مخيم كرياري.. غرفة طوارئ بلا إمكانيات تقاتل لإنقاذ 7 آلاف نازح | صحة


روكب اليوم

عندما بدأت الأسر السودانية الفارة من الحرب تتدفق على مخيم كرياري في شرق تشاد، لم يكن أحد يتوقع أن تتحول هذه البقعة النائية خلال فترة قصيرة إلى ملجأ لآلاف الأشخاص القادمين من مناطق القتال في دارفور.

وصلت الأسر تباعا، منهكة من الرحلة، تحمل أطفالها وما استطاعت إنقاذه من متاعها، بينما تركت خلفها منازل احترقت وقرى دمرتها الحرب. ومع كل يوم، كانت موجة جديدة تصل إلى المخيم، في وقت لم تكن فيه المساعدات الإنسانية تتناسب مع الأعداد المتزايدة.

وسط هذا الفراغ، تحرك عدد من الشباب والمتطوعين المحليين، ولم يكن بحوزتهم سوى قدر محدود من الطعام والكثير من الإرادة. بدأوا بإعداد 20 طبقا من العدس والأرز، قبل أن تتحول مبادرتهم إلى غرفة طوارئ تحاول اليوم تقديم الغذاء والمياه والمساعدة الصحية لنحو 7 آلاف أسرة.

لكن الغرفة، التي يعمل بها 25 متطوعا فقط، باتت تواجه أزمة تفوق إمكانياتها، في ظل استمرار النزوح ونقص الغذاء والمياه والأدوية ومواد الإيواء.

مشاهد لنازحين وصلوا مخيم كرياري شرق تشاد (الجزيرة)

مخيم تجاوز قدرته

يقع مخيم كرياري في إقليم إنيدي شرقي تشاد، وقد تحول إلى وجهة لآلاف السودانيين الفارين من الحرب في إقليم دارفور.

وحذر الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، في تقرير صدر يوم 17 مارس/آذار 2026، من أن عددا من مواقع استقبال اللاجئين في شرق تشاد أصبح ممتلئا، ولم يعد قادرا على استيعاب المزيد من الوافدين، وسط غياب خطط كافية للتوسع أو إنشاء مواقع بديلة.

وتصل إلى كرياري يوميا أسر جديدة قادمة من شمال وغرب دارفور، في ظل استمرار المعارك والهجمات التي تنفذها قوات الدعم السريع في عدد من المناطق.

ومع تواصل النزوح منذ اندلاع الحرب السودانية في أبريل/نيسان 2023، تضاعفت الاحتياجات الإنسانية، بينما ظلت الاستجابة الدولية أقل كثيرا من حجم الأزمة.

وبحسب أحدث بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، الصادرة في 13 يوليو/تموز 2026، تجاوز عدد اللاجئين السودانيين في تشاد 936 ألف شخص.

وتشير بيانات المنظمة الدولية للهجرة إلى أن إجمالي الوافدين إلى تشاد تجاوز 1.32 مليون شخص، بينهم أكثر من 400 ألف عائد تشادي.

العدس والأرز والعصيدة.. وجبات لا تكفي لسد رمق الجياع (الجزيرة)

7 آلاف أسرة جديدة

تقول غرفة طوارئ كرياري إن المخيم استقبل خلال الأسابيع الماضية نحو 7 آلاف أسرة، معظم أفرادها من النساء والأطفال.

وجاءت هذه الأسر من مناطق أمبرو والطينة وكرنوي وجرجيرا وأبو ليحاء وكلبس وبئر سلبية وسربا في غرب دارفور.

وتشير بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى نقل نحو 68% من اللاجئين إلى مواقع إيواء منظمة، بينما لا يزال آلاف آخرون عالقين في مناطق حدودية مكتظة تفتقر إلى المياه النظيفة والغذاء ومواد الإيواء والخدمات الصحية.

وفي كرياري، تنام أسر كثيرة في العراء أو تحت الأشجار، دون خيام تحميها من أشعة الشمس نهارا أو تقلبات الطقس ليلا.

