روكب اليوم
2026-07-19 19:31:00

وقد دفع ذلك بعض الباحثين والمهتمين إلى اعتبار كأس العالم، بصورته المعاصرة، أحد أدوات النظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية؛ إذ تُوظَّف الرياضة بوصفها وسيلة للتأثير الثقافي والاقتصادي والسياسي، إلى جانب المؤسسات الدولية والاتفاقيات الاقتصادية ووسائل الإعلام العالمية.
فهناك تشابك اقتصادي واضح في شكل كأس العالم كحدث رياضي، وهناك الكثير من التفاصيل التي تؤكد أنه حدث اقتصادي قبل أن يكون حدثًا رياضيًا.
وعليه، فإن قراءة تأثير كأس العالم تاريخيًا لا تقتصر على نتائج المباريات وأسماء الأبطال، بل تمتد إلى فهم التحولات في بنية النظام العالمي، وصعود القوى الدولية، وتغير موازين النفوذ، واستخدام الرياضة كأداة من أدوات العلاقات الدولية والقوة الناعمة.
تاريخ كأس العالم
بعد أزمة الكساد الكبير عام 1929، أُقيمت النسخة الأولى من كأس العالم في أوروغواي عام 1930، بعدما اختارها الاتحاد الدولي لاستضافة البطولة احتفالًا بمئوية دستورها، وكذلك تتويجًا لمكانتها الكروية بعد فوزها بذهبيتي كرة القدم في أولمبياد 1924 و1928.
لم تكن هناك تصفيات مؤهلة مثل النظام الحالي، فقد وجّه الفيفا الدعوة إلى جميع الاتحادات المنضمة إليه، وكان عدد أعضاء الاتحاد الدولي في تلك المرحلة نحو 41 اتحادًا وطنيًا تقريبًا، وكانت مصر العضو الإفريقي الوحيد، إلا أن الاستجابة كانت ضعيفة بسبب ارتفاع التكاليف وبُعد المسافة، وتم تنظيم البطولة بمشاركة نحو 13 فريقًا فقط، وهو أمر يعكس شكل العالم في ذلك الوقت.
كانت مصر تمتلك حضورًا دوليًا مبكرًا؛ فقد شاركت في الألعاب الأولمبية، ووصلت إلى الدور نصف النهائي في أولمبياد أمستردام 1928، وبحسب الرواية المنشورة حديثًا على أحد المواقع، فإن عاصفة أخّرت البعثة المصرية، فضاعت عليها السفينة المتجهة إلى أوروغواي، إلى أن اشتركت مصر في التصفيات وتأهلت عام 1934، وأصبحت أول دولة عربية وإفريقية تشارك في كأس العالم، أما الآن فقد أصبح عدد المنتخبات المشاركة في البطولة 48 منتخبًا في «النسخة الأكبر»، وهنا يجب أن نذكر أن عدد أعضاء الفيفا اليوم أكبر من عدد أعضاء الأمم المتحدة!
تطور صناعة كأس العالم
في النسخ القديمة من كأس العالم، لم يكن هناك احتراف بالمفهوم الحالي للاعبين، وحاليًا أصبح الاحتراف أساسًا في تقييم اللاعبين مع تطور شكل الحياة العملية، وهنا كان لا بد من وجود أسس للتقييم، وقد ظهر ما يعتبره البعض «فخ القيمة التسويقية»، فربما يكون هناك بالفعل فخ حقيقي للقيمة التسويقية، التي تكون تقديرية، وربما يكون موقع Transfermarkt هو الأبرز والأهم؛ إذ يضع قيمة سوقية تقديرية للاعبين بناءً على تحليل الخبراء وبيانات السوق، لكنها ليست السعر الحقيقي للبيع والشراء.
وأعتقد أنه يمكن اعتبار سوق انتقالات اللاعبين أحد الأمثلة الواضحة على آليات الاقتصاد الرأسمالي الحديث. وهنا لا بد من الحديث دائمًا عن استخدام تعبير «شراء اللاعبين» في كرة القدم، وهو تعبير يعود إلى القرون الوسطى. ورغم أنه أصبح مصطلحًا متداولًا، فإنه يوحي لغويًا وكأن اللاعب يُباع ويُشترى كسلعة، بينما الحقيقة مختلفة تمامًا.
