روكب اليوم
2026-08-31 14:06:00

يبدأ العام الدراسي في لبنان في 15 سبتمبر، لكن العودة هذه المرة تضع السلطات أمام معادلة شديدة التعقيد. كيف تفتح المدارس أبوابها للتلاميذ، فيما تقيم آلاف الأسر داخل الصفوف والملاعب والممرات؟
وبحسب تقرير ميداني لـ”أسوشيتد برس”، لا تزال نحو 80 مدرسة تستخدم مراكز إيواء. وفي المدرسة التي زارتها الوكالة في صور وحدها، تقيم قرابة 200 عائلة.
مدرسة وبيت في آن واحد
نزحت فاطمة مع والدتها رندا التقي من بلدة المنصوري في جنوب لبنان. كانت الأسرة تعتمد على زراعة الزعتر، بينما يعمل الأب في بيع الوجبات الخفيفة باستخدام دراجة صغيرة، لكن الحرب أوقفت مصدر الدخل ودفعت الأسرة إلى النزوح أكثر من مرة.
عادت العائلة سابقا إلى بلدتها بعد جولة من القتال، قبل أن تضطر إلى المغادرة مجددا في مارس. واليوم تعيش الأم وابنتها في مساحة صغيرة تفصلها ستائر بلاستيكية عن عشرات الأسر الأخرى.
تقول فاطمة إنها تريد أمرين بسيطين: العودة إلى المدرسة والبقاء في منزلها. لكن تحقيق الرغبتين معا ما زال مرتبطا بالوضع الأمني وإمكان إعادة إعمار المناطق المتضررة.
في ذروة القتال، استخدم نحو نصف المدارس الحكومية اللبنانية مراكز إيواء، ما عطل دراسة أكثر من 250 ألف تلميذ، وفق تقرير بحثي أوردته الوكالة.
ورغم عودة غالبية من نزحوا في بداية المواجهة، لا يزال نحو 350 ألف شخص بعيدين عن منازلهم، بحسب مكتبالأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، بينهم قرابة 21 ألفا يعيشون في مراكز إيواء جماعية.
خطة للتدريس والإيواء
تقول مستشارة وزير التربية جورجيا هاشم إن الوزارة وضعت خطة خاصة بكل مدرسة مستخدمة للإيواء. وفي بعض المباني، ستخصص أقسام للتدريس، بينما تبقى الأسر في أجزاء أخرى. وفي حالات مختلفة، ستنقل العائلات إلى مدارس محددة أو إلى مبان غير مستخدمة، خصوصا في بيروت.
وتؤكد الوزارة أنها تسعى إلى توفير مقعد لكل تلميذ، لكن نجاح الخطة يعتمد على قدرة المدارس على الفصل عمليا بين الدراسة والإيواء، وعلى توفير المياه والكهرباء والمرافق الصحية والحماية للأطفال والعائلات في الوقت نفسه.
أما التعليم عن بعد، الذي استخدم خلال الأزمات السابقة، فلا يقدم بديلا سهلا. فالاتصال بالإنترنت غير مستقر في مناطق عدة، وقد يضطر خمسة أطفال داخل الأسرة الواحدة إلى تقاسم هاتف أو جهاز إلكتروني واحد.
ولهذا تتوقع الوزارة عودة معظم التلاميذ إلى التعليم الحضوري، مع إبقاء عدد محدود من المدارس على نظام التعلم عن بعد بسبب الدمار أو تعذر الوصول إليها.
340 مدرسة متضررة
لا تقتصر المشكلة على المدارس التي تحولت إلى ملاجئ. فقد كشف تقييم وطني أجرته وزارة التربية أن 340 مدرسة حكومية وخاصة ومهنية تعرضت لأضرار.
وأعلنت [يونيسف في 2 يوليو أن 17 مدرسة كانت قد دمرت بالكامل، محذرة من أن 100 ألف طفل قد يدخلون العام الجديد من دون صفوف صالحة للدراسة. وفي التحديث الأحدث الذي نقلته أسوشيتد برس عن مستشارة الوزير، ارتفع تقدير المدارس المدمرة إلى نحو 30.
بعض المباني يحتاج إلى إصلاحات عاجلة، بينما تقع مدارس أخرى في مناطق جنوبية يصعب الوصول إليها. وتقول الوزارة إن التمويل المتاح لا يكفي لإعادة تأهيلها جميعا قبل بداية الدراسة.
ويأتي هذا التحدي بعد سلسلة أزمات متلاحقة ضربت التعليم اللبناني منذ 2019، شملت الانهيار الاقتصادي وجائحة كورونا وانفجار مرفأ بيروت وجولات الحرب والنزوح.
وتقدر منظمة “أنقذوا الأطفال” أن تلاميذ لبنان خسروا ما يعادل أربع سنوات من التعلم، موضحة أن مستوى بعض تلاميذ الصف السادس قد لا يتجاوز عمليا مستوى الصف الثاني.
خطر يتجاوز عاما دراسيا
يحذر مسؤولون وخبراء من أن استمرار النزوح قد يحول أزمة السكن الحالية إلى أزمة تعليمية طويلة الأمد. فالتلميذ الذي يفقد المدرسة عاما بعد عام لا يخسر الدروس فقط، بل يفقد أيضا البيئة الآمنة والروتين اليومي والدعم النفسي والاجتماعي.
ولا تبدو المدارس وحدها قادرة على حل المشكلة. فإخلاء الملاجئ يتطلب توفير مساكن بديلة للعائلات، بينما تحتاج إعادة فتح الصفوف إلى تمويل سريع لإصلاح المباني وتجهيزها واستعادة المعلمين والطلاب.
هكذا يبدأ لبنان عاما دراسيا داخل مبان مطالبة بأن تكون مدارس ومنازل في الوقت نفسه. وبين الرقمين، 80 مدرسة تؤوي النازحين و340 مدرسة متضررة، تقف فاطمة وأطفال كثيرون أمام سؤال لم يعد تربويا فقط: أين يتعلمون، وأين تعيش أسرهم؟