
وقال بيتر سالزبوري، الزميل في مركز الأبحاث الأمريكي “سينشري إنترناشيونال” والمؤلف الرئيسي للتقرير الصادر مؤخرًا عن المركز بعنوان “ما وراء المحور”، إن الافتراض كان يتمثل في أنه من خلال ضرب القادة المناسبين، ومنشآت الأسلحة، وخطوط الإمداد، يمكن لفاعل خارجي أن يتسبب في فشل كارثي يشمل النظام الإيراني وشبكة حلفائه في الشرق الأوسط.
وعلى الرغم من تحقيق الولايات المتحدة وإسرائيل للعديد من تلك الأهداف العسكرية، فقد تمكنت القوات الإيرانية من مواصلة شن هجمات بطائرات مسيرة على دول الخليج المجاورة وحركة الملاحة البحرية في مضيق هرمز، في حين كثف حلفاؤهم في لبنان واليمن هجماتهم ضد إسرائيل والشحن التجاري في البحر الأحمر.
- استقلالية عملياتية
وصرح بايس قائلًا: “إن انتشار الطائرات بدون طيار (المسيرات) يُعد مثالًا جيدًا على ذلك”. فقبل بضع سنوات، نقلت طهران أنظمة كاملة ووفرت التدريب اللازم لحلفائها. وأضاف بايس: “اليوم، يمكن لهذه الميليشيات بناء طائراتها المسيرة الخاصة، بناءً على التصاميم الإيرانية، مع استيراد معظم قطع الغيار من دول أخرى غير إيران”.
على سبيل المثال، وفقًا للتقرير الذي نُشر بعد عامين من الأبحاث، فإن هذه الجماعات قادرة على الحصول على كميات كبيرة من محركات الطائرات المسيرة من طراز “شاهد-136” مباشرة من الشركات المصنعة الصينية.
وأوضح بايس أن “التكنولوجيا المزدوجة الاستخدام يصعب السيطرة عليها في المقام الأول، وبغياب مركز تقليدي للتهريب، فإن تتبع سلسلة التوريد يشبه البحث عن إبرة في كومة قش”، مضيفًا أن دولًا مثل الصين وروسيا، وكذلك عُمان، لم تبذل حتى الآن أي محاولات حقيقية للسيطرة على حركة هذه المواد.
ووفقًا لتقرير “ما وراء المحور”، فقد ارتفعت الحوادث المرتبطة بالنزاعات والمتعلقة بالطائرات المسيرة حول العالم من 140 حادثة في عام 2016 إلى أكثر من 58 ألف حادثة في عام 2025، وهو ما يمثل زيادة هائلة بنسبة 41,000 %.
وفي هذا الصدد، قال نيل كيليام، الزميل المشارك في برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في مركز الأبحاث البريطاني “تشاتام هاوس”: “إن القدرة المتنامية لشركاء إيران على تصنيع ونشر الطائرات المسيرة بشكل مستقل تُغير أيضًا من طبيعة علاقتهم مع طهران”.
ويرى كيليام أن ميليشيا الحوثي في اليمن تجسد هذا التوجه؛ إذ باتت الجماعة تمتلك الآن مستوى من الاستقلالية العملياتية كان من الصعب تخيله قبل عقد من الزمن. وأضاف لـ DW: “لقد ساعدت إيران وحزب الله اللبناني في إرساء أسس برامج الصواريخ والطائرات المسيرة لدى الحوثيين، في حين أجبرتهم سنوات الصراع والعزلة على تطوير قدرات إنتاج محلية”.
وخلال الحرب التي استمرت عامين في غزة من عام 2023 إلى عام 2025، هاجم الحوثيون إسرائيل وكذلك الشحن الدولي في البحر الأحمر بالطائرات المسيرة والصواريخ، في إطار ما قالوا إنه مسعى لإظهار الدعم للفلسطينيين في غزة. وخلال الحرب في إيران من فبراير إلى أبريل 2026، استأنف الحوثيون هجماتهم.
