فطام تكنولوجي مكلف.. هل تستطيع أميركا صناعة الروبوتات من دون الصين؟ : روكب اليوم الاقتصادية


روكب اليوم
2026-10-03 10:01:00

1707599

أصبحت الصين جزءاً أساسياً من سلاسل إمداد التكنولوجيا العالمية، بفضل قدرتها على إنتاج المكونات بكميات ضخمة وتكلفة منخفضة، لكن تقليص هذا الاعتماد يفرض تحديات كبيرة على الشركات الأميركية، وهو ما يواجهه راجات باجيريا بعد سبع سنوات من تأسيس شركة شيف روبوتيكس في سان فرانسيسكو، إذ أصبح أمام مهمة شاقة جديدة: بناء روبوتات من دون أي مساعدة من الصين.
مثل معظم شركات الروبوتات التي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً لها، اعتمدت شركة شيف روبوتيكس بشكل كبير على مكونات صينية لصناعة أذرع الروبوتات التي تبيعها لمصنعي الأغذية لأتمتة تجميع الوجبات الجاهزة. وقد جعلت قدرة الصين على إنتاج أجزاء رخيصة بكميات لا تضاهى منها مصدراً أساسياً للمنتجات التكنولوجية التنافسية حول العالم.

لكن مع هيمنة الصين على صناعات متقدمة، من السيارات الكهربائية إلى المصانع المؤتمتة، كثفت الولايات المتحدة في عهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب القيود على الاستخدام المحلي للتكنولوجيا الصينية، بما في ذلك الطائرات المسيّرة والروبوتات المتنقلة وغيرها من الإلكترونيات الحيوية.

وقال باجيريا: «لفترة من الوقت، كان الأمر بالطبع يتمثل في البحث عن أفضل المكونات، والعثور عليها بأرخص سعر».


لكن المستثمرين والعملاء بدؤوا الآن يطرحون عليه سؤالاً مختلفاً: «لماذا ما زلت تستخدم مكونات مصنوعة في الخارج؟».

المنافسة بين الولايات المتحدة والصين

وأدى تصاعد المنافسة بين الولايات المتحدة والصين إلى زيادة المخاوف بشأن مخاطر الأمن القومي الناجمة عن الاعتماد المفرط على الأنظمة وسلاسل التوريد الصينية.

وفي حظرها للتكنولوجيات المصنوعة في الخارج، تستشهد السلطات الأميركية بالحاجة إلى حماية بيانات المستهلكين والحكومة الحساسة، إلى جانب تحفيز التصنيع المحلي، لكن خبراء يحذرون من أن القيود قد تؤدي إلى نتيجة غير مقصودة، تتمثل في إضعاف قدرة الشركات الأميركية على مواكبة منافسيها الصينيين.
وأدى عقود من الاستعانة بمصادر خارجية إلى ترك الشركات المصنعة الأميركية غير مؤهلة لتلبية الطلب، ما تسبب في ارتفاع التكاليف وطول فترات الانتظار أمام الشركات والجامعات والمستهلكين الذين يحتاجون إلى الإلكترونيات المتطورة والعادية على حد سواء.

وقال بن أرمسترونغ، المدير التنفيذي لمركز الأداء الصناعي في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، الذي يدرس القدرة التنافسية للتصنيع والأتمتة: «جزء كبير من حياتنا الرقمية يعتمد على بنية تحتية من مكونات مصنوعة في الخارج وسلع مجمعة في الخارج، وهذا لن يتغير في أي وقت قريب».

وأضاف: «نحن ببساطة لا نعرف كيف نصنعها في الولايات المتحدة، لذلك ستكون هناك فترة للتعلم، وخلال عملية التعلم هذه ستكون الأسعار مرتفعة».

ويأمل باجيريا أن يساعد بدء البحث عن موردين بديلين الآن شركته على الحد من الأضرار الاقتصادية المحتملة في المستقبل.

ولديه رفاهية القيام بذلك، لأن المكونات المستخدمة في أذرع روبوتاته لم تتأثر بعد بالحظر، لكنه يخشى أن تتسع القائمة. وقال: «يمكنك أن تتخيل ما هو الشيء التالي الذي سيحدث، أليس كذلك؟ قد تكون الخطوة التالية حظر أذرع الروبوتات الثابتة».

