
إذ تقف المنطقة على أعتاب تحول جيوسياسي بالغ الحساسية، بالنظر إلى التحولات المتلاحقة والمنتظرة في طهران، على وقع ميلاد ما يصطلح عليه بـ”الجمهورية الثالثة” لولاية الفقيه، التي استهلت صارخة على أزيز القنابل الأميركية التي ساعدت في توريث مجتبى خلفاً لوالده الذي كان أول قتلى حرب الـ39 يوماً.
هذا التحول الحتمي يضع دول مجلس التعاون أمام اختبار حقيقي لقدرتها على صياغة استراتيجية موحدة ومستدامة، توازن بين التزامات الحفاظ على الاستقرار الإقليمي، وبين مواجهة العقيدة الأمنية والعسكرية المتشددة لطهران، والتي باتت تلقي بظلالها على خطوط الملاحة وأمن الطاقة الإقليمي الدولي في ظل صراع دموي مكلف باتت أطرافه الدولية والإقليمية واضحة للعيان.
- عسكرة النظام أم عقلنته مع صعود مجتبى؟
وتشير مالي إلى أن هذا التحول الراديكالي يعتمد على توظيف الحرب والأزمات لإعادة إحكام القبضة على السلطة، مستنداً إلى عقيدة دفاعية تقوم على اللامركزية المتعمدة. وتضيف مالي مقتبسة عن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لدى قوله متباهياً “لقد أمضينا عقدين في دراسة هزائم الجيش الأميركي إلى شرقنا وغربنا، واستخلصنا الدروس من ذلك، فقصف عاصمتنا لا يؤثر في قدرتنا على خوض الحرب، إذ تمنحنا اللامركزية القدرة على تحديد متى تنتهي الحرب وكيف”.
- قراءة في تقدير الموقف الاستراتيجي
في هذا السياق، كشفت ورقة تقدير موقف استراتيجي صادرة عن مركز الخليج للأبحاث، أعدها ثلاثة من كبار الباحثين في دول مجلس التعاون هم البروفيسور صالح الخثلان من السعودية، والأكاديمية نورة الشعيبي من دولة الكويت، والباحث السياسي راشد المهندي من دولة قطر، عن أن التباينات الخليجية في التعامل مع إيران لم تعد تُقرأ باعتبارها مجرد اختلافات سياسية طبيعية بين الدول الأعضاء، بل باتت تحمل أبعاداً استراتيجية قد تؤثر في حسابات إيران تجاه كلفة التصعيد وحدود الضغط الممكن على دول المجلس.
وتكشف الورقة البحثية المعمقة عن أن تداخل أمن الخليج مع مسارات الصراع الإقليمي الحالي يتطلب تحولات تتجاوز الأطر التقليدية التي حكمت العلاقات المتبادلة خلال العقود الماضية، محذرة من أن إدارة التهديدات الآنية بصورة منفردة لكل دولة على حدة لم يعد كافياً لمواجهة التحدي الهيكلي المشترك.
- معضلة التوافق وجدلية الأوزان النسبية للقوة
وتشير الورقة بقلق إلى أن بطء مسارات التوافق المشترك والمحاصصة السياسية قد يغري طهران باستغلال هذه الفجوات وتوظيف الجغرافيا لفرض سياسة الأمر الواقع، لا سيما أن أركان النظام في طهران، وعلى رأسهم رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، يتوعدون بمواصلة الرد حتى يندم الخصوم، معلنين بوضوح “نعتقد أن هذه الحرب ستغير كثيراً من العلاقات الإقليمية، ولن نعود إلى الأوضاع التي كانت قائمة قبلها، ونحن مستعدون لإبرام اتفاقات أمنية دائمة مع دول المنطقة توفر ضمانات متبادلة وتؤسس أمناً مستقراً”.