كما يشير التقرير إلى أنه، منذ عام 2022 على الأقل، نجحت مجموعة صغيرة من كبار ضباط الحوثيين في صنعاء في بناء علاقات عبر السواحل الإفريقية للبحر الأحمر وخليج عدن. وجاء في التقرير أن “شبكات التهريب الحوثية باتت موجودة الآن في الصومال وجيبوتي وإريتريا والسودان”.
- الجماعات المسلحة
وقال كيليام: “إن الجهود الإسرائيلية لتقويض قيادة التنظيم وبنيته التحتية العسكرية خلقت وضعًا أصبحت فيه المساعدة الإيرانية ضرورية للتعافي”.
وقد انهار وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في نوفمبر 2024 في أوائل مارس 2026، بعد أن هاجم حزب الله إسرائيل بالطائرات المسيرة والصواريخ عقب اغتيال إسرائيل للمرشد الإيراني علي خامنئي، والذي يدين له حزب الله بالولاء أيضًا. ومنذ ذلك الحين، أصبحت الجبهة اللبنانية قضية رئيسية في محادثات السلام بين الولايات المتحدة وطهران.
وأضاف كيليام: “إن مشاركة حزب الله إلى جانب إيران خلال الصراع الأخير، إلى جانب إصرار طهران على أن يشمل أي ترتيب لوقف إطلاق النار لبنان، أظهرت مدى عمق الارتباط الوثيق المستمر بين الطرفين”.
وأوضح كيليام أنه نتيجة للحملة العسكرية الإسرائيلية الطويلة في غزة، تقلصت قدرة طهران على الوصول إلى غزة وحركة حماس. وصرح قائلًا: “لا ينبغي الخلط بين هذا الوضع وبين تراجع دائم للأهمية الإيرانية، لأن العلاقات وشبكات التدريب والخبرة الفنية التي تطورت على مدى عقود لم تختفِ”. ويرى كيليام أن علاقات طهران بحركة حماس توضح كيف يمكن للتعاون العسكري أن يستمر حتى عندما يتراجع النفوذ السياسي مؤقتًا.
ولاحظ كيليام أن الجماعات المسلحة المرتبطة بطهران في العراق تحتاج إلى الموازنة بين المصالح العراقية المحلية وعلاقاتها مع إيران. وبينما يمنحها الاكتفاء الذاتي الأكبر في مجال الطائرات المسيرة وسائل أكثر استقلالية لاستعراض القوة وتوسيع النفوذ، فإن “التحدي الذي تواجهه طهران يكمن بشكل متزايد في تنسيق جهود عدد متزايد من الفاعلين القادرين الذين تتقاطع مصالحهم جزئيًا فقط”، بحسب تعبير كيليام.
ويرى كيليام أن إيران تحتفظ بنفوذها من خلال العلاقات السياسية، التدريب، تبادل المعلومات الاستخباراتية، والتنسيق الاستراتيجي عبر جميع هذه الجماعات، مستدركًا في حديثه لـ DW:”لكن النفوذ لا يعني السيطرة”.
- نوع جديد من التحديات
فهل يجعل كل هذا من الصعب على خصوم إيران تفكيك هذه الشبكات، والحد من تهديد حرب الطائرات المسيرة التي تشنها؟.
واختتم كيليام تصريحه قائلًا: “بالنظر إلى المستقبل، قد تكون النتيجة الأكثر أهمية لانتشار الطائرات المسيرة عبر ما يسمى بـ ‘محور المقاومة’ هي ظهور مراكز خبرة متعددة داخل ما كان يُنظر إليه في السابق على أنه نظام تقوده إيران بشكل أساسي. وهذا يجعل الشبكة الأوسع نطاقًا أكثر مرونة، وأصعب في التعطيل، وربما يصعب التنبؤ بخطواتها بشكل أكبر”.