3 أيام بلا طعام

تروي فاطمة آدم، التي وصلت إلى المخيم برفقة أطفالها الأربعة، للجزيرة نت، تفاصيل رحلتها من منطقة قوربراء قرب أمبرو، قائلة: “أحرقوا منزلنا، فمشينا 3 أيام بلا طعام ولا ماء. أطفالي يبكون من الجوع، ولا أدري كيف سأطعمهم غدا”.

ولا تختلف قصة فاطمة كثيرا عن قصص مئات النساء اللواتي وصلن إلى المخيم بعد رحلات طويلة سيرا على الأقدام، بعضهن فقدن أفرادا من أسرهن، وأخريات وصلن بأطفال مرضى أو يعانون من الجفاف وسوء التغذية.

ويقول مسؤول الرصد والمتابعة في غرفة طوارئ كرياري، صدام أبكر الصافي، للجزيرة نت: “أصبحت الغرفة الملاذ الوحيد للوافدين. يصلون يوميا منهكين وبلا مأوى، وينام الأطفال والنساء في العراء تحت الشمس الحارقة، بينما تتضاعف المعاناة مع انتشار الأمراض وصعوبة الحصول على المياه”.

متطوعو غرفة طوارئ كرياري يعدون وجبات لأكثر من 7 آلاف عائلة يوميا (الجزيرة)

مطابخ لا تكفي

يدير متطوعو الغرفة مطابخ جماعية لإعداد الطعام وتوزيعه على الأسر، لكن الكميات المتاحة لا تغطي سوى جزء محدود من الاحتياجات.

ويقول عضو غرفة الطوارئ إبراهيم يوسف بحر للجزيرة نت “ندير مطابخ تطوعية، لكنها لا تكفي. المياه شحيحة والأمراض تتفشى، ونخشى وقوع كارثة إذا استمر الوضع على هذا النحو”.

ويضيف أن الغرفة تعمل بطاقم لا يتجاوز 25 متطوعا، يتولون إعداد الطعام وتوزيع المياه ورصد الحالات الصحية ومتابعة احتياجات الأسر الجديدة.

ومع استمرار تدفق اللاجئين، يعاني الفريق من إرهاق شديد، بينما أصبحت المطابخ عاجزة عن توفير الطعام لجميع الأسر، ويحصل كثير من الأطفال على كميات محدودة من الغذاء يوميا.

طفل صغير يعود من رحلة جلب المياه التي تستنزف قواه (الجزيرة)

رحلة شاقة من أجل الماء

لا تقل أزمة المياه خطورة عن نقص الغذاء، إذ تعتمد الأسر على عدد قليل من الآبار لم يكن مصمما لخدمة هذه الأعداد الكبيرة.

ووفق صدام أبكر الصافي، ارتفع عدد المستفيدين من الآبار إلى نحو 6 أضعاف العدد الذي كانت تخدمه قبل وصول موجات اللاجئين.

ويضطر النساء والأطفال إلى قطع مسافات طويلة تحت أشعة الشمس لجلب احتياجات أسرهم من المياه، بعضهم سيرا على الأقدام، وبعضهم على ظهور الحمير.

وتستنزف هذه الرحلة اليومية ما تبقى من قوتهم، كما تعرض الأطفال والنساء لمخاطر صحية وأمنية متزايدة.

الأطفال يدفعون الثمن

تقول أماني محمد أبكر، وهي لاجئة من منطقة أمبرو، للجزيرة نت، إن غرفة الطوارئ تبذل جهودا كبيرة، لكن إمكانياتها لا تسمح لها بتلبية الاحتياجات المتزايدة.

وتضيف “الأطفال هم الأكثر معاناة. نرى يوميا حالات إصابة بالجفاف وسوء التغذية، ولا نملك حتى الأدوية الأساسية لعلاجهم”.

وتقدر غرفة الطوارئ أن سوء التغذية الحاد بات يهدد مئات الأطفال في المخيمات الحدودية، في ظل عدم حصول كثير منهم على وجبات كافية.

