



تكشف لغة الأرقام والشهادات الميدانية أنّ الجوع في اليمن بات بمثابة سياسة “قتلٍ صامت” وسط شحّ التمويل وتقليص المساعدات الدولية وتجاهل السلطات المحلية، فيما تتفاقم الأزمة الإنسانية بين النازحين، وتهدّد حياة مئات الآلاف بموتٍ محتّم أو بأمراضٍ وأوبئة فتّاكة، خصوصًا عقب تسجيل وفيات بسبب سوء التغذية الحادّ.
على مدى أجيال متعاقبة، ظلّ اليمنيون يردّدون بيقينٍ راسخٍ عبارةً باتت أشبه بالأمثال الشعبية؛ “لا أحد يموت من الجوع”. غير أنه في عمق العزلة، وتحديدًا داخل مخيم المهربة في مديرية عبس بمحافظة حجة، تبدّدت تلك العبارة المتعلقة بالجوع، إذ إنّ المخيم الذي يمتد على مساحة شاسعة، ويضمّ خيامًا كثيرة تفتقر إلى أدنى مقوّمات الحياة، كان قد شهد أخيرًا وفاة زوجة النازح عبدالله مستباني المعروف بأبو هاشم. لم يكن رحيلها مجرد وفاة عابرة، بل كان فصلًا مأساويًا لقصة خذلانٍ مزدوج. فقبل أسابيع ، فارق زوجها الحياة بالطريقة ذاتها، بعد أن تآكل جسده نتيجة المرض وسوء التغذية الحادّ. ورغم انتشار مقاطع مصوّرة تداولها ناشطون، تتضمن صرخة استغاثة ومناشدات، غير أنّ أحدًا لم يتمكن من مساعدة الزوجة ومدّها بالغذاء والدواء، فكان أن فارقت الحياة في خيمتها.
تختزل عائلة أبو هاشم حكاية آلاف النازحين في مخيمات عبس، حيث يعيشون على الهامش وعند حافة الفناء، بعد أن تراجعت المساعدات الإغاثية الدولية التي كانت شحيحة في الأصل، ما جعلهم أمام خيارين، أحلاهما مُرّ؛ إمّا انتظار معجزة، أو الموت صمتاً تحت سقف خيمةٍ قماشية لا تقي حرّ الصيف ولا تمنع غوائل الجوع.
- ظروفًا خانقة
ويُعدّ الأطفال الفئة الأكثر تضررًا من الجوع المتفشّي في مخيمات النزوح، حيث باتت أجساد معظم الأطفال دون الخامسة من عمرهم، نحيلة، وكأنّها مجرد عظامٍ مكسوّة بالجلد، نتيجة سوء التغذية الحادّ. وتمتد هذه المعاناة لتشمل الحوامل والمرضعات. يتحدث عبد الرحمن رسام، وهو نازح في محافظة مأرب، بحرقةٍ عن فقدان طفله بعد إصابته بسوء التغذية الحادّ، ويقول: “توفي طفلي الذي لم يتجاوز عمره ثلاثة أعوام، بعد أن أُصيب بهزالٍ شديد مصحوب بإسهال حادّ، كنتُ أتقطع ألمًا وأنا أشاهد جسده النحيل قد تحوّل إلى هيكل عظمي، وسط ضمور عضلاته وجفاف جلده. لم يستطع جسده الصغير المقاومة لأكثر من أسبوع، بينما وجدتُ نفسي مكبّلًا بالعجز وقلّة الحيلة، لعدم قدرتي على توفير العلاج له. فكان أن فارق الحياة وترك في قلبي غصّة ووجعًا لا ينتهيان”.
