بحسب تقييمه، أن محتواها لم يصل إلى عدد مؤثر من المستخدمين الحقيقيين.

ويختصر الباحث هذا النشاط بالقول إن هذه الحسابات كانت تصرخ في الفراغ، معتبرًا أن الأدلة المتاحة حتى الآن على محاولة صينية للتأثير في النقاش المناهض لمراكز البيانات شحيحة، ولا توجد أدلة على أنها أحدثت تأثيرًا فعليًا.

ويرى لينفيل كذلك أن تحميل الصين مسؤولية حالة الغضب قد يكون مريحًا لصناعة الذكاء الاصطناعي، إذا كانت الصناعة تبحث عن طرف يمكن إلقاء مسؤولية إحباطات الأمريكيين الحقيقية عليه، مع تأكيده أنه لا يدافع عن الصين.

هل تحاول الصين استغلال غضب موجود أصلًا؟

غياب الدليل على تأثير فعلي لا يعني أن استغلال قضية محلية من جانب جهة أجنبية أمر مستبعد.

ويضع سامويل وولي، الباحث في التكنولوجيا الناشئة والتلاعب بالرأي العام، الجدل في إطار أوسع، موضحًا أن الجهات الأجنبية التي تسعى إلى التأثير في الرأي العام داخل دول أخرى تلجأ عادة إلى استغلال الخلافات القائمة أصلًا، بهدف زيادة الاستقطاب، وقد تضيف إليها معلومات مضللة أو نظريات مؤامرة لرفع مستوى التوتر.

وفي حالة مراكز البيانات، يقول وولي إن المعارضة لها جذور محلية واضحة، وإنها تمثل رد فعل حقيقيًا وشعبيًا وعابرًا للحزبين على توسع البنية التحتية للذكاء الاصطناعي وشركات التكنولوجيا الكبرى.

لكنه يشير في الوقت نفسه إلى اتهامات للصين بمحاولة استغلال هذا الاستياء الموجود أصلًا عبر نشر معلومات مضللة جديدة، مع التأكيد على ضرورة التعامل بحذر مع هذه الاتهامات.

ويشير وولي إلى أن عددًا من التقارير التي تتحدث عن دعاية صينية مرتبطة بمراكز البيانات صدرت عن شركات تكنولوجيا كبرى، وهي الجهات التي تستفيد بصورة مباشرة من التوسع في بناء هذه المنشآت.

ويرى أن الفصل في هذه المسألة يحتاج إلى أبحاث تجريبية مستقلة ومراجعة من جانب الأقران، داعيًا إلى التعامل بحذر مع الادعاءات الصادرة من وادي السيليكون إلى حين توافر أدلة مستقلة.

لماذا أصبحت مراكز البيانات هدفًا قابلًا للتأثير؟

لا ترتبط حساسية قضية مراكز البيانات بالتكنولوجيا وحدها، وإنما بتأثيرها المباشر في حياة السكان.

ويوضح وولي أن هذه المنشآت تمس رفاه المنازل والبيئات الطبيعية وسبل العيش والمجتمعات، وهو ما يمنح القضية أساسًا محليًا مباشرًا يمكن أن يتحول في الوقت نفسه إلى مادة تستغلها حملات تأثير أوسع.

ويقول إن فريقه البحثي زار وتحدث مع عدد كبير من قادة المجتمعات والمجموعات المحلية في أنحاء الولايات المتحدة التي تحتج على بناء مراكز البيانات، مؤكدًا أن المعارضة ليست مجرد ظاهرة مصطنعة على منصات التواصل الاجتماعي.

وفي المقابل، يدعو وولي المحتجين والمتابعين لهذا الملف إلى الحذر من المعلومات التآمرية أو التحريضية، والاعتماد بدرجة أكبر على المعرفة المحلية والصحافة المهنية والعلوم القائمة على الأدلة.

ويعني ذلك أن وجود محاولة أجنبية لاستغلال قضية ما، حتى إذا ثبتت، لا يفسر بالضرورة ظهور القضية من الأساس، ولا يجعل المخاوف المحلية التي دفعت السكان إلى الاحتجاج مصطنعة.

استطلاع يكشف اتساع المعارضة

وتشير نتائج استطلاع أجرته رويترز/إبسوس في يونيو/حزيران إلى أن المعارضة لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي تتجاوز بكثير النشاط الرقمي المنسوب إلى جهات أجنبية.

وأظهر الاستطلاع أن 64% من الأمريكيين يعارضون التوسع السريع في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، بينما يعارض 57% إقامة هذه المراكز في مجتمعاتهم.

كما امتدت المعارضة إلى مؤيدي الحزبين، ما يشير إلى أن القضية لا تنحصر في الاستقطاب السياسي التقليدي.

وتعزز هذه النتائج التمييز بين أمرين مختلفين: وجود جهة أجنبية تحاول استغلال قضية قائمة، وإثبات أن هذه الجهة صنعت القضية أو نجحت في تغيير مواقف الجمهور بشأنها.

وفي حالة مراكز البيانات، تظهر مؤشرات على وجود معارضة محلية واسعة مرتبطة بمخاوف مباشرة حول الكهرباء والمياه والأراضي والبيئة وتكاليف التوسع في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، بينما يظل حجم التأثير الخارجي وفاعليته بحاجة إلى أدلة مستقلة.

بين الغضب المحلي والمنافسة مع الصين

تضع قضية مراكز البيانات الولايات المتحدة أمام مفارقة واضحة في سباق الذكاء الاصطناعي. فالبنية التحتية التي تراهن عليها واشنطن وشركات التكنولوجيا للحفاظ على موقعها في المنافسة العالمية أصبحت في الوقت نفسه مصدر اعتراض داخل المجتمعات التي تستضيفها.

ومع ظهور حسابات قالت منصة إكس إنها مرتبطة بالصين وتنشر رسائل معادية لمراكز البيانات، انتقل الجدل من أسئلة محلية حول استهلاك الموارد إلى أسئلة تتعلق بالتدخل الأجنبي والأمن القومي والمنافسة الأمريكية الصينية.

لكن الأدلة المعروضة في الوقت الحالي لا تكفي لإثبات أن هذه العمليات خلقت الغضب الأمريكي أو نجحت في توجيهه.

وقد تكون الصين، وفق هذا الطرح، حاولت استغلال موجة احتجاج موجودة أصلًا، لكن ذلك يختلف عن القول إنها صنعتها.

ويبقى السؤال الأساسي مرتبطًا بالأسباب التي دفعت المجتمعات الأمريكية إلى الاعتراض على مراكز البيانات: من يتحمل كلفة استهلاك الكهرباء والمياه والأراضي؟ ومن يستفيد من الاستثمارات والوظائف الناتجة عن التوسع؟

وبينما يستمر السباق الأمريكي الصيني على الذكاء الاصطناعي، يظل الفصل بين الاحتجاج المحلي الحقيقي ومحاولات التأثير الخارجي مسألة تحتاج إلى أدلة مستقلة، بدل افتراض أن أحدهما يفسر الآخر بالكامل.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enable Notifications OK No thanks