ما يحدث في الواقع هو انتقال تعاقدي؛ لذلك ربما تكون تعبيرات مثل «التعاقد مع لاعب» أو «ضم لاعب» أو «انتقال لاعب» أكثر دقة وإنسانية واحترامًا لطبيعة العلاقة الاحترافية، قد تبدو مجرد كلمات، لكن الكلمات تصنع طريقة فهمنا للأشياء.
اقتصاديًا، وبلا شك، يمكن النظر إلى اللاعب باعتباره أصلًا (Asset) تستثمر فيه الأندية، وتقوم بتقييمه بناءً على قدرته الحالية والمستقبلية على توليد الإيرادات والنتائج الرياضية.
يرى البعض أن تقييم اللاعبين مرتبط بقوة الدوري الذي يلعب فيه اللاعب، وقوة جواز السفر في استخراج تصاريح العمل، والقدرة التسويقية في بيع القمصان وجذب الجماهير، وحجم التغطية الإعلامية، وتاريخ الدولة في تصدير اللاعبين، ومع ذلك لا يخلو السوق من تحيزات أو انطباعات قد تؤثر في قرارات بعض الأندية والكشافين.
مواهب أميركا الجنوبية
وبالنظر إلى أميركا الجنوبية، باعتبارها أحد أهم مصادر المواهب الرياضية في العالم، أصبح احتراف اللاعبين أحد الأنشطة الاقتصادية المهمة، إذ يقدّر تقرير مشترك بين الفيفا ومنظمة التجارة العالمية، صدر عام 2022، أن أميركا الجنوبية حصلت على نحو 1.1 مليار دولار خلال عامين من برامج تطوير الفيفا وآليات انتقال اللاعبين على مستوى الأندية، وهو ما يعزز البنية الرياضية ويخلق دورة اقتصادية جديدة داخل القطاع. وبالتالي، فليس من المبالغة القول إن احتراف لاعبي كرة القدم أصبح «صناعة تصديرية».
معضلة التكلفة والعائد
وبالشكل الحالي، أصبح عدد قليل جدًا من دول العالم هو القادر على تنظيم كأس العالم، وهناك معضلة دائمة بين التكاليف والعوائد، ولحل هذه المعضلة أعتقد أن على الحكومات أن تدرس استضافة أي حدث رياضي وفقًا للأساليب العلمية.
ومن وجهة نظري، فإن تقديم مصفوفة لتنظيم الأحداث الدولية، تُقسَّم وفق الأهداف السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والرياضية، بالإضافة إلى التحديات والتكلفة التي تواجه الدولة، مع حساب العوائد الاقتصادية، يُعد أمرًا ضروريًا، فهذه العوائد غالبًا لا تغطي تكاليف تجهيز البطولات الرياضية، لكن يمكن تعويض ذلك من خلال تطوير البنية التحتية، مثل الطرق والملاعب، إلى جانب اكتساب الخبرات التنظيمية، وكلها عوائد كبيرة تُضاف إلى الدولة حتى بعد انتهاء البطولة.
ووفقًا للاتحاد الدولي لكرة القدم، تُظهر الأرقام الخاصة بكأس العالم 2026 أن الفيفا رفعت مستهدف إيرادات دورة 2023–2026 إلى نحو 13 مليار دولار. وتشير تقديرات حديثة إلى أنها قد تتجاوز هذا المستوى، بفضل ارتفاع أسعار التذاكر، وخصوصًا مع نظام التسعير التفاعلي الجديد للفيفا. بينما تشير دراسة أعدتها OpenEconomics بالتعاون مع الفيفا ومنظمة التجارة العالمية إلى أن البطولة قد تضيف قرابة 40.9 مليار دولار إلى الناتج المحلي الإجمالي العالمي.
