غرفة أم ذراع سياسية؟.. تحقيق يكشف خبايا أشهر منصة يمينية في أمريكا | إعلام


روكب اليوم

لم تعد العلاقة بين الإعلام والسياسة تقتصر على الانحيازات التحريرية أو توجهات الملكية، بل بدأت تظهر في الولايات المتحدة الأمريكية نماذج إعلامية تعلن ارتباطها المباشر بمشاريع سياسية، وتستخدم أدوات الصحافة الاستقصائية لإنتاج محتوى يخدم أهدافا أيديولوجية وانتخابية.

هذا ما خلص إليه تحقيق أجراه مركز “تاو” للصحافة الرقمية في جامعة كولومبيا، تناول منصة “ريستورايشن نيوز”، التي تقدم نفسها باعتبارها “المصدر الإخباري لحركة أمريكا أولا”، بينما تكشف الوثائق المالية وسجلات المحاكم أن المنصة تمثل جزءا من منظومة سياسية ممولة من جهات محافظة، تتلقى ملايين الدولارات سنويا لدعم مشاريع إعلامية وانتخابية.

وراجع التحقيق ثلاث سنوات من محتوى المنصة، إلى جانب الإقرارات الضريبية وسجلات المحاكم ووثائق لجنة الانتخابات الفيدرالية، ليتوصل إلى أن “ريستورايشن نيوز” ليست مجرد موقع إخباري محافظ، بل حلقة ضمن شبكة سياسية وإعلامية متشابكة تمتد إلى لجان العمل السياسي وشبكات توزيع الأخبار المحلية.

تكشف الوثائق المالية وسجلات المحاكم أن منصة ريستورايشن نيوز تمثل جزءا من منظومة سياسية ممولة (الجزيرة)

تمويل سياسي مباشر

وتعمل المنصة بتمويل من منظمة “ريستورايشن أوف أمريكا”، وهي منظمة محافظة أسسها رجل الأعمال دوغ تروكس عام 2015، وتصف نفسها بأنها المنسق الوطني الأبرز للمجموعات المحافظة خارج الحزب الجمهوري.

ووفقا لسجلاتها الضريبية، جمعت المنظمة أكثر من 75 مليون دولار خلال عام 2024، أنفقت مليوني دولار منها على تشغيل “ريستورايشن نيوز”، كما حولت قرابة مليوني دولار أخرى إلى لجنة العمل السياسي التابعة لها.

ويشير التحقيق إلى أن أحد أبرز ممولي هذه المنظومة هو رجل الأعمال الأمريكي ريتشارد أوليهين، مالك شركة “يولاين”، وأحد أكبر المتبرعين للحزب الجمهوري، والذي سبق أن موّل صحفا محلية مزيفة وحملات للتشكيك في نتائج انتخابات 2020.

صحافة بأدوات تقليدية

ويؤكد التحقيق أن المنصة تختلف عما يعرف بمواقع “الوحل الوردي” التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي لإنتاج الأخبار، إذ توظف صحفيين حقيقيين يستخدمون أدوات صحفية تقليدية، مثل طلبات الحصول على المعلومات الحكومية وفق قانون حرية المعلومات.

لكن التحقيق يرصد في المقابل إخفاقات مهنية متكررة، أبرزها نشر تقارير دون منح الأشخاص المستهدفين فرصة للرد أو التعليق، وهو ما أكده عدد من الشخصيات التي تناولتها المنصة في تقاريرها.

وعندما سأل مركز تاو إدارة المنصة عن التزامها بمدونات أخلاقيات الصحافة، وصف دان كوري، كبير مسؤولي الإستراتيجية في “ريستورايشن نيوز”، ميثاق جمعية الصحفيين المحترفين بأنه “أكثر الوثائق عديمة المعنى”، مؤكدا أن العاملين في المنصة “لا يحتكمون إلى مدونة أخلاقية، بل إلى التعاليم الدينية التي تحث على قول الحقيقة وكشف الظلم”.

منصة ريستورايشن نيوز تقدم نفسها باعتبارها المصدر الإخباري لحركة أميركا أولا (الجزيرة)

شبكة توزيع واسعة

وكشف التحقيق عن علاقات وثيقة تربط المنصة بشبكة “ميتريك ميديا”، التي تدير أكثر من ألف موقع إخباري محلي في الولايات المتحدة، وتُعرف بإنتاج محتوى ذي توجهات حزبية.

