“قانون التوراة”.. هل ضمن نتنياهو بقاء حكومته بدعم الحريديم في مواجهة الجيش؟ |


روكب اليوم

تارة يختار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الغياب التام عن منصة التصويت في اللحظات الأكثر حرجا تحت قبة البرلمان، وتارة أخرى يمر عبر قاعة الكنيست سريعا ليرصد انقساما برلمانيا غير مسبوق.

وخلف هذا المشهد المربك، تعيش الأوساط السياسية في إسرائيل صراعا تشريعيا محتدما قبل حل الكنيست، هذا الصراع تتقاطع فيه الحسابات السياسية الضيقة مع المطالب العسكرية والمجتمعية الملحة، لتطرح تساؤلات عميقة حول طبيعة التحالفات الحاكمة وثمن بقائها، والاتجاه الذي تسير فيه تل أبيب وهي تترقب انتخابات عامة مصيرية.

التحصين المزدوج

فقد شهدت الأروقة حزمة من التشريعات التي تمنح طلاب المدارس الدينية الأرثوذكسية (الحريديم) وضعا قانونيا خاصا، وذلك عبر تمرير مسارين متوازيين:

  1. تعديل دستوري: من خلال إقرار “دراسة التوراة” بأغلبية 63 مقابل 52 صوتا، والذي يعلن دراسة التوراة “قيمة أساسية للشعب اليهودي ولدولة إسرائيل”. ويمنح هذا القانون دراسة الدين اعترافا شبه دستوري يجعلها القيمة الوحيدة المنصوص عليها صراحة في قوانين الأساس.
  2. إعفاء إجرائي: المصادقة بالقراءتين الثانية والثالثة على “قانون تجميد الاعتقالات للمتهربين” بأغلبية 58 مقابل 54 صوتا، وهو قانون يهدف إلى منع الاعتقال والتحقيق وممارسات إنفاذ القانون لعدة أشهر ضد الفارين الحريديم من الخدمة العسكرية والذين سيُعترف بهم كطلاب مدارس دينية.

وقد تباينت الآراء حول هذين المسارين إذ يرى قادة الأحزاب الحريدية والائتلاف في هذه التشريعات خطوة تاريخية طال انتظارها.

وبحسب المؤيدين يُعد تجميد إجراءات اعتقال طلاب المدارس الدينية اليهود (الحريديم) الذين يرفضون التجنيد “بمثابة البوصلة الأخلاقية للدولة”، كما يقول عضو الكنيست موشيه غافني.

بينما وصف رئيس حزب شاس، أرييه درعي، الخطوة بأنها “نصر لعالم التوراة وإنجاز تاريخي يعترف بالمكانة العليا لطلاب التوراة”، وتهدف هذه الصياغات قانونيا إلى حماية هذا القطاع من ملاحقات التجنيد وتصعيب مهمة محكمة العدل العليا في إصدار أحكام تعتبر عدم خدمتهم العسكرية أمرا غير قانوني وتمييزا.

في المقابل، يرى المعارضون والمنظمات القانونية مثل “الحركة من أجل جودة الحكم” أن هذه القوانين تمثل “إعفاء قطاعيا من الباب الخلفي” يسعى لشرعنة التهرب من الخدمة العسكرية دستوريا وقانونيا، وتعهدت بمحاربة الإجراء “في الكنيست وفي المحاكم على حد سواء”.

وحذرت المستشارة القانونية للجنة الخارجية والأمن في الكنيست، من أن إعفاء مجموعة معينة دون رقابة فعالة يزيد من التعقيد الدستوري، في حين يرى قادة المعارضة أن هذه التشريعات تمس مبدأ “المسؤولية المشتركة والمساواة” في تحمل الأعباء الوطنية، خاصة في ظل العجز العددي الذي يعلن عنه الجيش.

ويُعتقد حاليا أن نحو 80 ألف رجل من الحريديم الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عاما مؤهلون للخدمة العسكرية، لكنهم لم يُجنَّدوا. وقد صرحت قيادات في جيش الاحتلال الإسرائيلي مرارا وتكرارا في الأشهر الأخيرة بأنه بحاجة ماسة إلى 12 ألف مجند جديد وسط الصراع المستمر على جبهات متعددة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.

مصالح متبادلة

وفي إطار الصفقة مع الأحزاب الحريدية، قرر نتنياهو المضي قدما في خطوة دفع القوانين التي طلبوها قبيل نهاية الولاية البرلمانية لهدف واحد فقط: الحفاظ على كتلة أحزاب الائتلاف؛ لكي تصل الأطراف متحدة إلى الانتخابات القادمة.

ونظرا إلى وضعه في استطلاعات الرأي، يرى نتنياهو ورجاله أن الثمن السياسي الذي سيدفعه مقابل تمرير القوانين الخاصة بالحريديم أقل من كلفة البقاء من دون كتلة موحدة، يمكنها على الأقل منع الطرف الآخر من تشكيل حكومة.