إلا أن هناك وجهًا آخر؛ ففي هذه النسخة تحديدًا، برزت عدة وقائع أثارت نقاشًا واسعًا في الأوساط الرياضية والإعلامية، من بينها الجدل الذي صاحب بعض القرارات التحكيمية في مباريات منتخب الأرجنتين، وما ترتب عليه من تساؤلات حول معايير التحكيم، بالإضافة إلى الجدل المرتبط بتدخل الرئيس الأميركي دونالد ترامب في قضية رفع إيقاف أحد لاعبي المنتخب الأميركي، وهو ما اعتبره بعض المراقبين سابقة غير مألوفة في تاريخ البطولة. ورغم أن هذه الوقائع لا تمثل في حد ذاتها دليلًا على وجود تأثير مباشر في نزاهة المنافسات، فإنها تعكس أهمية تعزيز مبادئ الحوكمة والشفافية واستقلالية المؤسسات الرياضية، بما يحافظ على ثقة الجماهير في إدارة البطولة وعدالة المنافسة.
وبخصوص التكاليف، فلا يوجد حتى الآن رقم موحّد ونهائي للدول الثلاث؛ لأن الولايات المتحدة وكندا والمكسيك تتحمل كل منها نفقات الأمن والنقل وتجهيز المدن بصورة منفصلة. لكن كندا، مثلًا، قدّرت إجمالي الإنفاق الرأسمالي والتشغيلي وإنفاق الزوار المرتبط بالبطولة بنحو 1.9 مليار دولار كندي، مقابل أثر اقتصادي متوقع يصل إلى 3.8 مليار دولار كندي، وإضافة ملياري دولار كندي إلى الناتج المحلي، و700 مليون دولار كندي إلى الإيرادات الحكومية، وهذه الأرقام تظل تقديرات قبل اكتمال الحسابات النهائية بعد البطولة.
المراهنات
لم تعد المراهنات الرياضية نشاطًا هامشيًا خلال كأس العالم، بل أصبحت واحدة من أكبر الصناعات المرتبطة بالبطولة. ففي مونديال قطر 2022، قُدِّر حجم الأموال المتداولة في أسواق المراهنات الرياضية بنحو 35 مليار دولار تقريبًا، بينما تشير تقديرات عام 2026 إلى إمكانية تجاوزها 60 مليار دولار، مدفوعة بزيادة عدد المنتخبات والمباريات، واتساع أسواق المراهنات القانونية حول العالم.
ولا يقتصر تأثير المراهنات على الجانب الاقتصادي، بل يمتد إلى نزاهة المنافسات، فكلما ارتفع حجم الأموال المتداولة، زادت مخاطر التلاعب بالمباريات ومحاولات التأثير في بعض الأحداث داخل المباريات، وهو ما جعل الفيفا والاتحاد الدولي لنزاهة المراهنات يراقبان أسواق المراهنات العالمية خلال البطولة.
وعلى صعيد آخر، يمكن القول إن الاقتصاد لا يكافئ دائمًا من يرفع الكأس، بل قد يفوز أيضًا من يصنعها، ومن ينتج قمصانها، ومن ينقلها، ومن يبيعها للعالم. وتقدم الصين مثالًا واضحًا على أن النفوذ الاقتصادي قد يتفوق على الإنجاز الرياضي، فمدينة ييوو الصينية، على سبيل المثال، وهي مركز ضخم لتصنيع السلع الصغيرة، استحوذت، وفقًا لتقديرات صينية، على نحو 70% تقريبًا من سوق المنتجات المرتبطة بالمونديال عام 2022.
في النهاية، لا أعتقد أن كأس العالم يُعد دليلًا كافيًا على تقدم الأمة، لكنه مرآة صغيرة تكشف جانبًا من جودة الإدارة والتخطيط والثقافة الرياضية داخل الدولة ، ويمكن النظر إلى تطور كأس العالم باعتباره انعكاسًا لتطور الاقتصاد العالمي نفسه؛ إذ تحول من بطولة محدودة المشاركة في بداياتها إلى منظومة اقتصادية عالمية متكاملة، تتنافس فيها الدول على الاستضافة، والشركات على الرعاية، واللاعبون على الاحتراف، والجماهير على الحضور، بما يجعله أحد أبرز النماذج التي تعكس تطور العولمة وتداخل الرياضة مع الاقتصاد والسياسة والثقافة.
تم إعداد هذه المقالة لصالح روكب اليوم الاقتصادية، والآراء الواردة فيها تمثل آراء الكاتب فقط، ولا تعكس أو تمثل بأي شكل من الأشكال آراء أو وجهات نظر أو مواقف شبكة روكب اليوم الاقتصادية.