- من النافذة الاقتصادية إلى المواجهة الخشنة
ولم تكتف الإمارات بالتضامن الدولي، بل مالت إلى تكريس تحالف أعمق أمنياً وعسكرياً مع إسرائيل، تجسَّد في تبادل الزيارات الرفيعة واستقدام بطاريات القبة الحديدية وعسكريين إسرائيليين لتأمين أراضيها، بالتوازي مع اتخاذ خطوات سيادية حاسمة مثل الانسحاب من منظومة “أوبك+” لتبديد أي قيود مزعومة تكبل قدرتها على المناورة الاقتصادية الحرة في مرحلة ما بعد الحرب، وفقاً لمركز “رصانة” للدراسات الإيرانية.
هذا التحول الإماراتي الجذري من “رئة اقتصادية لطهران” إلى “رأس حربة” يطالب بإزاحة النظام، يعيد صياغة ملامح التعامل المنتظر بين أبوظبي وطهران في حقبة “الجمهورية الثالثة”، إذ تفيد المعطيات بأن الإمارات لن تعود ساحة خلفية لتمرير الأموال والتكنولوجيا للحرس الثوري، بل ستتحول إلى بيئة طاردة للنفوذ الإيراني، مع الإبقاء على ملف الجزر الثلاث المحتلة (طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى) كبؤرة توتر مستدام.
هذا التباين البنيوي يعكس انقسام المقاربة الخليجية بين “ضبط النفس البراغماتي” الذي تقوده السعودية لتجنيب المنطقة دماراً شاملاً، وبين “النفس الإماراتي” الذي يراهن على التنسيق العسكري مع تل أبيب، المعروف هدفها سلفاً.
هذا التوجه الإيراني الحاد لفرض معادلات جديدة يقابله قراءة خليجية ودولية واعية تحذر من اندفاع هذا الطور الثالث، إذ تستحضر سوزان مالي في مقالتها خطأ طهران التاريخي خلال يونيو 1982، عندما رفضت عرضاً سخياً بقيمة 25 مليار دولار من مجلس التعاون الخليجي الناشئ آنذاك لوقف الحرب مع العراق من دون شن هجوم يهدف لإطاحة صدام، حين أصرت طهران بغرور على مبالغ مضاعفة وفشلت في النهاية ودفعت بلادها ثمناً باهظاً، وهو ما قالت إنه يثبت أن النظام كثيراً ما أضاع الفرص.
- بذور الأفول والانقسام الداخلي
وترى مالي أن قيادة أكثر تطرفاً وخشونة في طهران ستجد صعوبة بالغة في التعامل مع انقساماتها الداخلية العميقة، في منطقة تعصف بها حال من عدم الاستقرار والعداء المتزايد، مما يجعل انتصارهم الراهن في تفادي الاستسلام مجرد تأجيل موقت، إذ يزرع تعنتهم وتفاؤلهم غير المبرر بذور زوال النظام الحتمية من الداخل، وهو ما يجب على العواصم الخليجية استثماره بذكاء عبر بناء جبهة ردع صلبة تمنع طهران من تحصيل أي نفوذ دائم على حساب أمن واستقرار المنطقة.
في خضم هذا الجدل المتصاعد حول شكل العلاقة الخليجية مع إيران في مرحلة ما بعد الحرب، واحتمالات دخول طهران طوراً سياسياً جديداً تحت ما يوصف بـ”الجمهورية الثالثة”، يدعو عالم الاجتماع الكويتي محمد الرميحي في حديث مع “اندبندنت عربية” إلى الابتعاد من القراءات العاطفية والاستقطابات الحادة في مقاربة ملف يعد، برأيه، من أكثر ملفات المنطقة حساسية وتعقيداً.
ويؤكد أن قضية “أمن الخليج” لم تكن يوماً شأناً عابراً، بل معضلة استراتيجية رافقت المنطقة منذ انسحاب بريطانيا في سبعينيات القرن الماضي، تزامناً مع صعود الخليج كمركز عالمي للطاقة والتنمية.