من جانبها، تحذّر الطبيبة عبير أمين من تحوّل مخيمات النزوح إلى بيئة موبوءة بالأمراض تفتقر الحدّ الأدنى من الأمان الصحي. وترى في حديثها أنّ الجوع وسوء التغذية الحادّ اللّذين ينهشان أجساد النازحين في ظلّ الوضع المعيشي البائس، يشكّلان الأرضية الخصبة لانتشار قائمة طويلة من الأمراض والأوبئة الفتّاكة، مثل الحمى، والحصبة، والكوليرا، والملاريا. وتتابع: “ما يضاعف حجم هذه المأساة ويجعلها معقّدة بالنسبة لتوفير الرعاية الطبية، هو وجود المخيمات في مناطق نائية ومعزولة تمامًا، حيث تفصلها مسافات شاسعة عن مراكز المدن أو المستشفيات والمرافق الصحية المؤهلة نسبيًا لإنقاذ الأرواح، ما يجعل الوصول إلى العلاج في الوقت المناسب ضربًا من المستحيل”.
وقد ارتبط تفاقم معاناة نازحي المخيمات بشكلٍ وثيق بقراراتٍ سياسية واقتصادية دولية، جاءت نتيجة طول فترة الحرب، وانكفاء المجتمع الدولي عن الاهتمام بالأزمة الإنسانية في اليمن، حيث أدّت هذه القرارات إلى نقص حادّ في التمويل المخصّص لليمن، لتبدأ المنظمات الإغاثية، وفي مقدّمتها برنامج الأغذية العالمي للأمم المتحدة، بتقليص مساعداتها أو تعليقها كلياً في بعض المناطق. وقد انعكس هذا التراجع بشكل كارثي على حياة مئات الآلاف من الأسر النازحة التي كانت تعتمد كلياً على تلك الإعانات للبقاء على قيد الحياة، في ظلّ انعدام السّبل بعد أن ألقت الحرب بظلالها على شتّى جوانب الحياة. في السابق، كانت السلة الغذائية الشهرية، رغم محدوديتها، تضمن الحدّ الأدنى من احتياجات الأسرة، حيث كانت تشمل الدقيق، والزيت، والسكر، والبقوليات. لكنّ تلك السلة تحوّلت اليوم إلى نصف سلة لا تكفي لأيامٍ معدودة، وفي كثير من المخيمات انقطعت المساعدات تمامًا، لتُترك الأسر وحيدة في مواجهة مصيرها وسط صمتٍ مريع، وغياب أيّ دور حكومي لمواجهة الكارثة.
وفي السياق ذاته، يرى رئيس الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين، نجيب السعدي، أنّ الأزمة الإنسانية الحالية باتت أشد عمقاً ممّا كانت عليه قبل عشرة أعوام. ويوضح السعدي أنّ تناقص الدعم الإنساني كشف عن ثغرة بنيوية في أداء المنظمات الدولية، قائلاً: “المنظمات عملت طوال الفترة الماضية من دون تطبيق استراتيجية خروج واضحة، ولم تؤهّل المجتمع اليمني للاعتماد على ذاته أو مواجهة الصعوبات، بينما المطلوب اليوم صياغة استراتيجية وطنية تركّز على الحلول الدائمة ومشاريع الإنعاش المبكر لضمان استدامة الأثر”.
وفي 19 مايو الماضي، أعلنت منظمة “أطباء بلا حدود” ارتفاعًا في معدلات سوء التغذية الحادّ الوخيم بين الأطفال في محافظة عمران، بسبب الأزمة الاقتصادية والقيود المفروضة على العمل الإنساني. وأفادت المنظمة بأنّ مستشفى السلام بمديرية خَمِر استقبل 599 طفلًا مصابًا بسوء التغذية الحاد الوخيم خلال الأشهر الأربعة الأولى من عام 2026، بزيادة بلغت 48% مقارنةً بالفترة ذاتها من العام الماضي. هذا التدفق الهائل الذي سجّل ذروته في أبريل الماضي بـ247 حالة، بحسب المنظمة، أجبر المستشفى على توسيع القدرة الاستيعابية لقسم علاج سوء التغذية من 21 سريرًا إلى 36، مع الجاهزية لرفعها إلى 81 سريرًا، وسط تحذيرات من وصول الأطفال في مراحل متأخرة وخطيرة تهدد حياتهم.