روبوتات مصنوعة في أميركا

قال باجيريا إن التجميع النهائي لمنتجات الشركة يتم في الولايات المتحدة، لكن مكونات الأدوات الآلية المثبتة في نهاية أذرع الروبوتات تُصنع جميعها حالياً في الصين.

وكان باجيريا قد أراد في البداية نقل هذا الإنتاج العام الماضي، مع تصعيد ترامب الرسوم الجمركية على الواردات الصينية، لكنه اكتشف سريعاً أن تصنيع المقابض البلاستيكية في الولايات المتحدة سيكون باهظ التكلفة إلى حد لا يمكن تحمله، كما أن العديد من الموردين خارج الصين لم تكن لديهم القدرة على تلبية طلبه.

وقال: «لقد كانت العملية أصعب بكثير مما كنا نأمل في البداية، حتى إننا نتحدث إلى بعض ورش الآلات الجيدة جداً في الولايات المتحدة، فيقولون لنا: لا يمكننا القيام بذلك».

وتبرز هذه التحديات مدى أهمية التقدم الصناعي الصيني بالنسبة للشركات الأميركية. ومع ذلك، تظل الإدارة الأميركية مصرة على الحد من استخدام التكنولوجيا الصينية، فيما تستمر قائمة المنتجات المحظورة في التوسع.

وفي يوليو تموز، أضافت لجنة الاتصالات الفيدرالية الأميركية محولات الطاقة والروبوتات المتقدمة الجديدة، مثل الروبوتات الشبيهة بالبشر التي يمكنها الجري والقفز والرقص والقتال، إلى قائمتها للتكنولوجيا الأجنبية المقيدة، كما حظرت الولايات المتحدة السيارات التي تستخدم برمجيات صينية، وفرضت رسوماً جمركية بنسبة 100% على السيارات الكهربائية الصينية، وبدأت رسوماً مماثلة على الطائرات المسيّرة الشهر الماضي، بعد حظر النماذج الجديدة في ديسمبر.

وأدت القائمة المتزايدة إلى معاناة حتى الشركات الأميركية العملاقة، مثل شركة فورد، لمواكبة المتطلبات، وتعرضت شركة صناعة السيارات الكبرى لانتقادات من إدارة ترامب في وقت سابق من هذا الشهر بسبب صلات غير ملائمة بالتكنولوجيا الصينية، وتحديداً استخدامها بطاريات سيارات كهربائية صينية من إنتاج شركة كاتل.

ورفضت فورد الادعاءات بأنها تنقل التصنيع الأميركي إلى كيانات صينية.

وقال مايكل موراي، الرئيس التنفيذي لشركة كوبين التي تصنع مكونات بصرية للطائرات المسيّرة المستخدمة من قبل الجيش الأميركي، إن الشركة احتاجت إلى أكثر من عامين لنقل تصنيع بعض شاشات العرض الدقيقة من الصين إلى الولايات المتحدة.

ويقدر موراي أن تصنيع هذه المكونات في الولايات المتحدة يكلف ما يصل إلى 25% أكثر، رغم أن نفقات نقل سلسلة التوريد عُوّضت من خلال تمويل من وزارة الدفاع.

وقال: «لا نملك الأحجام الكافية لخفض التكاليف بالقدر الذي يستطيع به بقية السوق، لذلك هناك ضغط على الأسعار يتعين علينا التعامل معه».

وأضاف موراي أن المزيد من الشركات تبحث عن مكونات مصنوعة في الولايات المتحدة مع تشديد القواعد المتعلقة بمصادر التكنولوجيا الحساسة، ومع ذلك تستطيع الصين إنتاج عدد من شاشات العرض الدقيقة في أسبوع واحد يفوق ما تنتجه الولايات المتحدة في عام كامل، على حد قوله.

التأخر عن الركب

يعمل غافين كينيلي، الذي تصنع شركته كلاباً روبوتية للاستخدامات الصناعية والعسكرية، على إيجاد مصدر جديد للمعادن الأرضية النادرة، التي تكاد الصين تحتكر إنتاجها عالمياً.