غير أن هذا التحول الاقتصادي الكبير، بحسب الرميحي، تزامن أيضاً مع “لعنة الثورات” والصراعات الأيديولوجية التي بدأت مع الثورة الإيرانية، ثم الحرب العراقية – الإيرانية، وصولاً إلى مرحلة الصواريخ والطائرات المسيرة التي وضعت أمن الخليج أمام تهديدات غير مسبوقة.
ومن هذا المنطلق، يرى الرميحي أن دول الخليج باتت أكثر اقتناعاً بأن حماية استقرارها الجماعي تتطلب إبقاء المنطقة قدر الإمكان خارج “فخ الصراعات الكبرى”، مع إدارة التباينات الخليجية الداخلية بعقلانية تمنع تحولها إلى خصومات مفتوحة.
ويرفض استخدام توصيفات مثل “الهيمنة” أو “الأخ الأكبر”، معتبراً أنها شعارات تتجاهل طبيعة العلاقات الخليجية التي تشكلت، وفق تعبيره، على أساس “العائلة الواحدة” وتكامل المصالح والمصير.
ويستشهد بتجارب مفصلية، من تحرير الكويت إلى الحرب الأخيرة، برز خلالها الدور اللوجيستي الذي لعبته السعودية في دعم جيرانها، باعتباره نموذجاً لفكرة أن “الكل أكبر من مجموع أجزائه”، وهي القناعة التي يرجح أن تحكم طريقة الخليج في التعاطي مع إيران خلال مرحلتها المقبلة، مهما تبدلت موازين القوى أو الأسماء داخل طهران.
وفي سياق صياغة النظام الإقليمي البديل الذي يرجح المحللون أن تكون الحرب الراهنة مهدت له، يشدد الخبراء على أن التسوية المرتقبة تتطلب بالتوازي إعادة النظر في الرهان على التحالفات القديمة، والاعتماد على “تأهيل جيوش الخليج وبناء عقيدتها العسكرية لخوض الحروب والدفاع الإقليمي الصلب بدلاً من الاكتفاء بتبادل الإشارات الدبلوماسية”، بحسب ما يستخلص المحاضر في دراسات أمن الشرق الأوسط بكلية كينجز بلندن ومؤلف كتاب “السياسات الأمنية في ممالك الخليج” ديفيد ب. روبرتس من تجارب التصعيد داخل المنطقة.
واستشهد في مقالة نشرها أخيراً في “فورين فيرز” بالتاريخ الممتد الذي أظهر أن الحلفاء الخارجيين كثيراً ما فرطوا في مصالح دول الخليج، وتخلوا عنها في لحظات حرجة. ومن الأمثلة على ذلك، كما يؤكد تخلي بريطانيا ورضوخها لسيطرة إيران على الجزر الإماراتية الثلاث عام 1971 تزامناً مع انسحابها من المنطقة، وصولاً إلى امتناع واشنطن عن الرد الفعال بعد هجوم بقيق في السعودية عام 2019، وقصف قطر عام 2025، مما يرسخ القناعة بأن استثناء تحرير الكويت عام 1991 لم يكن شيكاً على بياض، بل خطوة قادتها أميركا لخدمة مصالحها الذاتية في لحظة هيمنة أحادية القطب، وهو ما لا يشير مطلقاً إلى ما ستفعله واشنطن عندما تتباعد المصالح مجدداً، على حد وصفه.
بوادر هذا الاتجاه في الاعتماد على الذات والحلفاء الإقليميين، برزت بصورة ملموسة عندما عقدت السعودية، بصفتها الدولة الأكبر والأقوى في المنظومة الخليجية، اتفاق دفاع مشترك استراتيجي مع حليفتها النووية باكستان لتعزيز منظومة ردعها الذاتي وتأمين عمقها الاستراتيجي.