وفي خطوة تعكس التسارع المخيف للأزمة الإنسانية، أطلقت الأمم المتحدة، تحذيرًا على لسان وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية، توم فليتشر، خلال إحاطته أمام مجلس الأمن. بأنّ مستويات الجوع في اليمن تشهد تصاعدًا كبيرًا، حيث ارتفعت نسبة العاجزين عن تلبية احتياجاتهم الغذائية الأساسية خلال شهر واحد فقط من 50 % إلى ما يقارب 60 % من السكان. وأشار المسؤول الأممي إلى أن أكثر من 18 مليون شخص، أي ما يزيد على نصف سكان البلاد، يعانون حاليًا من الجوع الحادّ، بينهم أكثر من 2.2 مليون طفل دون سنّ الخامسة، ينهشهم سوء التغذية الحادّ، محذّرًا من تداعيات نقص التمويل المخصّص للعمليات الإنسانية، إذ إنّ خطة الاستجابة الإنسانية لليمن لم تحصل حتى الآن إلا على أقلّ من 15 % من التمويل المطلوب.
من جانبه، ركّز برنامج الأغذية العالمي في تقريره الصادر في مايو الماضي على الأوضاع الكارثية داخل مخيمات النزوح، مؤكدًا أن واحدًا من بين كل ثلاثة نازحين داخليًا في اليمن عانى من الجوع مع نهاية الربع الأول من العام الجاري. وبيّنت إحصائيات البرنامج أن 39 % من النازحين عانوا من جوع متوسط إلى حادّ، وهي ضعف النسبة المسجلة بين باقي السكان (19 %)، وترتفع هذه المعاناة لتصل إلى 50 % بين الموجودين داخل المخيمات. وأوضح التقرير أن 17 % من الأسر النازحة قضى أحد أفرادها يومًا وليلة كاملة من دون طعام، في حين اضطر 54 % من النازحين إلى الاعتماد على استراتيجيات قاسية للتكيف مع الأزمة الغذائية، بما فيها الاستغناء عن بعض الوجبات اليومية. كما اضطر 14 % من قاطني المخيمات إلى التسوّل لتأمين لقمة العيش، في ظل أزمة سكنية خانقة تمنع 92 % منهم من تحمّل تكاليف الإيجار.
وفي 5 مايو الماضي، نبّه البرنامج الأممي مجدّداً إلى أنّ اليمنيين الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي (18 مليون شخص) باتوا يواجهون مخاطر أشدّ، بسبب اضطرابات سلاسل التوريد الناتجة عن النزاع الإقليمي. وبما أنّ اليمن يستورد 90 % من احتياجاته الغذائية، فإنّ أسعار الوقود ارتفعت في مناطق الحكومة بنسبة 28 %، وتضاعفت تكاليف الشحن والتأمين ضد مخاطر الحرب لتصل في بعض الحالات إلى ثلاثة آلاف دولار للحاوية الواحدة. هذا الارتفاع الجنوني في كلفة الشحن والوقود اللازم للمطاحن المحلية تسبّب في قفزات مباشرة لأسعار المواد الأساسية، مثل الزيوت والقمح، ما يدفع الأسر النازحة والأكثر عوزًا إلى “نقطة الانهيار التامّ” والوقوع في براثن مجاعة أشدّ عمقًا.
- مضاعفات صحية خطيرة
وفي يناير الماضي، كشف تقرير لمنظمة لجنة الإنقاذ الدولية تحت عنوان “التضوّر جوعًا في صمت” عن حقائق مروّعة. وتوقّع ظهور بؤر مجاعة تؤثر على أكثر من 40 ألف شخص في مديريات عدّة. وأوضح التقرير أنّ هذه الأزمة هي نتيجة مباشرة لانهيار التمويل الدولي، إذ أُغلقت دفاتر عام 2025 بتمويل لم يتجاوز 9 % فقط لقطاع التغذية. وفي مناطق جنوب اليمن، أدى تراجع التمويل إلى انخفاض معدل الوصول لخدمات التغذية بنسبة 63 % وإغلاق المرافق الطبية، حيث أبلغت نصف الأسر التي لديها أطفال دون سنّ الخامسة عن معاناة طفل واحد على الأقلّ من سوء التغذية.