عملاق يعيش مليون سنة فقط.. النجم الخفي في لغز “النقاط الحمراء” الكونية | علوم


روكب اليوم

منذ أن بدأ تلسكوب جيمس ويب الفضائي رصد الكون في نطاق الأشعة تحت الحمراء، ظهرت أمام الفلكيين أجسام صغيرة شديدة الاحمرار أطلقوا عليها “النقاط الحمراء الصغيرة” (Little Red Dots).

وقد أصبحت هذه الأجسام واحدة من أكثر ألغاز الكون المبكر إثارة، لأنها ظهرت بكثرة عندما كان عمر الكون نحو 600 مليون سنة، ثم بدت نادرة جدا عندما تجاوز عمره ملياري سنة.

بعض مجرات “النقاط الحمراء الصغيرة” التي اكتشفها تلسكوب جيمس ويب الفضائي (ناسا)

طرحت دراسات سابقة تفسيرات عدة لهذه الأجسام، من بينها أنها مجرات شديدة الكتلة، أو ثقوب سوداء محاطة بكميات هائلة من الغاز والغبار، بل وحتى أجسام افتراضية تجمع خصائص النجوم والثقوب السوداء.

اقرأ أيضا

list of 2 itemsend of list

لكن دراسة جديدة تقترح مسارا مختلفا: ربما لم تختف هذه الأجسام فعلا، وإنما تغيرت مع مرور الزمن إلى أجسام مألوفة في الكون الحالي، هي العناقيد الكروية.

ويقود الدراسة باحثون من جامعة تكساس في أوستن، ومن بينهم “جون تشيزولم” و”دانييل بيرغ” و”مايك بويلان-كولش”.

نجم فائق الكتلة في قلب العنقود

العناقيد الكروية تجمعات شديدة الكثافة تضم أعدادا هائلة من النجوم القديمة، وقد تحتوي على ملايين النجوم.

وتضم مجرة درب التبانة ما لا يقل عن 150 عنقودا كرويا، لكن الفلكيين لا يزالون يجهلون بدقة كيف بدأت هذه التجمعات في التشكل.

وتقترح الدراسة أن العناقيد الكروية في مراحلها الأولى كانت أكثر كثافة مما هي عليه اليوم، بحيث تصادمت النجوم واندفعت إلى الاندماج بصورة متكررة، وقد يؤدي ذلك إلى ولادة نجم فائق الكتلة تتراوح كتلته بين ألف و10 آلاف مرة كتلة الشمس.

العنقود الكروي NGC 6638 في كوكبة القوس، ويقع على بعد نصف درجة شرق نجم لامبدا القوس. (ناسا)

ويعتقد الباحثون أن مثل هذا النجم شديد الحرارة يمكن أن يفسر لماذا تبدو بعض النقاط الحمراء الصغيرة بهذه الصورة الغامضة، إذ سيكون موجودا في قلب عنقود نجمي آخذ في التكوين، فيمنحه مظهرا شبيها بما رصده جيمس ويب.

ويقول “مايك بويلان-كولش” من جامعة تكساس في أوستن إن التركيب الكيميائي غير المعتاد لنجوم العناقيد الكروية يشير إلى حدوث اندماج نووي عند درجات حرارة أعلى بكثير مما يحدث في قلب النجوم الضخمة العادية، وهي بيئة يمكن أن يوفرها النجم فائق الكتلة.

لغز كيميائي قد يكشف أصلها

تتميز نجوم كثيرة في العناقيد الكروية بوفرة غير عادية من الهيليوم والنيتروجين والصوديوم والألومنيوم، مع انخفاض مستويات الكربون والأكسجين والمغنيسيوم. ويصعب تفسير هذه البصمة الكيميائية في النماذج التقليدية لتكوّن النجوم.

لكن النجم فائق الكتلة المقترح يمكن أن يكون مفتاح اللغز، فهو يعيش فترة قصيرة لا تتجاوز نحو مليون سنة، لكنه خلال حياته القصيرة قد ينتج العناصر الكيميائية المطلوبة، وعندما ينتهي عمره، تنتشر هذه العناصر في محيطه، لتصبح مواد أولية لنجوم جديدة داخل العنقود.

إحدى “النقاط الحمراء الصغيرة” البعيدة، وتقع في كوكبة الأسد، وقد رصدها جيمس ويب عندما كان عمر الكون 570 مليون سنة (وكالة الفضاء الكندية)

ويقول “جون تشيزولم” من جامعة تكساس في أوستن، في بيان صحفي رسمي إن النجم الفائق الكتلة الذي يجعل العنقود يبدو كنقطة حمراء صغيرة سيموت سريعا، وبعد موته قد يتوقف العنقود عن الظهور كنقطة حمراء، بينما يظل التجمع النجمي نفسه موجودا لمليارات السنين.

وهنا تكمن الفكرة الأساسية فقد تكون النقطة الحمراء الصغيرة مرحلة مؤقتة في حياة عنقود كروي، وليست جسما اختفى من الكون.

جسر بين الكون المبكر والحاضر

لا تعتمد الفرضية على الكيمياء وحدها، فالباحثون يرون توافقا بين توزيع النقاط الحمراء الصغيرة في الكون المبكر وتوزيع العناقيد الكروية في الكون الحالي، كما تشير النماذج إلى أن كتل النقاط الحمراء الصغيرة يمكن أن تتطور إلى كتل مشابهة للعناقيد الكروية الموجودة اليوم.

والأكثر إثارة أن توقيت ظهورها يتوافق أيضا مع الفترة التي يُعتقد أن العناقيد الكروية بدأت فيها التشكل، أي بعد نحو 600 مليون سنة من الانفجار العظيم.

ومع ذلك، يحذر الباحثون من اعتبار الفرضية حقيقة محسومة. ويقول “بويلان-كولش” إنه لا توجد حتى الآن “بصمة حاسمة” تثبت أن النقاط الحمراء الصغيرة هي بالفعل أسلاف العناقيد الكروية.

لكن “تشيزولم” يرى أنها قد لا تكون مجرد ظاهرة غريبة بلا صلة بالكون الحالي، بل ربما استمرت بعد الكون المبكر وتطورت إلى شيء مألوف.

وتكشف هذه الفرضية قيمة الاستكشاف العلمي: فكلما نظر جيمس ويب أبعد في الماضي، لم يكتف بإضافة أجسام جديدة إلى خريطة الكون، بل ربما يساعدنا على فهم كيف ولدت بعض أقدم التجمعات النجمية التي ما زلنا نراها اليوم.

وفي علم الفلك، قد لا يكون اختفاء الجسم نهاية القصة، بل بداية السؤال الأهم: إلى ماذا تطور؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enable Notifications OK No thanks