وفي إطار الصفقة، تنازل الحريديم عن تمرير قانون دعم دور الحضانة في الكنيست الحالي، ولكنهم حصلوا في المقابل على تمرير قانون “دراسة التوراة” وأيضا القانون لمنع اعتقالات الفارين.

والحريديم، من جانبهم، سيدعمون قانون تقسيم منصب المدعي العام، والذي من المتوقع نتيجة لذلك أن يمر بالقراءتين الثانية والثالثة، بالإضافة إلى ذلك، صوّت الحريديم بالقراءة الأولى لصالح مشروع قانون إنشاء لجنة تحقيق سياسية في أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.

ووصل مشروع قانون تجميد اعتقال الحريديم المتهربين من الخدمة العسكرية إلى مرحلة المصادقة النهائية في الهيئة العامة للكنيست، رغم معارضة رئيس الأركان إيال زامير، وذلك بعد يوم من مصادقة لجنة الخارجية والأمن عليه تمهيدا لطرحه للتصويت بالقراءتين الثانية والثالثة.

أما قانون دراسة التوراة فكان حجر الزاوية في صفقة سياسية أوسع تم إبرامها الشهر الماضي بين نتنياهو وحلفائه الأرثوذكس المتطرفين لضمان تماسك الائتلاف، وتشمل المقايضة التشريعية تمرير قوانين تخدم الحريديم.

في المقابل يدعم الحريديم قانون إنشاء لجنة تحقيق سياسية في إخفاقات 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 تمنح الحكومة السيطرة على تعيينها، وتشريعا يضعف بشكل كبير صلاحيات المدعية العامة في إسرائيل.

وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير (الوسط) يحضر عملية التصويت على مقترح “دراسة التوراة” في الكنيست بالقدس، 13 يوليو/تموز 2026 (الأوروبية)

ولم يكن تمرير “قانون أساس دراسة التوراة” مجرد إجراء تشريعي عابر، بل جاء بعد مواجهة برلمانية محتدمة ومناورات سياسية عكست عمق الانقسام داخل أروقة صناعة القرار الإسرائيلي قبل الذهاب إلى الانتخابات العامة المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول.

وشهدت جلسة التصويت صراعا برلمانيا طويلا ومحاولات تعطيل مستمرة من المعارضة، إذ استمرت الخطابات والمماطلة من جانب المعارضة لأكثر من 10 ساعات متواصلة في محاولة لعرقلة القانون.

وبرز شرخ واضح في حزب الليكود الحاكم بعد تصويت عضوي الكنيست يولي إدلشتاين ودان إيلوز ضد التشريع، وإعلانهما مغادرة الحزب بسبب هذه القضية.

وفور انتهاء التصويت والمصادقة النهائية على قانون تجميد اعتقالات الفارين من التجنيد ليصبح قانونا نافذا، انتقلت المعركة مباشرة إلى الساحة القضائية، إذ أعلنت نائبة وزير الخارجية الإسرائيلي شارين هاسكل، مساء الثلاثاء، استقالتها من منصبها احتجاجا على تمرير الكنيست مشروع قانون تجميد اعتقال الحريديم الفارين من التجنيد، وفق إعلام عبري.

وقالت صحيفة “يديعوت أحرونوت” إن هاسكل، وهي نائبة عن حزب الليكود بزعامة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، أعلنت استقالتها من منصبها عقب المصادقة على وقف اعتقالات الحريديم “الفارين من التجنيد في الجلسة العامة للكنيست”.

أما نتنياهو فاختار التغيب عن التصويت، مما دفع رئيس حزب “ياشار” المعارض غادي آيزنكوت لوصفه بـ”الجبان” واصفا الغياب بأنه “وصمة عار لن تُمحى”.

وأصدر قادة المعارضة بيانا مشتركا نادرا حثوا فيه أعضاء الائتلاف على عدم التصويت لصالح القانون لما يُلحقه من ضرر بالجيش، تزامنا مع تحذيرات رئيس الأركان الفريق إيال زامير.

كما غاب حزب “أزرق أبيض” بزعامة بيني غانتس عن البيان المشترك لرفضه استبعاد الانضمام لحكومة مستقبلية يقودها نتنياهو أو التعهد بعدم الخدمة مع الحريديم، واكتفى غانتس بإصدار بيان منفرد انتقد فيه القانون.

وفور انتهاء التصويت، أعلنت “الحركة من أجل جودة الحكم” عن تقديم التماس إلى محكمة العدل العليا لإبطال القانون، واصفة إياه بأنه “قانون إعفاء من الخدمة العسكرية من الباب الخلفي” وُلد من صفقة سياسية وعُجّل دون نقاش عام حقيقي للالتفاف على أحكام المحكمة السابقة الصادرة في عام 2024، والتي أوجبت تجنيد طلاب المدارس الدينية لغياب الإطار القانوني لإعفائهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enable Notifications OK No thanks