فقد تبين أن مواقع الشبكة تعيد نشر تقارير “ريستورايشن نيوز” بصورة متكررة، كما أن المنظمة دفعت ملايين الدولارات لشركات مرتبطة بمؤسسي “ميتريك ميديا”، في حين تولى محام واحد تمثيل الطرفين في عدد من القضايا القضائية.

ويرى الباحث إيه جيه باور، أستاذ الإعلام في جامعة ألاباما والمتخصص في دراسة الإعلام اليميني، أن الهدف الأساسي للمنصة هو “ترسيخ تفسير يميني للعالم”، أكثر من كونه تقديم تغطية إخبارية متوازنة.

حملات ضد التعليم والجيش

ورصد التحقيق نمطا متكررا في تغطيات المنصة، إذ تركز بصورة مكثفة على قضايا الإجهاض، والهجرة، والتعليم، والهوية الجنسية، وسياسات التنوع داخل الجيش الأمريكي.

ومن أبرز كتّاب المنصة فيكتوريا مانينغ، العضوة السابقة في مجلس مدارس فرجينيا بيتش، التي تنشر تحقيقات تستهدف المدارس والجامعات وبرامج الصحة النفسية، مستخدمة في بعض الأحيان صورا ومنشورات من حسابات الأشخاص على وسائل التواصل الاجتماعي دون التواصل معهم أو طلب تعليقهم.

كما أطلقت المنصة العام الماضي موقعا متخصصا يحمل اسم “ريستور ذا ميلتري”، ينشر ملفات وصورا لضباط الجيش الذين تتهمهم بالتركيز على قضايا التنوع والمساواة بدلا من الكفاءة العسكرية، مدعية أن حملاتها ساهمت في تعطيل ترقيات عدد من كبار الضباط، رغم أن التحقيق لم يجد أدلة تدعم معظم هذه الادعاءات.

منصة ريستورايشن نيوز تركز بصورة مكثفة على قضايا الإجهاض والهجرة والتعليم والهوية الجنسية (الجزيرة)

صحافة أم نشاط سياسي؟

ويرى التحقيق أن المحتوى المنشور يعتمد غالبا على انتقاء الوقائع التي تدعم رؤية سياسية مسبقة، بدلا من الانطلاق من الوقائع للوصول إلى النتائج.

ويقول الباحث باور إن “الصحفي المهني يخرج إلى الميدان ليصف الواقع كما هو، أما الصحفي الحزبي فيبحث عن الوقائع التي تؤكد قناعاته المسبقة ثم يبني عليها روايته”.

ورغم أن المنصة تؤكد في ردها أنها “تغطي القصص التي يرفض الإعلام اليساري تناولها”، فإن رسائلها الموجهة إلى المتبرعين تستخدم لغة مختلفة تماما، إذ تؤكد في إحدى صفحات التبرعات أنها “تخوض حملة دائمة لهزيمة اليسار الراديكالي”، وأن الدعم المالي المستمر “سيضمن الانتصار على الديمقراطيين”.

منصة ريستورايشن نيوز تنتج محتوى يخدم أهدافا انتخابية وأيديولوجية بصورة مباشرة (الجزيرة)

نموذج جديد للإعلام الحزبي

ويخلص التحقيق إلى أن “ريستورايشن نيوز” تمثل جيلا جديدا من المؤسسات الإعلامية الحزبية، يختلف عن مواقع الأخبار الآلية أو شبكات التضليل التقليدية. فهي تستخدم صحفيين حقيقيين، وتحقيقات، ووثائق رسمية، وطلبات معلومات حكومية، لكنها تعمل داخل منظومة تمويل سياسي معلنة، وتنتج محتوى يخدم أهدافا انتخابية وأيديولوجية بصورة مباشرة.

ويرى معدو التحقيق أن هذا النموذج يطرح تحديا جديدا أمام الجمهور، لأن المشكلة لم تعد في التمييز بين الأخبار الحقيقية والمحتوى الآلي، بل في فهم الحدود الفاصلة بين العمل الصحفي المستقل والإعلام الذي يعمل ضمن حملة سياسية دائمة، حتى وإن استخدم أدوات الصحافة التقليدية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enable Notifications OK No thanks