ويزيد غياب المرافق الصحية والأدوية الأساسية من خطورة الوضع، خصوصا مع اكتظاظ المخيم وضعف خدمات المياه والصرف الصحي.

جهود تطوعية في مطبخ لا يغطي سوى جزء يسير من الاحتياجات المتضخمة (الجزيرة)

الحصبة والتهاب السحايا

تأتي هذه الظروف في وقت تواجه فيه مناطق شرق تشاد مخاطر تفشي الأمراض الوبائية.

ففي 24 أبريل/نيسان 2026، حذرت منظمة أطباء بلا حدود من تفش متزامن للحصبة والتهاب السحايا في مدينة أدري التشادية، بعد تسجيل ارتفاع في الإصابات وبلوغ معدل الوفيات بين الأطفال المصابين بالتهاب السحايا نحو 12%.

ونظمت وزارة الصحة التشادية، بدعم من المنظمة، حملات تطعيم عاجلة استهدفت أكثر من 95 ألفا و500 طفل ضد الحصبة، وأكثر من 337 ألفا و800 شخص ضد التهاب السحايا في المناطق الأكثر تضررا.

لكن استمرار وصول اللاجئين إلى مواقع مكتظة تفتقر إلى المياه النظيفة والرعاية الصحية يزيد المخاوف من انتقال العدوى وظهور بؤر مرضية جديدة.

نقص تمويل يهدد الحياة

تقدر المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن تشاد تستضيف نحو 2.26 مليون نازح ولاجئ، مع توقع ارتفاع عدد اللاجئين في البلاد إلى 1.48 مليون شخص بحلول نهاية عام 2026.

وفي 9 أبريل/نيسان 2026، حذرت الأمم المتحدة من أن اللاجئين السودانيين في تشاد يواجهون تخفيضات تهدد حياتهم، نتيجة فجوة تمويلية تبلغ 428 مليون دولار، أدت إلى تقليص عدد من الخدمات الأساسية.

وتقول المفوضية إن الموارد المتاحة لا تسمح بتقديم المساعدات سوى لـ4 من كل 10 لاجئين، بينما تعيش نحو 80 ألف أسرة من دون مأوى مناسب.

وينعكس هذا النقص مباشرة على أوضاع اللاجئين في كرياري، حيث تقول غرفة الطوارئ إن المخيم لم يتلق منذ أشهر مساعدات تكفي لتلبية احتياجات سكانه.

مشاهد نازحين وصلوا حديثا إلى مخيم كرياري شرق تشاد (الجزيرة)

الخريف يقترب

يحذر صدام أبكر الصافي من أن استمرار تدفق اللاجئين دون توفير الغذاء والمياه والمأوى والرعاية الصحية قد يحول المخيم إلى بؤرة لكارثة إنسانية، داعيا المنظمات الدولية إلى التدخل قبل فوات الأوان.

وسعت الجزيرة نت للحصول على تعليق من قوات الدعم السريع بشأن الهجمات التي دفعت الأسر إلى النزوح، لكنها لم تتلق ردا. كما تواصلت مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين للاستفسار عن خطط تقديم المساعدات للمخيم، دون أن تتلقى إجابة.

وبين الحرب المستمرة في السودان، ونقص التمويل، وغياب الخدمات الأساسية، تواصل غرفة طوارئ كرياري عملها بإمكانيات محدودة، محاولة إبقاء آلاف الأسر على قيد الأمل.

ومع اقتراب موسم الأمطار، تتزايد المخاوف من أن تتحول الأرض المكشوفة التي ينام فوقها اللاجئون إلى مستنقعات، وأن تنتشر الأمراض بين الأطفال الذين لا يملكون خيمة أو دواء أو وجبة كافية.

ويبقى السؤال الذي يطرحه متطوعو المخيم: إلى متى يستطيع 25 شابا مواجهة أزمة 7 آلاف أسرة وحدهم؟ ومتى تصل المساعدات قبل أن يتحول كرياري إلى كارثة أخرى يشاهدها العالم بعد فوات الأوان؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enable Notifications OK No thanks