ونقلت شركة غوست روبوتيكس بالفعل إنتاج محركاتها من الصين إلى كوريا الجنوبية، وتحصل حالياً على مغناطيسات النيوديميوم من شركة أوروبية، لكن المادة الخام تأتي من الصين، ما يعني أنها ستخضع لحظر حكومي يبدأ في يناير كانون الثاني.

وقال كينيلي: «إنها مشكلة شديدة الصعوبة في سلسلة التوريد يصعب حلها على المدى القصير»، مضيفاً أن مثل هذه السياسات غالباً ما يُعلن عنها مسبقاً لمنح الشركات وقتاً للتكيف.

وأضاف: «على المدى الطويل، أعتقد أن هذه القيود كان لها تأثير تحفيزي أرادته الحكومة منها».

وقال محللون ومسؤولون تنفيذيون إن محدودية الوصول إلى سلسلة التوريد الصينية الواسعة قد تعرقل التقدم الأميركي في الصناعات المتطورة، مثل الذكاء الاصطناعي والروبوتات، وكذلك في التصنيع التقليدي.

وقال سامان فريد، مؤسس ائتلاف روبوتس فور أميركا وشركة فورميك التي توفر الروبوتات الصناعية للمصانع الأميركية: «في الوقت الذي تستغرقه شركة أميركية لبناء نموذجها الأولي، قد تكون شركة صينية قد وصلت بالفعل إلى الإصدار الثالث».

ورغم أن عملاء فريد لم يتأثروا بعد، فإنه يخشى أن يتسع نطاق القيود، وأن يضطر المصنعون إلى الاستغناء عن المعدات والتكنولوجيات الأكثر تنافسية.

وقال: «إذا لم تُنشأ البدائل بالسرعة الكافية، فقد يشكل ذلك عقبة حقيقية أمام الشركات الأميركية».

الروبوتات الشبيهة بالبشر الرخيصة

ومن دون الروبوتات الشبيهة بالبشر الرخيصة التي تنتجها الصين بكميات كبيرة، قد تضطر الجامعات ومختبرات الأبحاث الأميركية أيضاً إلى اللجوء إلى نماذج أقدم أو أكثر تكلفة.

وقال سايان ميترا، أستاذ الهندسة في جامعة إلينوي أوربانا-شامبين، إن العديد من المقررات تستخدم أذرعاً روبوتية وطائرات مسيّرة وروبوتات شبيهة بالبشر ومركبات من الصين، وأضاف أن استبدال الروبوتات الصينية الشبيهة بالبشر بنماذج أميركية قد يكلف عشرة أضعاف السعر، في حين قد لا تكون هناك بدائل أخرى للطائرات المسيّرة.

وقال ميترا: «الأمر أشبه بمحاولة إجراء عملية جراحية لمريض يقف بالفعل على قدميه، وإذا تم ذلك بطريقة عشوائية وغير متوقعة، فسوف يؤدي إلى إبطاء كل شيء، بل إن الحل الذي نسعى إليه، مثل إعداد باحثين أقوياء في مجال الروبوتات وبناء سلسلة توريد محلية، قد يتعطل تماماً لأننا سنمنع عملية الحصول على الروبوتات وتجربتها».

حتى السلع المنزلية اليومية أصبحت ضمن نطاق استهداف الحكومة، إذ يشمل حظر لجنة الاتصالات الفيدرالية على الروبوتات المتنقلة إصدارات جديدة من الأجهزة المؤتمتة مثل المكانس الروبوتية، ومنظفات حمامات السباحة، وآلات جز العشب، ومعظمها يُصنع أيضاً في الصين.

وقال جيتِش أوبراي، مدير أبحاث أجهزة المستهلك في شركة آي دي سي المتخصصة في أبحاث التكنولوجيا: «من الصعب للغاية نقل التصنيع إلى الولايات المتحدة، وعلى المدى الطويل، نعم، يمكن أن يحدث ذلك، لكنه سيكون على الأرجح مكلفاً جداً، وبالتالي سينتهي الأمر بالمستهلكين الأميركيين إلى دفع مبالغ أكبر بكثير».

(ستيفاني يانغ روكب اليوم)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enable Notifications OK No thanks