ويرى المراقبون أن هذا التحول السعودي يمهد الطريق لسيناريو مرجح تتجه فيه معظم دول الخليج الأخرى، إما فرادى أو مجتمعة، نحو بناء شراكات أمنية وعسكرية مماثلة، سواء عبر تعميق الروابط مع باكستان نفسها، أو بالانفتاح على قوى إقليمية ودولية كبرى تزيد من صلابتها الأمنية أمام التهديدات الإيرانية في مشهد ما بعد الحرب.
من الأمثلة على تلك القوى فرنسا وتركيا ومصر، بهدف صياغة معادلة أمنية متعددة الأقطاب تحمي المكتسبات الخليجية بمعزل عن تقلبات القرار في واشنطن.
- اصطفاف تكتيكي
لدى سؤال “اندبندنت عربية” المحلل السياسي الباكستاني اشتياق أحمد عن ظروف نشأة التكتل الذي عقد اجتماعه الثاني في إسلام آباد، قال “خلال الوقت الراهن، هو اصطفاف تكتيكي، وليس “ناتو إسلامياً”.
لا توجد بنية معاهدة، ولا قيادة متكاملة، ولا عقيدة دفاع جماعي مماثلة للناتو. الموجود هو تنسيق مهم سياسياً لكنه لا يزال قائماً على قضايا خفض التصعيد وأمن الخليج والدبلوماسية، واحتواء حرب إقليمية أوسع. صيغة الرياض – إسلام آباد – أنقرة – القاهرة مهمة لأنها تخلق منصة، لكنها ليست كتلة بعد”.
ومع ذلك أقر بأنه يمكن أن تتحول الاصطفافات التكتيكية إلى بنيوية إذا استمرت بعد الأزمة التي أنشأتها، مضيفاً “إذا واصلت هذه العواصم الأربع التنسيق في شأن لبنان وهرمز وأمن الطاقة والنظام الإقليمي بعد الحرب، فقد تذكر هذه الحرب باعتبارها اللحظة التي أفرزت مركزاً استراتيجياً جديداً في العالم الإسلامي. ومع ذلك، سيظل من الأدق وصفه كتنسيق أو محور بدلاً من “ناتو إسلامي”.
أما لماذا يثير هذا التقارب العسكري بين باكستان والسعودية وتركيا قلقاً عميقاً في تل أبيب؟ وهل يمتلك هذا التحالف أدوات لفرض نظام إقليمي جديد؟
رجح أن ذلك يعود إلى أن التقارب “يضيف عمقاً استراتيجياً مقابل أجندة إسرائيل، داخل بيئة تحتفظ فيها بحرية الحركة العسكرية بينما يظل خصومها متفرقين. نمط الضربات الإسرائيلية المستمرة خارج حدودها المباشرة، خصوصاً في لبنان، يعكس نهجاً يقوم على هيمنة التصعيد والردع عبر استخدام القوة. تحالف أكثر تنسيقاً بين باكستان والسعودية وتركيا يعقد هذا النموذج”.
لماذا هو كذلك؟ يقول “لأن باكستان تجلب صدقية عسكرية وسمعة ردع نووي، والسعودية تجلب مركزية الخليج وثقل الطاقة، وتركيا تجلب امتداداً إقليمياً وقدرة عسكرية مستقلة. حتى دون بنية تحالف رسمية، يقلل هذا المزيج من قدرة إسرائيل على العمل في بيئة مجزأة ويزيد الكلفة السياسية والعسكرية لتوسيع مسارح الصراع”.
- واشنطن لا تعوض
لكن تشكيل نظام جديد يتطلب عمقاً مؤسسياً وتنسيقاً مستداماً وتوافقاً سياسياً طويل الأمد لا يزال قيد التشكل. في هذه المرحلة، يفهم بصورة أدق كتشكل توازني ناشئ، يتحدى ديناميكيات التوسع لكنه لم يستبدلها بعد”.
عن “اندبندنت عربية”