
روكب اليوم
في الثامنة عشرة، ذهب وليد الركراكي إلى مطار أورلي للعمل إلى جانب والدته طلبا لثمن رخصة القيادة. تجربة لم تستمر أكثر من شهر، لكنها بقيت معه كلما رأى نفايات ملقاة في المطار.
لم يكن وليد الركراكي قد صنع اسمه في ملاعب كرة القدم حين رافق والدته، فاطمة بن مسعود، إلى مطار أورلي في باريس. كان في الثامنة عشرة من عمره، ويبحث عن عمل صيفي مؤقت يساعده على استخراج رخصة القيادة، وربما شراء سيارة أولى، فطلب منها أن تسأل مديرها إن كان بوسعه العمل إلى جانبها في الوردية الليلية.
وفي حواره ضمن بودكاست “مغارب” مع محمد الرماش على منصة أثير (30 أغسطس/آب 2026)، يعود المدرب المغربي إلى تلك الفترة المبكرة من حياته، لا بوصفها تفصيلا عابرا سبق الاحتراف والشهرة، بل كتجربة إنسانية فارقة جعلته يرى عن قرب حجم “تمارة” والكفاح اليومي الصامت الذي كانت والدته تحمله كل يوم لتأمين معيشة أبنائها الستة.
(لمشاهدة الحلقة كاملة عبر هذا الرابط)
كانت ورديتها تبدأ في العاشرة مساء وتنتهي عند السادسة صباحا. يخرجان معا من المنزل في التاسعة والنصف ليلا إلى المطار، حيث تتكرر الساعات الطويلة والمجهدة نفسها، في وقت يغط فيه معظم الناس في نوم عميق.
وكان الاتفاق أن يستمر الابن في العمل شهرين خلال عطلته الصيفية، لكنه لم يتمكن من إكمال أكثر من شهر واحد. شهر واحد كشف له ما عاشته والدته لسنوات طويلة. يستعيد الركراكي تلك الأيام وهو يقارن بين طاقته كشاب يافع في سن المراهقة يتمتع بالصحة والنشاط، وما كانت تفعله والدته لسنوات طويلة دون كلل.
فقد وجد نفسه عاجزا عن تحمل إيقاع الوردية الليلية وقسوتها إلا لشهر يتيم. أما والدته، فقد واصلت ذلك العمل الشاق 30 عاما.
ولم تكن عودتها عند السادسة صباحا تعني نهاية يومها. فبعد ساعات العمل الشاقة في التنظيف، كانت تعود إلى المنزل لتوقظ أبناءها وتساعدهم على الاستعداد ليومهم الدراسي، وتعد الفطور ثم وجبة الغداء، قبل أن تبدأ دورة أخرى من المسؤوليات والالتزامات العائلية.
في هذه المفارقة تحديدا تكمن قوة الحكاية: شهر واحد كان كافيا لكي يدرك الركراكي أن ما يراه الأبناء أحيانا كعمل روتيني لآبائهم وأمهاتهم، يخفي وراءه تضحيات صامتة وجهدا يوميا لا ينتهي عند باب الوظيفة.
علكة على أرض المطار
لا تزال ذاكرة أورلي ترافق الركراكي في سفره وتنقله بين المطارات. فعندما يرى شخصا يلقي علكة أو نفايات على الأرض، لا يتوقف عند ما فعله المسافر فقط، بل يتذكر الشخص الذي سيأتي بعده لإزالة ما تركه.
يستحضر في تلك اللحظة والدته والعاملين في المهن التي قد لا ينتبه إليها كثيرون، رغم أنها تجعل الأماكن العامة صالحة للاستخدام يوما بعد يوم.
وتحوّل الحلقة هذا التفصيل البسيط إلى معنى أكبر من حكاية شخصية: احترام العمل غير المرئي، وتقدير من يبدأون يومهم أو ينتهونه بينما يمر الآخرون سريعا، من دون أن يفكروا كثيرا في الجهد المبذول خلف المشهد.
من أورلي إلى القصر
في موضع آخر من الحلقة، تظهر صور من استقبال الملك محمد السادس للمنتخب المغربي عقب مونديال قطر 2022، وهي لحظة تضع مسافة زمنية ورمزية بين الشاب الذي لم يحتمل إلا شهرا في مطار أورلي، والمدرب الذي احتُفي به لاحقا بعد قيادة منتخب بلاده إلى إنجاز تاريخي.
لكن الحكاية لا تحتاج إلى تحويل هذا الانتقال إلى قصة انتصار سهلة أو ربط مباشر بين تعب الأم والنجاح الكروي. قيمتها في أن الركراكي نفسه يعود إلى ذلك الشهر القصير كلما أراد وصف ما فهمه عن والدته، وعن العمل الذي يستنزف الجسد ويستمر رغم ذلك لأن الحياة تتطلبه.
حكاية صغيرة داخل صندوق ذكريات كبير
تتجاوز حلقة “مغارب” من أثير حكاية مطار أورلي إلى محطات أخرى من حياة وليد الركراكي، من طفولته في ضواحي باريس ومسيرته لاعبا، إلى تجربته التدريبية وقيادة المنتخب المغربي في كأس العالم 2022.
لكن قصة والدته تبقى واحدة من أكثر لحظات الحلقة إنسانية: ابن أراد عملا مؤقتا ليؤمن رخصة قيادة، فاكتشف في شهر واحد جانبا من حياة أم واصلت العمل الليلي لعقود.
Published On 31/8/2026
|آخر تحديث: 01:00 (توقيت مكة)